زيارة السيسي لإسرائيل: أزمة تيار الاستلاب للصهيونية في مرحلة ما بعد ترامب

حاتم الجوهرى
2021 / 2 / 27

هل يمكن أن يكون تيار الاستلاب للصهيونية يعد لأزمة جديدة للإدارة السياسية المصرية الحالية؛ تحت شعار التعاون الاقتصادي/ السياسي مع الصهيونية، تنتهي بالتزيين لأن يقوم الرمز السياسي المتمثل في الرئيس السيسي بزيارة مماثلة لزيارة السادات إلى "إسرائيل"!
نعم أعتقد أن هناك من يمهد لهذا المسار الكارثي؛ ويحاول إعادة إنتاج "الدولة حارسة التناقضات" مرة أخرى التي دشن لها السادات وأكد عليها مبارك، باعتبار مصر مجرد دولة تحرس التناقضات الإقليمية دون طموح خاص بها، ولكن هذه المرة يريد تيار الاستلاب ورثة خطاب التطبيع القديم، أن يذهبوا بالأمر لأبعد مدى عبر تسليم صنبور مياه النيل لـ"إسرائيل" واستحضار وساطتها.
والكارثة الأكبر من ذلك هي ربط دعاة تيار الاستلاب ورثة خطاب التطبيع القديم الاقتصادي بالسياسي، أي تبعية كاملة تفكك مقدرات الذات العربية والمصرية، بجهل ووقاحة وصفاقةلا حد لها، وكأن الناس لم يروا نتاج ما فعلوه في كامب دافيد، والهوان الذي قدموه لترامب في محاولة تمرير "صفقة القرن".

العلاقة بين تيار الاستلاب للصهيونية والتطبيع القديم
في دراستي التي ستنشر في عدد شهر مارس 2021م من مجلة "ميريت" الشهرية، بعنوان: "من التطبيع إلى الاستلاب: أزمة الذات العربية والمسألة الأوربية"، قدمت إشارة مفصلية للفرق بين خطاب التطبيع القديم وبين خطاب الاستلاب للصهيونية الجديد، محورها الاختلاف بين الاعتراف بالآخر في علاقات دبلوماسية، وبين الاعتراف برواية الآخر والاستسلام التام لشروطها.

الاستلاب العلماني والديني
والاستلاب السلطوي التوظيفي
وفي دراسة سبقتها نشرت في عدد شهر ديسمبر 2020م من مجلة "أدب ونقد" الشهرية، بعنوان: "القدس ودوافع خطاب الاستلاب للآخر عند النخب العربية- مقاربة نقدية"، تناولت رصدي لثلاثة تيارات رئيسية تبنت مقاربة الاستلاب للآخر الصهيوني في ظل صفقة القرن.
وهي الاستلاب العلماني (نُخَبُ تَبَنِّي خطاب الاستلاب باسم العلمانية)، وتتكون من الاستلاب العلماني (مصريًّا وعربيًّا) الذي يضم عربيا: سليمان الطراونة (الأردن) - نبيل فياض (سوريا) - فرحات عثمان (تونس).
ثانيًا: الاستلاب الديني (نخب تبني خطاب الاستلاب باسم الدين)، ويتكون من الاستلاب الديني المذهبي (من داخل الدين الإسلامي) الذي يضم: أحمد صبحي (قرآني) - سامح عسكر (إخواني منشق) - مصطفى راشد (أزهري منشق)، وكذلك الاستلاب الديني الطائفي ( من الدين المسيحي) الذي يضم: زكريا بطرس (قس مسيحي مصري منشق/ معزول).
ثالثًا: الاستلاب السلطوي العام والتوظيفي (نخب الاستلاب باسم التقرب عامة للسلطة)، ويتكون من الاستلاب السلطوي العام عبر نماذج من مصر والسعودية، والاستلاب السلطوي التوظيفي (نخب الاستلاب باسم الوطنية والمقاومة) الذي ضم اسمين من مصر.

يوسف زيدان ومراد وهبة
وقبل الدراستين نشرت دراسة عمن يمكن تسميته برائد خطاب الاستلاب للآخر الصهيوني ييوسف زيدان، بعنوان: "الاستلاب للآخر والانسلاخ عن الذات عند يوسف زيدان: القدس أنموذجا"، وكذلك دراسة عن خطاب الاستلاب المتأخر الذي قدمه مراد وهبة تواكبا مع المراحل الجدية من صفقة القرن نهاية عام 2019م وبداية عام 2020م، بعنوان: "الاستلاب للصهيونية والآخر في خطاب مراد وهبة- مقاربة نقدية".

خطورة تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي
في مرحلة ما بعد ترامب
لكن أخطر ما في الأمر الآن في مرحلة ما بعد ترامب؛ هو التيار الثالث من تيارات الاستلاب أي تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي تحديدا، لأن هذا التيار أكثر تجذرا في بعض مؤسسات الدولة المصرية ويحاول أن يؤثر في صنع سياساتها العامة، بخلاف تياري الاستلاب العلماني والديني الأقرب للمجال الإعلامي والثقافي والدعائي.
خاصة وأن هذا التيار حاول من قبل توريط الدولة المصرية في عام 2019م في موضوع زيارة القدس؛ وتصديت لهذه المقاربة وتوقعت مساراتها، وكانت لحظة الحسم لمقاربة تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي عندما تعرض زوار خليجيون للطرد والإهانة في القدس، وعندما تم منع نائبتين أمريكيتين من دخول "إسرائيل" وكانا يرفعان شعارات تماثل شعارات تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي.
وعقب هذه الأحداث مباشرة قطع الطريق نهائيا على دعاة تيار السلطوي التوظيفي عندما تبنت الدولة المصرية اختيارا ذكيا؛ بالإعلان عن تبنيها لحل الدولتين ومرجعية القرارات الأممية، رغم الضعوط الهائلة المعلنة وغير المعلنة، والتي تمثلت في قطع التمويل المالي عبر بعض الشركاء الخليجيين، وزيادة وتيرة التحدي الأثيوبي والضغط عبر ملف سد النهضة.

علاقة السياسي/ بالاقتصادي
في مسارات تيار الاستلاب وخطورتها على الأمن القومي المصري
ويكاد العارفون بالأمور يجزمون أنه على مستوى من المستويات العليا لمصادر تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي وجذوره في المؤسسات المصرية، تأتي السياسات نفسها التي حاولت أن تواجه الضغوط الأمريكية في فترة ترامب وقطع الدعم المالي الخليجي، عبر سياسات ضرائب متطرفة وصفها البعض بالجباية واستفزاز الناس.
ومن هنا تكمن خطورة تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي في المرحلة القادمة سياسيا واقتصاديا؛ هذا التيار وعند واحد من أبرز وجوهه الظاهرة إعلاميا، طرح مؤخرا من ضمن ما طرح كسيناريوهات لمرحلة ما بعد ترامب -والعلاقة مع الصهيونية وإسرائيل- طرحا خطيرا للغاية، ويعد أكبر الفخاخ الكارثية للإدارة السياسية الحالية.

هل يورطون الرئيس السيسي
في فخ يقطع شعرة معاوية بينه وبين المصريين
حيث طرح مقاربة للتعاون الاقتصادي والسياسي المصري/ "الإسرائيلي" بحضور أمريكا في الخلفية؛ تنتهي بأن يورطوا الرمز السياسي للإدارة السياسية الحالية (أي الرئيس السيسي)؛ في خطوة مماثلة لزيارة السادات إلى "إسرائيل" مزينين إياها ومقدمينها بوصفها ستكون انتصارا مدويا!!!
والحقيقة أن تيار الاستلاب التوظيفي السلطوي هو تطور تيار التطبيع القديم في الدولة المصرية؛ الذي حقق تراتبه الاجتماعي ومكانته في الدولة المصرية عبر التأكيد على قيم "كامب دافيد" والخضوع للهيمنة الأمريكية والصهيونية، ويريد أن يعمق مشروعه القديم للتطبيع وينتقل من الاعتراف بالآخر الصهيوني، إلى الاعتراف بروايته السياسية في الصراع والاستسلام لكافة مطالبه، بحجة الدعم الاقتصادي والمالي الذي سيأتي مع التبعية والاستلاب للآخر الصهيوني والأمريكي.
هنا تكمن خطورة هذا التيار على الأمن القومي المصري وضرورة إزاحة رجاله بشدة من المشهد، والضرب على أيديهم بيد من حديد ونار، هؤلاء من وجهة نظر علم "الاقتصاد السياسي" ينتمون لحزمة سياسات عامة أضعفت الدولة المصرية، وجعلت مقدراتها في يد الآخر منتظرة المساعدات والدعم والمنح، او فرض الضرائب الباهظة واستفزاز الناس واللعب بالنار.

فخ الاستعانة بـ"إسرائيل"
في ملف سد النهضة
خاصة ان هؤلاء يريدون أن يذهبوا بالأمن القومي المصري إلى نقطة جديدة في قواعد "الاشتباك السياسي"؛ عبر الاعتراف والإقرار بالدور الصهيوني في ملف سد النهضة والخضوع لـ"إسرائيل" وطلب مساعدتها الآن في الملف، محاولين غض الطرف عن خطورة ذلك الأمر في ظل أن أثيوبيا تقوم ببناء عدد من السدود الجديدة وتعلن عنها، ويمكن إذا تحول الأمر لسابقة أن يتم الضغط على مصر عبر سدود جديدة تحتاج لوساطة "إسرائيلية" وتتحول مصر العظيمة إلى مجرد تابع ذليل، لمجرد أن تيار الاستلاب للصهيونية وريث تيار التطبيع القديم لم يجد من يردعه ويقدم البديل.
ولكن ومن أجل التاريخ ومن أجل هذا الوطن الذي نحبه جميعا وننتمي إليه، أرفع الصوت عاليا: أوقفوا تيار الاستلاب للصهيونية، وافتحوا المجال لـ"الفرز الطبيعي" والكوادر الحقيقية لهذا الوطن، يوجد العديد من البدائل للمسار السياسي/ الاقتصادي الذي يطرحه دعاة تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي.
وسبق أن تحدثت عنها في عام 2020م باستفاضة في العديد من المقالات؛ لكنني هنا وعلى مستوى المسار السياسي/ الاقتصادي، وطرح البديل للمصيبة الجديدة التي يحاول تيار الاستلاب السلطوي التوظيفي وريث خطاب التطبيع القديم، توريط الإدارة المصرية السياسية الحالية فيها، وتزيين مشروع زيارة الرئيس السيسي لإسرائيل في تتويج للتعاون الاقتصادي/ السياسي.

بدائل عامة لمسار خطاب الاستلاب للصهيونية
واستعادة الذات العربية والمصرية واستقلالية قرارها
من هنا أطرح الأفق العام للبدائل الممكنة؛ وعبر استخدام المدخلات نفسها والمتغيرات العالمية والأمريكية ذاتها، لكن مع وضع بدائل أكثر فعالية للسيناريوهات المصرية، من خلال أربعة محاور عامة كما يلي:
1- تنمية مستقلة ومستدامة تناسب الحاضنة الجغرافية والبشرية المصرية، عبر وضع مسارات للتنمية الاقتصادية المصرية بشكل مستقل، تعتمد على مزيج فعال، من الصناعات الذكية المتقدمة وكثيفة العمالة، وخلق شبكة علاقات دولية وفق مفاهيم القوى الناعمة والخشنة المدمجة.
2 – ضبط الإدارة الأمريكية الجديدة، ووضع إدارة بايدن أمام شعاراتها الديمقراطية والحقوقية، تأكيدا على تهميش الجانب الفلسطيني، وإهدار حقوقه الأساسية من الجانب الإسرائيلي، وفهم المازق الذي ورط فيه ترامب إدارة بايدن، عبر ضم "إسرائيل" لمنطقة القيادة المركزية الأمريكية بالشرق الأوسط وتبعات ذلك، لأن السياسة الأمريكية تعتمد على التوازنات وحفظ ماء الوجه العام، ورغم أن بايدن تراجع عن العديد من قرارات ترامب الأخيرة، إلا ان موقفه من موضوع ضم إسرائيل للمنطقة المركزية سيكون حذرا، لأنه سيربك التوازنات الأمريكية.
3 - وضع ملف سد النهضة على سياسة حافة الهاوية؛ لأن سد النهضة مجرد بالون اختبار لسدود أخرى قد تستخدم كورقة للصغط إذا نجح الأمر في ملف سد النهضة، خاصة إذا تم تمرير مصيبة مقاربة تيار الاستلاب الجديدة وسقفها السياسي المنخفض للغاية الذي يكاد يقترب من الحد الأدني، دون أن تأخذ في الاعتبار آليات تغيير "قواعد الاشتباك السياسي" التي يطرحها ملف سد النهضة تحديدا، حال الخضوع لـ"إسرائيل" والاستعانة بها للوساطة وأثر ذلك على المن القومي المصري
4 - طول النفس في الملف الفلسطيني، لأن الساحة الدولية خلال العقد القادم ستشمل تغيرات وتبدلات في القوى العالمية بما يصب في صالح الملف على المدى الطويل، أي العمل في الملف حاليا عبر التهيئة واستعادة ما تم خسارته في فترة ترامب.

الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي