لماذا نتصرف كدكتاتوريون

سلمى الخوري
2021 / 2 / 28

لو تيقنا وأدركنا أن الملايين من البشر كآباء وأمهات كم نتعامل
مع أطفالنا في بعض المواقف كدكتاتورين ونطالبهم بما لا نفعله
نحن لأننا نعتبر أنفسنا أن لنا السلطة وهم يجب ان يعملوا بما
نريده نحن ، لأن الكبير يستطيع أن يبتلع الصغير الذي لا قدرة
له على المقاومة سوى هدر الدموع والبكاء بإنكسار لأن المحكوم
يحتاج الى لقمة العيش والأطمئنان الى ما يحتاجه من وسائل
اللعب والترفيه مع أقارنه ، أخوته ، فالعقاب دائما جاهز لهذا
الكائن الذي أقصى ما يحتاج ويحتاج اليه هو الأطمئنان والمحبة
والتعامل الأنساني معه حتى يصل الى مرحلة البلوغ ويمكنه حينها
الأعتماد على نفسه .


قدح ماء

كان الأب جالساً كعادته بعد تناول غدائه الى كرسيه ذو الموقع القريب الى المطبخ
واضعا نضارته على عينيه ، فارشاً الصحيفة اليومية بين كلتا يديه ، غارق بين أبوابها
المنوعة في صفحتها الأولى التي تحمل أخبار الكون المتضاربة .
وعلى حين غفلة نادى أبنه الذي كان منهمكاً في محاولة لعمل لعبة خاصة له ، أخترعها
من ذهنه المتوقد ، متكونة من سلك معدني وشيئا من الخيوط وقطعة خشبية ومسامير
صغيرة ..
كان الصغير غارقاً في أختراعه ، فلم يُجب .. وعلا صراخ رجل البيت أكثر، وبعصبية
تضيع معها كل عقلانية الرجولة إزاء طفولة لم تتعدَ العاشرة ..
ــ يا عصام مليون مرة أنبهك ، عندما أناديك يجب أن ترد من المرة الأولى بنعم ،
وأفاق الصبي لهذا الصراخ المفاجئ الذي أرعبه وجعل اللعبة تسقط من يديه خوفاً وقلقاً
من الصورة المتجبرة الحاكمة التي أمامه ...
ــ ماذا تريد يا بابا ؟
ــ آتني بقدح ماء لكي أشرب .
ذهب الصبي مع الرهبة والمذلة التي كانت تستعجله ، كان يردد مع نفسه " لو كانت لي
القدرة ولا أخافه لقلت له ـ لا ـ أنا منهمك مثلك في عملي الخاص ، ثم أنك في موقعك
الذي أنت جالس فيه كان يمكن أن تقفز بخطوة واحدة وتوفر على نفسك الصراخ الحقير
والذي أكرهه .



لاتقطف الزهور


سرقت الصغيرة نفسها من أمام عيني والدتها وغابت زمناً لا بأس به ،
وعلى حين غفلة تذكرت الأم أن لا مصدر صوت أو حركة لأبنتها داخل
المنزل ، وأدركت بفعل بديهيتها أنها لا بد أن تكون في حديقة المنزل .
وخرجت أليها مسرعة باحثة عنها ووجدت يا للهول ، باقة كبيرة من
الزهور بين يدي الصبية وهي جالسة على الخضرة الندية فارشة أمامها
الزهور التي قطفتها لتعمل منها باقة كبيرة .
وتحدثت الأم مع نفسها وهي متوجهة بعصبية نحو ابنتها الغارقة في
أحلامها مع زهورها وحكاياتها التي تحادث بها الفضاء حولها ... ماذا
سيكون شعور والدها لو قدم ورأى الحديقة الممزقة والتي يعبدها عبادته
للمحبوب .
هجمت الأم عليها بوابل من النعوت والصفات التي تنم عن ضعف لا
يستدرك في مواقف الخوف والقلق والخسارة المادية .
ــ ألم أقل لك ألف مرة لا تقطفي الزهور ..؟ لقد دمرت منظر الحديقة ،
وهجمت على الزهور تدوسها بقدميها لتعلن عن سخطها وأستنكارها
لعمل الطفلة البرئ .
الدموع تتساقط من عيني الصغيرة ، وهي تدافع عن زهورها ـ
ــ لا يا ماما لا يا أمي فهي زهور جميلة أعشقها ، جمعتها كما تفعلين
أنت لكي أضعها في زهرية المنزل حتى تسران بها أنت وبابا .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير