الفلسفة الماركسية

غازي الصوراني
2021 / 2 / 27

مدخل:
لم تكن أفكار ماركس أبداً أكثر راهنية مما هي عليه اليوم، إذ أنها في ظل بشاعة الاستغلال الرأسمالي المعولم ضد الشعوب الفقيرة، فقد بانت الماركسية أكثر الحاحاً من أي وقت مضى في التاريخ الحديث والمعاصر.
وإذا ما عدنا إلى ماركس، فالماركسية كعلم هي وعي الضرورة، أي وعي القوانين والظروف الموضوعية في تطابقها الجدلي مع العامل الذاتي (الحزب)، بما يوفر القدرة على التوسع التنظيمي والجماهيري من أجل تحقيق الأهداف الوطنية والمجتمعية، وبالتالي فإننا مدعوون للتعامل مع هذه القوانين الموضوعية، ومنهجها المادي الجدلي، بوعي عميق، يتجاور بالضرورة مع وعينا لكل المكونات السياسية والاقتصادية والطبقية لواقعنا، وبناء على ذلك، فإن الماركسية هي علم القوانين الطبيعية التي تتحكم في سير وتطور المجتمع الإنساني، وهي بهذه الصفة علم متجدد ومتطور لا يقل دقة عن سائر العلوم الطبيعية، فهي علم تطبيق المادية الجدلية على تاريخ المجتمع البشري، بجميع مراحله وأنماطه المختلفة، وهي أيضاً علم عن قوانين علاقة الوعي بالعالم الموضوعي، وعن القوانين العامة للحركة في الطبيعة والمجتمع والفكر البشري، وقد كان ظهور الماركسية في أربعينيات القرن التاسع عشر قد ترافق مع تطور الرأسمالية وتَكَشُّف طبيعتها التناحرية وجوهرها القائم على الاستغلال والقهر.
في هذا الجانب، يقول المفكر الراحل د. صادق العظم، "لا تتميز الماركسية، بأي شيء فريد يخصها دون غيرها، انها استمرار لتقليد علمي – ثوري- تحرري، طويل، عريق، وتتويج له في الوقت ذاته في حقبتنا الحاضرة، علينا أن نؤكد هذه النقطة حتى لا نفقد ذاكرتنا التاريخية، وحتى لا تفقد الماركسية عمقها التاريخي، كذلك علينا ألا ننسى أبداً حكم سارتر الدقيق في مقدمة نقد العقل الجدلي": "الماركسية هي الفلسفة المعاصرة التي لا يمكن تجاوزها"، كي لا نقع في سطحية الموضات الفلسفية اللماعة والرائجة كثيراً في زمننا، بعبارة أخرى، تبقى الماركسية هي فلسفة العصر النقدية بامتياز طالما بقيت التشكيلة الرأسمالية هي العصر بامتياز"([1]).
الماركسية إذن، هي مجموع هذا المنهج مع هذه القوانين التي تفعل فعلها إلى يومنا هذا، لأن موضوعها مازال موجوداً ألا وهو الرأسمالية، وكل اشكال الاستعمار والاحتلال والاضطهاد والاستغلال الطبقي والسياسي، ما يعني ان الماركسية هي نظام للحياة، يطال البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية، وهي ايضاً – وقبل كل شيء – فلسفة ورؤية فكرية لها نظامها وآلياتها ومن ثم لها تصورها عن المجتمع والحياة، وفق قوانينها، ومنهجها الجدلي، أو ديالكتيكها العلمي المختلف تماماً عن الجدل المثالي الهيغلي، فالماركسي هو من تبنى الماركسية وعياً وممارسة بصورة خلاقة ، وانطلاقاً من المقولة الخالدة "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية.
المقدمات الأيديولوجية لظهور الماركسية :
كان ديكارت وبابيف وديدرو وفولتير من أبرز أسلاف الفلسفة الماركسية، باعتبارهم من أهم رموز عصر النهضة الذين مهدوا أيديولوجياً للثورات البرجوازية في أوروبا في القرنين 17 و 18 ، كذلك فإن المفكرين الاجتماعيين مثل هوبز / لوك / مونتسكيو / وروسو ، كانوا جميعاً من هؤلاء الأسلاف العظام، فقد كانوا رموز عصر التنوير وأنصار العقلانية الذين وجهوا نقداً عنيفاً للأنظمة الإقطاعية ، وأعلنوا ضرورة إشاعة الحريات المدنية والمساواة بين الناس .. لقد زرعوا بذور التغيير وساهموا في إنضاجها.
مصادر الفلسفة الماركسية :
أولاً : الفلسفة الألمانية :
• هيجل (1770 – 1831) أبرز رجالات الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ، وقد بلغت هذه الفلسفة ذروتها في مذهبه الذي تكمن مأثرته التاريخية في أنه كان أول من نظر إلى العالم ، الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية ، أي في حركة دائمة ، في تغير وتطور ، إنها عملية ديالكتيكية ، وهو أول من أعطى صياغة دقيقة لقوانين الديالكتيك الأساسية ، لكنه رغم ذلك وقف على أرضية المثالية الفلسفية الخاطئة . 
• لودفيج فيورباخ ( 1804 – 1872 ) لعبت فلسفته المادية دوراً هاماً في وضع ماركس وانجلز للرؤية المادية ، لقد وجه فيورباخ نقداً عنيفاً للمثالية الهيجلية ، لكنه عموماً ظل مادياً ميتافيزيقياً ، بسبب أن ماديته لم تتفهم القيمة العلمية لديالكتيك هيجل، كذلك لم يدرك حق الإدراك ماهية الإنسان ، فاعتبره كائناً بيولوجياً فقط ، ولم يتبين الجانب المادي من العلاقات الاجتماعية . 
ثانياً : الاقتصاد السياسي الانجليزي :
من المصادر أيضاً، النظريات الاقتصادية التي وضعها كل من آدم سميث (1723 – 1790 ) وديفيد ريكاردو (1772 – 1823 ) وخاصة نظرية القيمة – العمل، التي كان لها أهمية بالغة في تكون المذهب الفلسفي الماركسي ، إن نظريتهما أوضحت ولأول مرة أهمية الأساس الاقتصادي لنشاط الناس ، كما بينا أن تطور المجتمع يرتكز إلى التفاعل الاقتصادي بين الناس، لكنهما (سميث وريكاردو) كونهما من المدافعين عن الرأسمالية ، عملا على تبرير استغلال الرأسماليين للعمال ، وصورا هذا الاستغلال تفاعلاً بين شريكين متكافئين في إطار علاقات السوق ، أما الربح، فاعتبراه مكافأة للرأسمالي على تنظيم الانتاج وإدارته ، المهم أن مذهبهما الاقتصادي كان منطلقاً للبحث اللاحق للعلاقات الاقتصادية وللكشف عن التناقض بين العمل والرأسمال من حيث هو التناقض الأساسي في المجتمع البرجوازي، أما القيمة البارزة لنظريات سميث وريكاردو، فتكمن في انها أرست بداية نظرية القيمة – العمل.
لقد برهن هذان المفكران على ان قيمة السلعة لا تتوقف على خصائصها الفيزيائية، أو على درجة نفعيتها، أو على العرض والطلب، وإنما تتحدد بكمية العمل الاجتماعي، الضروري لانتاجها، بيد أن سميث وريكاردو اعتبرا قانون القمية هذا قانوناً طبيعياً خالداً للعدالة الاقتصادية، حتى ولم تخطر ببالهما فكرة الطابع التاريخي العابر لهذا القانون الاقتصادي.
لقد صورا النظام الرأسمالي على أنه النظام الوحيد الممكن، نظام "طبيعي"، أبدي، يستجيب لمصالح كافة أعضاء المجتمع، وفي معرض برهانهما على قانون القيمة لم يتطرق سميث وريكاردو إلى مسألة أصل فضل القيمة، برغم إقرارهما بأن ربح الرأسمالي يأتي من الإنتاج وليس من تصريف السلع.
إن "عدم الاكتراث بمسألة أصل فضل القيمة أمر مميز للاقتصاديين البرجوازيين عموما، ففيه – كما أشار ماركس- تتجلى الغريزة الطبقية لهؤلاء الاقتصاديين، التي لا تسمح لهم بالتعمق في مشكلات، سيؤدي مجرد طرحها إلى فضح الاستغلال الراسمالي البشع"([2]).
لقد قدر ماركس وانجلز تقديراً عالياً فكرة سميث وريكاردو عن القيمة كتجسيد للعمل الاجتماعي الضروري، لكن مؤسسي الماركسية، مع موافقتهما على صحة هذا الرأي، رفضا الطابع السرمدي للقيمة؛ فليست القيمة، في نظرهما، سوى علاقة اجتماعية تاريخية، عابرة، تتخذ شكل علاقة بين الأشياء، بين منتجات العمل البشري.
وهذا يعني أن الاشياء المصنوعة، لاتتخذ شكل السلعة إلا في ظروف اقتصادية – تاريخية معينة، ذلك إن الإنتاج السلعي ليس سرمدياً، كما أنه ليس الصيغة الممكنة الوحيدة لتبادل النشاط الإنتاجي بين الناس، ومن دراسة قوانين ظهور أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتطوره، خلص ماركس وانجلز إلى نظرية فائض القيمة، ومنها – إلى البرهنة على حتمية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية"([3]).
لقد كان لولادة الاقتصاد السياسي قيمته البالغة الاهمية في وضع الفلسفة الماركسية، ولا سيما الفهم المادي للتاريخ.
 
ثالثا : الاشتراكية الطوباوية :
أهم الرموز: سان سيمون (1760 – 1825) وفورييه (1772 – 1837) وروبرت أوين (1771 –1858)، وقد لعبت أفكارهم الاشتراكية دوراً هاماً في التمهيد لظهور الفلسفة الماركسية، وخاصة المادية التاريخية، فقد ارتكزت أفكار هؤلاء الرواد على مطالبتهم بضرورة انتشار الملكية العامة ( الجماعية ) والعمل الجماعي، بما يسمح بالقضاء على بؤس الجماهير، لكنهم لم يروا السبل المؤدية إلى التحول الاشتراكي، وأنكروا دور الثورة والصراع الطبقي، أو لم يفهموه، واعتبروا أن الطريق إلى الاشتراكية يمر عبر التنوير وتعاون الطبقات، وهو أمر مستحيل، تلك هي مثاليتهم.
لقد تميز الاشتراكيون الطوباويون عن أسلافهم – طوباويي القرنين السادس عشر والسابع عشر، بأنهم عاصروا رأسمالية أكثر نضجا، ولذلك كان نقدهم للرأسمالية أحد الجوانب القوية في آرائهم.
لقد أشاد ماركس وانجلز بالأفكار العقلانية القَيِّمَة لدى سان سيمون وفورييه وغيرهما من الاشتراكيين الطوباويين، لكن مؤسسي الماركسية أشارا، في الوقت ذاته، إلى تهافت التصورات الطوباوية حول طرق الانتقال إلى الاشتراكية، وانتقدا الأسس المثالية لآراء الاشتراكيين الطوباويين، ونفيهم للدور التقدمي، الذي يلعبه الصراع الطبقي، وانعزالهم عن الحركة العمالية، وميلهم للمساومة مع الطبقات المسيطرة.
وحين "صاغ ماركس وانجلز شكلاً جديداً متقدماً من الفلسفة المادية، لم يكتفيا بالمعالجة النقدية الثورية للمذاهب الاجتماعية السابقة، بل قاما، أيضاً، بالتعميم النظري للاكتشافات العظمى في علوم الطبيعة في القرن التاسع عشر، التي كانت قد شارفت على طرح ضرورة الفهم المادي –الديالكتيكي للطبقة، وهكذا جاء ظهور الماركسية استجابة لمتطلبات الواقع الاجتماعي الجديد، ونتيجة لمجمل التطور السالف للمعرفة البشرية"([4]).
أخيراً، على ضوء الإنجازات النظرية لأبرز رجالات الفلسفة والاقتصاد السياسي، والاشتراكية الطوباوية، وضع ماركس وانجلز نظرية فلسفية جديدة، كل الجدة، تجمع لأول مرة في تاريخ العلم بين المادية الفلسفية والمنهج الديالكتيكي، وتعطي تفسيراً علمياً لحياة المجتمع البشري، وبفضلهما تحول العلم الفلسفي ليصبح أداة بيد الطلائع المثقفة والقوى الكادحة والبروليتاريا في نضالها لتغيير العالم.
المادية الجدلية:
تعرف المادية الجدلية في معظم المراجع على النحو التالي:انها قوانين ومبادئ ومقولات تعمل في جانبين، جانب المعرفة العلمية (العلوم المختلفة)، والجانب الآخر هو الحركة المجتمعية وتطور المجتمع تبعا لهذه القوانين، أي أنها تُطَبَّق في العلوم المعرفية وعلم الاجتماع على حد سواء، إذن يمكننا القول، إن المادية الجدلية هي ذلك العلم الفلسفي الذي ينطلق من أولوية المادة مستخدما قوانين الجدل المادي (الديالكتيك) لفهم الوجود وتطوره.طبعا ليس بمقدورنا أن نقف على المعنى المراد في التعريف المتقدم إلا عندما نقف على قوانين الجدل المادي ونفهمها جيدا.
لا شك أن الاكتشافات العلمية المذهلة في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، قد أكدت على انتصار وتغلب المفاهيم العلمية المادية الجدلية على كافة المفاهيم الغيبية ، إذ أن العلم الحديث (في علوم الهندسة الوراثية والاستنساخ والجينات والفيزياء والليزر، وتكنولوجيا النانو([5]) والفامتو Famto Second  والكومبيوتر وعلوم الفضاء والاتصال...إلخ) أكد على استبدال مفهوم المادة الضيق بمفهومها الديالكتيكي الواسع، بما يكرس مصداقية الفلسفة المادية الجدلية التي تُعرّف المادة بأنها " واقع موضوعي قائم بغض النظر عن الوعي البشري الذي يعكسه" .
ان التعريف العلمي للمادة يتضمن ثلاثة جوانب: 1) المادة هي ما يوجد خارج الوعي وبغض النظر عنه. 2) المادة هي ما يُولّد الأحاسيس لدينا؛ وهي ما تعتبر أحاسيسناً ووعيناً على العموم انعكاساً لها، وهذا يفتح على مسألة هامة، هي أن الفكر جزء من الواقع المادي أيضاً. فهو نتاج الإنسان الواعي، أي الإنسان الساعي إلى صوغ واقعه في تصورات وأفكار.  والفارق بين الواقع والمادة هو هنا، حيث تخضع المادة لفعل الإنسان ولكن لـ "عقله " أيضاً. هذا الفعل وذاك العقل يسهمان في وعي المادة، وبالتالي، في السيطرة عليها وتطويرها كذلك.
 
المنهج الديالكتيكي الماركسي:
يتميز هذا المنهج عن المنهج الميتافيزيقي بميزات أربع هي تباعاً:
‌أ.        النظر إلى الطبيعة بوصفها كلاً موحداً ومتماسكاً ترتبط فيه الموضوعات والظاهرات ارتباطاً عضوياً فيما بينها ويشترط بعضها بعضاً.
‌ب.    النظر إلى الطبيعة بوصفها في حالة حركة وتبدل مستمرين، وتجدد ونمو لا ينقطعان إذ ثمة دائماً شيء ما يولد وينموا وآخر ينحل ويزول.
‌ج.    النظر إلى سيرورة النمو بوصفها إنتقالاً من التبدل الكمي الخفي إلى التبدل الجذري الكيفي، والنظر إلى التبدل الكيفي بوصفه تبدلاً ضرورياً يحصل بقفزات ويسير أبداً إلى أمام من القديم إلى الجديد ومن البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى.
‌د.      النظر إلى موضوعات الطبيعة وظاهراتها من زاوية تناقضها الداخلي، أي النظر إلى جانبها السالب وجانبها الموجب، إلى ماضيها ومستقبلها، إلى ما يختفي فيها ويظهر، لأن مضمون النمو الداخلي هو صراع الأضداد ولأن كل شيء يخضع للظروف والزمان والمكان.
أما المادية الفلسفية الماركسية فتنطلق من مبادئ ثلاثة:
‌أ.           المبدأ القائل أن العالم مادي بطبيعته، وأن مختلف ظاهراته ليست سوى أوجه مختلفة من أوجه المادة المتحركة وذلك على عكس المثالية التي تنظر إلى العالم بوصفه تجسيداً للفكرة المطلقة أو الروح الكلي.
‌ب.       المبدأ القائل أن العالم المادي هو واقع موضوعي قائم خارج وعينا به وبمعزل عنه. وأن المادة او الكون أو الطبيعة، هي المعطى الأول في حين ان الوعي أو الفكر هو المعطى الثاني المشتق لانه  نتاج للمادة ولدرجة عليا من درجات تطورها وكمالها.
‌ج.       المبدأ القائل إن العالم، وقوانينه، قابل لأن يُعْرَف معرفة كاملة. وإن معرفتنا بقوانينه هي معرفة مقبولة عندما تؤكدها التجربة والممارسة([6]).
أيهما أسبق الوعي أم المادة؟
يعتبر السؤال عن أولوية الوعي أو المادة سؤالا مركزيا في الفلسفة ، ولو أردنا ان نصوغه بطريقة سلسة ومبسطة لقلنا : أيهما يسبق الآخر هل يسبق الوعي المادة أم تسبق المادة الوعي؟ في واقع الامر أهمية هذا السؤال تنبع من التركيب الأكثر وضوحا وأهمية وهو : هل يوجد تفكير أو وعي خارج المادة وهل توجد مادة خارج الوعي وبدونه؟
للوهلة الاولى قد نتسرع بوضع إجابات اعتباطية تنزع إلى طبيعة التكوين الذاتي الثقافي لكل منا ، ولذا فنحن نحتاج لشيء من الصبر للحكم على الموضوعة أو اختيار إجابة.
قبل أن نتعرف على الخلاف في جذوره، حول أولوية المادة أو الوعي، علينا أولا أن نعي مقصود المادة، ومقصود الوعي، في ضوء دراستنا ونقاشنا وفهمنا للماركسية وفلسفتها، فبالنسبة للمادة هي الموجود المادي بكل ابعاده مستقلا عن الروح ومستغن عنها ، أو المادة هي الوجود الموضوعي القائم بذاته خارج وعينا.
أما كيف هي المادة؟ فهذا سؤال يجيبنا عليه العلم عن طبيعة المادة وخواصها..الخ. إذن ما هو الوعي الآن؟يتلخص الوعي فهماً بكونه الإدراك، والإدراك الموضوعي تحديداً ، لأن الإدراك الحسي المباشر ظاهرة توجد لدى الإنسان والحيوان على السواء بينما يتميز الإنسان بإدراك موضوعي يؤهله للتفكير المنطقي أي القدرة على ربط الأسباب بالمسببات ، أو التفكير المنتظم بلغة مهما بلغت درجة بدائية هذه اللغة.
اتخذت المادية إذن كفلسفة موقفا مبدئيا علميا من مسألة أولوية المادة ؛ ذلك أن عمليات الإدراك والتفكير وتكوين الوعي لا يمكن أن تتحقق إلا في بيئة مادية ، وبالتالي فوجود المادة شرط أساسي لا غنى عنه في عملية الوعي ، حيث تدلنا القوانين العلمية الناظمة للوجود المادي على استحالة تكوين وعي بدون مادة ، أي أن الفرض القائل بإمكانية تحقق وعي بدون زمان أو مكان أو حركة، فَرَض غير ممكن التحقق، فالوعي هو مظهر من مظاهر وجود المادة.
أن القول بأولوية المادة معناه رفض كل أطروحات الفلسفة المثالية التي تحاول تفسير العالم والوجود الانساني انطلاقا من ما ورائيات أو أي وعي سبق المادة، وبالتالي فهي دعوة لفهم واقع الانسان ووجوده إنطلاقا من وعي ما هو مادي ، ووعي ما هو مادي إنما يستند للعلم ، فالعلم هو الذي يجيبنا عن ماهية المادة، وبالتالي فإن الفلسفة المادية إنما تبني مقولاتها كلها منطلقة من الوعي العلمي الذي يكون موضوعه الأساسي الوجود المادي للكون والإنسان والمجتمع، وقد إتخذ ماركس  موقفا أبعد من ذلك عندما طالب بإنتقال الفلسفة من تفسير العالم إلى تغييره ، جوهر هذا الكلام المطالبة بتوظيف القوانين المادية التي تحكم الوجود في تغيير الوجود نفسه، وبالتالي إخضاع الوجود الموضوعي للإنسان وتمكينه من خلال فهمه المادي للوجود من تغيير هذا الوجود في مصلحته نحو واقع أكثر تطورا.
 المادة وأشكال وجودها([7]):
إن نقطة انطلاق المادية الديالكتيكية هي الإعتراف بالوجود الموضوعي للمادة، للطبيعة، المتطورة، المتحركة، بشكل خالد. لهذا لابد، في البداءة، من دراسة المادة وأشكال وجودها.
- المادة:
يحيط بنا عدد لا حصر له من الكائنات المتباينة أعظم تباين في خصائصها، بعضها يُحْشَر في عداد الكائنات الحية، وبعضها لا يتوفر فيه أي دليل على الحياة، بعضها قاسٍ وبعضها طري أو سائل، بعضها متناه في الصغر وخفيف، وبعضها ذو أجسام هائلة وثقيلة جداً، بعض الأجسام مشحونة بالكهرباء، وبعضها غير مشحون بها... إلخ. كل هذا بمجموعه يشكل ما يدعى بالطبيعة.
ومهما تباينت أجسام الطبيعة وتمايزت عن بعضها، فالخاصة الجامعة بينها، هي إنها موجودة خارج وعي الإنسان واحساسه ونفسه وبشكل مستقل عنه. ولم ينشـأ الإنسان ووعيه إلا في درجة معينة من تطور الطبيعة كنتاج رفيع لها، في حين وجدت الطبيعة ذاتها بشكل خالد، ولم يوجد ولا يمكن أن يوجد أي "وعي ما فوق الإنسان" أو "وعي مطلق"، وعلى هذا فالفلسفة المادية تُعَلِّم أن الطبيعة، أن المادة، هي السابقة؛ وأن الروح، أن الوعي هو اللاحق، وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع.
لقد لاقى مفهوم المادة هجوماً أعنف من أي هجوم تعرضت له الفلسفة المادية، ولا عجب في ذلك لأن هذا المفهوم، هو حجر الزاوية في المفهوم المادي عن العالم، لذا يهاجمه أعداء المادية باستمرار، لقد أكد المثاليون مراراً وتكراراً أن مفهوم المادة الذي يعني الواقع الموضوعي إنما دُحِضَ أو شاخ؛ غير أن تطور العلم، ومعطيات ممارسة النشاط العملي أثبتا، بشكل لا يُدحَض، عكس ما ذهبوا إليه.
- الحركة شكل لوجود المادة([8]):
المادية الجدلية لا تحصر تعدد أشكال الحركة في شكل واحد منها، ميكانيكي، مثلاً أو أي شكل واحد آخر، بل تربط الحركة بالتغير، بتطور الاجسام، بمولد الجديد واندثار القديم ، لا توجد المادة إلا في حركة وهكذا فإن الحركة شكل من أشكال وجود المادة وهي خاصية ملازمة لها. "إن الحركة هي أسلوب لوجود المادة . ولم توجد في أي مكان مادة دون حركة ولا يمكن أن توجد".
 
- الحركة مطلقة والسكون نسبي:
حركة المادة مطلقة وابدية ، وخلافاً لكون الحركة مطلقة فإن السكون نسبي. ولكنه لا يجوز تصوره حالة جامدة متحجرة، فالجسم لا يمكن أن يكون ساكناً إلا بالنسبة لجسم آخر، لكنه بالضرورة يشترك في الحركة العامة للمادة. وفوق ذلك فحتى حين يكون الجسم في حالة سكون، فإن عمليات فيزيائية أو كيميائية أو عمليات أخرى تجري فيه طيلة الوقت، ذلك إن حركة المادة ابدية مطلقة ، في حين أن السكون وقتي نسبي، أنه مجرد لحظة من لحظات الحركة.
إن هذا الفهم للمادة يتسم بأهمية كبرى، وتؤكده كلياً الاكتشافات العلمية الحديثة والمعاصرة. وعلى ضوء التصورات العلمية الحديثة يمكن أن نشير إلى المجموعات التالية لأشكال حركة المادة([9]): 
1-    الأشكال الميكانيكية: وهي تنقل الأجسام مكانياً بالنسبة إلى بعضها البعض.
2-    الأشكال الفيزيائية: وهي التغيرات في الواقع المكاني والسرعة والكتلة والطاقة والشحنة الكهربائية ودرجة الحرارة والحجم وغير ذلك من صفات الأشياء المادية، وهي أيضاً مجموعة أشكال الحركة التي تدرسها الفيزياء كالعمليات الحرارية والكهرطيسية بما فيها الظواهر الضوئية والتجاذب المتبادل وكافة العمليات التي تجري داخل الذرة وداخل النواة.
3-    الأشكال الكيميائية: وهي تحول بعض المواد إلى بعضها الآخر، وتكوين تراكيب الذرات وإعادة تكوينها (اتحادها وانفصالها).
4-    الأشكال البيولوجية: وهي كافة التغيرات أو الحركة في الحياة العضوية.
5-    الأشكال الاجتماعية: وهي التغيرات الجارية موضوعياً في المجتمع البشري وحدهُ والملازمة له دون غيره، أو هي العمليات الاجتماعية (التناقضات والصراعات الطبقية ...إلخ) وتاريخ المجتمع الإنساني.
إن أي شكل من أشكال الحركة المذكورة أعلاه، إنما هو موجود موضوعياً بغض النظر عن وعي البشر، وهو يمثل عملية مادية، أما حركة أحاسيسنا وأمزجتنا وأفكارنا فهي موجودة في أذهان البشر فقط، وبديهي أن الأحاسيس والأفكار لا يمكن أن توجد بدون حاملها المادي، نعني الدماغ.
نظرية المعرفة في المادية الجدلية:
إن المعرفة بالنسبة لنا لا تتوقف عند المعرفة الأولية التي تتشكل في الأذهان عن طريق الحواس فحسب، بل علينا أن نحاول دوماً إدراك الأشياء، وكل الموجودات من حولنا ، إدراكاً عقلانياً يمكننا من فهم الأسباب التي تحول دون تحقيق مهام الثورة الاشتراكية، وهنا تتجلى "الأيديولوجيا" أو الرؤية الماركسية  - المتطورة والمتجددة ابدا -  كمفهوم جراحي تستطيع فصائل وأحزاب اليسار الماركسي أن توفر لأعضائها وكوادرها ، ثم لجمهورها  من خلالها، وعيا بحقيقة الصراع الوجودي ضد الإمبريالية من جهة وبحقيقة الصراع الطبقي (السياسي والاجتماعي والاقتصادي) الداخلي من جهة ثانية ، لكي يشتركوا في مباشرته، وبالتالي فإن المعرفة التي ندعو إلى امتلاكها ووعيها، هي المعرفة المشغولة بالثورة الاشتراكية، الملتزمة – سلوكاً وتطبيقاً – بمصالح العمال والفلاحيين الفقراء وكافة المضطهدين، والملتزمة كذلك بمفاهيم الديمقراطية والمواطنة والنهوض والارتقاء والتطور، والمتسلحة بالعلم والاستكشاف المرتكز إلى العقل والتجربة، وتخليص البحث المعرفي من سلطة السلف وقدسية وجمود الأفكار، كمدخل لابد منه لتكريس المجتمع الاشتراكي، مدركين أن اعتماد العقل كأداة وحيدة للتحليل، والعقلانية كمفهوم، يستند على المنهج العلمي الجدلي، سيدفع صوب الدخول في منظومة المفاهيم النهضوية الحديثة والمعاصرة التي تقوم على أن للعقل الثوري الجمعي (الحزب) دوراً أولياً ومركزياً في تحليل وتغيير الواقع والتحكم في صيرورة حركته لحساب مصالح الجماهير الشعبية.
إن المعرفة الإنسانية مطلقة، مستقلة، ذلك لأنها قادرة على إعطاء الحقيقة الموضوعية، وعلى عكس الأشياء عكساً صحيحاً. وليس هناك من حدود لمعرفتنا، وليس هنا من أشياء لا تمكن معرفتها، بل توجد أشياء لم تعرف بعد ولكنها يمكن أن تعرف خلال تطور العلم والمجتمع.
إن المعرفة محدودة ونسبية (ليست مطلقة) في كل مرحلة من مراحل تطورها لدى جيل معين من الناس، كما أن الحقيقة الموضوعية في شكلها التام والكامل تسمى الحقيقة المطلقة، ونعني بهذه الأخيرة تلك المعرفة التي لا يمكن أن تدحض خلال التطور التالي للعلم والتطبيق.
فهل هناك وجود للحقيقة المطلقة؟ إن الماركسية تجيب عن هذا السؤال بالإيجاب دون أي تردد، يقول لينين: "إن الاعتراف بالحقيقة الموضوعية أي بالحقيقة المستقلة عن الإنسان وعن الإنسانية يعني الاعتراف بالحقيقة المطلقة على هذا الشكل أو ذاك".
إن المعرفة مطلقة عندما تتحرك في طريق الحقيقة الموضوعية، ولا يمكنها أن تكون مطلقة إلا في حركتها هذه، فالحقيقة المطلقة لا وجود لها خارج حركة المعرفة، والحقيقة ليست مطلقة إلا من حيث مصدرها ومن حيث نزعة الحركة. ولذا فإن جميع فروع المعرفة العلمية تحتوي على نظريات صحيحة بشكل مطلق، لا يمكن أن تدحض خلال التطور التالي للعلم، وفي كل حقيقة موضوعية توجد بعض عناصر وجوانب المطلق. وهكذا نجد أن مجمل ما نعرفه عن البنية الفيزيائية للمادة ليس كاملاً ومطلقاً ولكن توجد فيه عناصر كثيرة من المطلق (كقولنا مثلاً أن الذرة قابلة للتقسيم وأن الإلكترونات والبروتونات والنيترونات هي عناصر الذرة، إن هذا القول صحيح بشكل مطلق).
- ما هي المعرفة ؟([10])
المعرفة هي الانعكاس الفعال الهادف للعالم الموضوعي وقوانينه في مخ الانسان، ومصدر المعرفة هو العالم الخارجي المحيط بالانسان، فهو يؤثر على الانسان ويثير لديه الاحاسيس والتصورات والمفاهيم المعنية. فالانسان يرى الغابات والحقول والجبال، ويشعر بالحرارة ويدرك ضوء الشمس، ويسمع تغريد الطيور ويشم عبير الزهور، ولو لم تؤثر عليه هذه الأشياء الموجودة خارج وعي الانسان لما كان لديه أقل تصور عنها.
الاعتراف بالعالم الموضوعي واشيائه وظواهره باعتبارها المصدر الوحيد للمعرفة الانسانية هو المسلمة الأساسية لنظرية المعرفة الماركسية المادية الجدلية، لكن السمة المميزة الأساسية لنظرية المعرفة الماركسية هي انها وضعت عملية المعرفة على أساس من الممارسة ومن نشاط الناس المادي الانتاجي، ففي مجرى هذا النشاط بالذات يعرف الانسان الاشياء والظواهر، والممارسة في الفلسفة الماركسية هي نقطة انطلاق، أساس عملية المعرفة ومعيار صحة المعارف على حد سواء.
ففي النشاط العملي للناس والانتاج المادي بالذات تظهر الفعالية والتوجه للمعرفة الانسانية، فالانسان لا يمارس تأثيرا فعالا على العالم المحيط به وحيدا، بل بالتعاون مع غيره من الناس، مع المجتمع ككل، وهذا يعني أنه إذا كان العالم المادي هو موضوع المعرفة ومصدرها فإن المجتمع الانساني هو الذات بالنسبة للمعرفة وحاملها، والاعتراف بالطبيعة الاجتماعية للمعرفة سمة مميزة هامة لنظرية المعرفة الماركسية.
فالمعرفة من وجهة نظر المادية الجدلية هي العملية اللامتناهية لاقتراب التفكير من الموضوع الجارية معرفته، وهي حركة الفكر من الجهل إلى المعرفة، ومن المعرفة غير الكاملة وغير الدقيقة إلى معرفة أكثر كمالاً ودقة، وتسير المعرفة إلى الأمام كاشفة عن جوانب جديدة متزايدة للواقع ومستبدلة النظريات البائدة بنظريات أخرى جديدة، ومضيفة مزيداً من الدقة على النظريات القديمة"([11]) .
قوانين الديالكتيك:
إن قوانين الديالكتيك الأساسية هي: 
- قانون تحول التبدلات الكمية إلى تبدلات كيفية. 
- قانون وحدة المتناقضات وصراعها ( صراع الاضداد).
- قانون نفي النفي. 
وكل قانون من هذه القوانين يعكس ناحية جوهرية ما من نواحي التطور الموضوعي، وحدّه، وشكله، وعامله. والى جانب هذه القوانين يوجد عدد وافر من المقولات أمثال العلاقة العامة للظواهر، والسبب والنتيجة، والمحتوى والشكل، والعرضية والضرورة، والجوهر والظاهر ... الخ.
إن قوانين الديالكتيك ومقولاته هذه لم تخترع اختراعاً، بل استخلصت من الطبيعة والحياة الاجتماعية، إنها تعكس القوانين الموضوعية القائمة بشكل مستقل عن وعي الإنسان، كما أن الديالكتيك ليس مجرد أداة لإثبات الحقائق الجاهزة، بل هو مرشد للبحث في الظواهر والعمليات الحقيقية، هو طريقة معرفة الحقيقة الموضوعية.
إن قوانين الديالكتيك تعمل في جميع الميادين: في الطبيعة العضوية وغير العضوية، ففي الطبيعة العضوية تعمل في عالمي النبات والحيوان، كما تعمل في المجتمع في مختلف المراحل التاريخية، وهي عبارة عن قوانين التفكير في جميع مجالات المعرفة، كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا، والاقتصاد السياسي، وعلم الاجتماع ... الخ.
إن التطبيق الحسي للديالكتيك كطريقة على الظواهر الحسية، هو وحده الذي يُؤَمّن النجاح في المعرفة والنشاط العملي، لهذا كان مطلب التحليل الحسي للواقع إحدى أهم خصائص الديالكتيك الماركسي وأكثرها تأثيراً ولهذا بالذات نجد أن أهم مبدأ للديالكتيك يقول: لا وجود للحقيقة المجردة والمطلقة، والحقيقة هي دائماً حسية ونسبية.
قانون الانتقال من التبدلات الكمية إلى التبدلات النوعية([12]):
  يصاغ هذا القانون وفق الأسس التالية:
1-     إن كل ظاهرة أو عملية هي عبارة عن وحدة كمية وكيفية، بعبارة أخرى، إنها تتسم بتعين كيفي وكمي يميزها هي وحدها.
2-     إن التغيرات الكمية تجري بصورة تدريجية، رتيبة متواصلة إلى حد معين، وفي نطاق هذا الحد لا تسبب تغيرات في الكيفية المعنية، كما أن التغيرات الكمية  تتسم بالحجم والدرجة والكثافة ويمكن قياسها والتعبير عنها برقم معين بواسطة وحدات قياس مناسبة.
3-     عند وصول التغيرات الكمية الى حدها الأقصى ( ويسمى حد القطع ) ، فانها تؤدي  الى تغيرات وتحولات كيفية/ نوعية جذرية تفضي إلى تشكل كيفية جديدة.
4-     تجري التغيرات الكيفية بشكل قفزه، أي انقطاع في التدرج، وليس لزاماً أن تجري القفزات بشكل انقطاع خاطف، بل يمكن أن تستغرق فترة زمنية طويلة أو قصيرة (حسب الحالة في المجتمع أو الطبيعة أو الإنسان).
5-     تتسم الكيفية الجديدة الناشئة  نتيجة القفزة بخواص أو ثوابت كمية جديدة، وكذلك بحد جديد من وحدة الكمية والكيفية.
6-     إن مصدر تحول التغيرات الكمية إلى كيفية والكيفية إلى كمية هو وحدة وصراع المتناقضات اوالأضداد وتنامي التناقضات وحلها.
لم يكتف ماركس بتأويل العالم، بل أراد تغييره. وبكلمات أخرى نقول إن ماركس جعل النظرية السياسية جزءاً من النشاط السياسي: فليست النظرية السياسية تفكيراً تأملياً في الحقيقة وإنما هي نفسها مناورة في صراع سياسي لصالح التغييرات الاجتماعية أو لمقاومة حدوثها، هنا، كما في كل مكان، يتكشف تحول التغيرات الكمية إلى كيفية عن التناقض القائم في أساس هذه العملية: التناقض بين محتوى وشكل الإنتاج الاجتماعي، في مثالنا، وهكذا يمثل قانون تحول التغيرات الكمية إلى كيفية تعبيراً ضرورياً خاصاً عن الطابع، المتناقض ديالكتيكياً، للتطور، الذي تشكل وحدة وصراع الأضداد أهم قوانينه إطلاقاً.
إن مفهوم الكمية هو أيضاً مقولة عامة تعكس ناحية من النواحي الهامة لأي شيء أو ظاهرة أو عملية، وتبرز الكمية أيضاً كتحديد للأشياء، إلا أنها، خلافاً للنوعية، تميز الشيء من ناحية درجة تطور خصائصه: كمقداره، وحجمه وعدده، وسرعة حركته، وبهر لونه ... الخ، فالطاولة، مثلاً، يمكن أن تكون كبيرة أو صغيرة، والصوت يمكن أن يكون طويلاً أو قصيراً، شديداً أو خافتاً ... الخ.
إن التحديد الكمي للظواهر الاجتماعية لا يعبر عنه دائماً، بمثل المقادير الدقيقة التي يعبر بها عن ظواهر الطبيعة اللاعضوية، ولكن لكل ظاهرة، وكل عملية تتمتع هنا أيضاً لا بناحية نوعية فقط، بل وبناحية كمية أيضاً، مثال ذلك مستوى تطور إنتاجية العمل، والقوى المنتجة، ووتيرات تطور الإنتاج في البلدان الرأسمالية ومقارنتها مع البلدان التابعة ، وغير ذلك من نواحي الحياة الاجتماعية، وعدد الناس العاملين عملاً منتجاً ودرجة استثمار العمال من قبل الرأسماليين ... الخ.
فالكمية يمكن أن تنقص أو تزيد، دون أن يفقد الشيء حالته النوعية، فالكمية هي صفة تحدد الشيء من الخارج أكثر مما تحدده من الداخل، وتبدو للوهلة الأولى وكأنها منفصلة عن النوعية، فإذا تبدل الشيء كمياً فإنه لا يتحول إلى شيء آخر ما دام التبدل لم يتجاوز حداً معيناً.
فخواص الشيء يمكن أن تتغير تبعاً لتغير علاقاته مع العالم المحيط، كما يمكن أن تختفي أو تظهر بعض خصائص الشيء بدون أن يتغير هو نفسه أو نوعيته الأساسية، مثال ذلك أن بعض خصائص الرأسمالية تتبدل في مرحلة الرأسمالية العليا، الإمبريالية (الاحتكار)، فتتحول المزاحمة الحرة إلى نقيضها، وبدون أخذ هذا التحول الهام بعين الاعتبار لا يمكن فهم الامبريالية المعاصرة وتحولها الى مرحلة العولمة.
إن أهمية هذا القانون الطرائقية تكمن في أنه أولاً، يشير إلى طريق التطور العام الشامل لجميع ظواهر العالم الموضوعي، كما تكمن ثانياً، في أن هذا العام يتطلب للقيام بالعمل بنجاح أعظم، أن نجد، ونلتقط، ونفهم، بشكل محسوس، أشكال الانتقال النوعية الخاصة التي تعود لكل حادثة على انفراد (وهنا يتجلى دور العامل الذاتي/الحزب في زيادة التراكمات الكمية (التوسع التنظيمي) بصورة واعية وثورية من أجل توفير ظروف التحول النوعي في هذا المجتمع أو ذاك.
إلا أن نظرية انتقال التبدلات الكمية لا تجيب على سؤال ما هو مصدر كل تطور، بما فيه انتقال التبدلات الكمية إلى كيفية.
يجيب على هذا السؤال قانون ديالكتيكي آخر، هو قانون وحدة وصراع المتناقضات، قانون التناقضات كمصدر للتطور، ويأتي وصف ماركس للقانون العام للتراكم الرأسمالي مثالاً رائعاً على هذا البحث الملموس للقوانين الشاملة لكل تطور. ان هذا القانون يعكس العلاقة المتبادلة بين إثراء طبقة الرأسماليين وبين تفاقم بؤس الطبقة العاملة، فكلما ازداد تراكم الغنى في أحد قطبي المجتمع يزداد، بالمقابل، تراكم البؤس في القطب المعاكس. ولذا فإن التراكم الرأسمالي لا يؤدي إلى القضاء على الفقر، بل انه، على العكس، ينتج الفقر باستمرار، ذلك أن هذا الفقر شرط رئيسي للغنى في صيغته الرأسمالية، كما أن تراكم الرأسمال هو المسؤول عن تزايد حدة استقطاب المجتمع إلى طبقات متضادة، وعن تزايد تمركز الثروات وتركزها([13]). في أيدي البرجوازية، وما ينجم عن ذلك من تفاقم بؤس العمال وكافة الكادحين والمضطهدين.
 
 قانون وحدة وصراع المتناقضات([14]):
 قانون وحدة وصراع المتناقضات، هو قانون التناقضات كمصدر للتطور. فالتناقضات هي نواة الديالكتيك الماركسي التي هي مفتاح فهم جميع نواحي وعوامل التطور.
وفي هذا السياق، يمكن أن نضع صيغة لهذا القانون على النحو الآتي:
1-    أن كل ظاهرة أساسية (جوهرية) في الطبيعة والمجتمع والفكر تنطوي على جوانب وصفات ومميزات ومنظومات ثانوية (عناصر) متضادة تتفاعل أو تترابط فيما بينها ترابطاً ضرورياً، أي أنها تندرج في وحدة.
2-    هناك علاقة تناقض جدلي بين الاضداد المندرجة في وحدة.
3-    إن مصدر الحركة، أياً كانت، ولاسيما مصدر التطور هو نشوء التناقضات الداخلية الأساسية واستفحالها وحلها، ويعتبر حل التناقضات العامل الحاسم والسبب الرئيسي للتطور.
4-    يجري في سياق التطور انتقال بعض الأضداد إلى بعضها الآخر انتقالاً جدلياً. ويجري تصادم الأضداد وتفاعلها وتداخلها.
5-    في نتيجة صراع الأضداد وتحولها المتبادل وتناقلاتها المتبادلة، وفي حصيلة حل التناقضات تنشأ ظواهر أو عمليات أو مميزات جديدة لا ارتدادية، لم يكن لها وجود من قبل.
ويرتدي قانون وحدة وصراع الأضداد طابعاً عاماً متعدد الأغراض، ولفهم هذا القانونأهمية  فائقة ، منهجية وأيديولوجية كبيرة. فالتناقضات هي "نواة" الديالكتيك الماركسي و هي مفتاح فهم جميع نواحي وعوامل التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في كافة المجتمعات.
لهذا فقانون وحدة وصراع المتناقضات يحتل مثل هذا المكان الرئيسي في الديالكتيك الماركسي، وليتحدد دوره وأهميته في أنه يكشف عن الدوافع والمصادر الداخلية للتطور لهذا يعتبر هذا القانون المحك الذي يكشف مدى علمية وحيوية هذه النظرية أو تلك من نظريات التطور.
نستخلص من كل ما تقدم ،  صياغة جوهر قانون وحدة وصراع المتضادات كما يلي : إن وحدة وصراع المتضادات هي القانون الذي بموجبه تصبح الاتجاهات والنواحي المتناقضة داخلياً، والكائنة في حالة الصراع، ملازمة لجميع العمليات، والظواهر، والأشياء.
إن صراع المتضادات يعطي الدافع الداخلي للتطور، ويؤدي إلى نمو التناقضات، التي تجد حلها في فترة معينة، عن طريق القضاء على القديم، ونشوء الجديد.
 
قانون نفي النفي([15])... إنه قانون تطور الطبيعة والتاريخ والفكر" إنجلز"
مقولة النفي ليست مقولة حديثة، وإذا كانت قد ارتبطت بشكل خاص بفلسفة، فإنه يمكن العثور عليها في الفلسفات القديمة، وإذا كان هيغل أقام مقولتي النفي ونفي النفي في إطار المنطق، فإن ماركس قد أعاد بناءهما وربطهما بالوعي الاجتماعي وبالتحولات الاجتماعية، حيث تنتقل المقولات من "المضمون المجرد" إلى "المضمون المادي" لأن النفي لا يحيل الشيء إلى مجرد ، بل إلى شيء له مضمون محدد، أي أن النفي له مضمون محدد ومشخص ومميز ونمطه يعتمد على طبيعة كل ظاهرة، فكل شيء له شكل نفيه الخاص به، ولقد عممت الماركسية مقولة نفي النفي على جميع الظواهر الطبيعية والاجتماعية. فقانون نفي النفي يجد تحققه في المملكة الحيوانية وفي عالم النبات وفي حقل الجيولوجيا، مثل ما يجد تحققه بين البشر وتطور المجتمعات عموما ، وفي ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي خصوصا، حيث تتزايد بشاعة الاستغلال الطبقي وتتزايد معها تراكمات الوعي بالظلم الطبقي والاضطهاد بما يمهد للثورات الاشتراكية، شرط توفر ونضوج العامل الذاتي / الحزب الماركسي الثوري .
الأحكام الأساسية لهذا القانون:
1-      في عملية التطور، ينشأ باستمرار شيء جديد لم يكن له وجود في الماضي، وهذه العملية تسمى النفي الجدلي للقديم.
2-      في عملية النفي يبقى كل ما هو قيم وحيوي ويندرج في الجديد بشكل محول، ولا يتعرض للفناء إلا جزء معين من القديم هو الجزء الذي بات يعرقل التطور.
3-      ينطوي التطور على ما يشبه العودة إلى المراحل المقطوعة وتكرارها (نفي إثبات نفي) ولكن على مستوى جديد أكثر رقياً، ولهذا يتسم التطور بطابع لولبي وليس دائري أو مستقيم.
4-      في عملية التطور يوجد دائماً، وبصورة موضوعية، نزعات تقدمية وأخرى تقهقرية عند الانتقال من القديم إلى الجديد، ويتحدد النمط التقدمي أو التقهقري بحسب التغيرات الجارية في الظاهرة المعنية عموماً تبعاً للنزعة التي تكون لها الغلبة في هذه العملية التطورية المترابطة جدلياً.
إن تحليل قانون انتقال التبدلات الكمية إلى تبدلات كيفية، وقانون وحدة وصراع المتضادات يبين لنا أنه نتيجة لعمل هذين القانونين تتم عملية لا نهاية لها، عملية استبدال بعض الظواهر والأشياء بأخرى، في هذا الصراع المتواصل بين الجديد والقديم، بين المولود والفاني ، هذه الناحية من التطور، الناشئة إلى حد كبير عن قوانين الديالكتيك المذكورة أعلاه، تجد تعبيرها الأعمق في قانون نفي النفي.
إن مكان وأهمية هذا القانون في منظومة قوانين ومقولات الديالكتيك المادي، يتحدد في اعطائه أعم وأشمل مفهوم عن طابع التطور.
جوهر ودور النفي الديالكتيكي في عملية التطور([16]):
إن التطور يتضمن في نفسه عاملاً قانونياً، إلزامياً، هو النفي فالتبدلات النوعية تعني نفي النوعية القديمة، ثم إن صراع المتضادات يتم بظفر متضاد على آخر ، فالنفي بالتالي ليس عاملاً ثانوياً مرتبطاً بعملية التطور من الخارج، بل هو مشروط قانونياً بجوهر التطور ذاته.
وللنفي دور هام في جميع عمليات الطبيعة والمجتمع والتفكير، وهو يتبدى بأشكال مختلفة تبعاً لاختلاف العمليات، فتحول الأورانيوم إشعاعياً إلى راديوم هو مظهر "نفي" أحد العوامل الكيماوية، وتشكل عامل كيمياوي آخر منه، كما أن نفي البرعم بالزهرة، والزهرة بالثمرة هما العاملان الضروريان لنمو النبات.
وتاريخ المجتمع لا معنى له من دون نفي الأنظمة الاجتماعية القديمة من قبل الجديدة، كما أن المجتمع، من دون عامل النفي، يتحول إلى مستنقع راكد.
إلا أن الاعتراف بعامل النفي، في التطور، غير كافٍ، لابد من الفهم الصحيح لطبيعة النفي، لطابعه الديالكتيكي، إذ لا ينبغي فهم أحد عوامل التطور، وهي النفي، كنفي مطلق، أي كنفي لا يحتوي في ذاته أي شيء إيجابي، فلو أن الأمر كذلك لما أمكن التطور، لو أن نفي البرعم، في دورة نمو النبتة، كان نفياً فقط، لما حدث انتقال من البرعم إلى الزهرة. فهذا أيضاً نفي، ولكنه نفي تهديمي، ولا يخلق الشروط لنمو النبتة الطبيعي، مثل هذا النفي لا يشكل شرط التطور.
إن قانون نفي النفي الديالكتيكي هو قانون التطور، فهو لا يقصد أي نفي كان، بل يقصد النفي الذي يستخدم كمقدمة، كشرط للتطور، يقول إنجلز "النفي في الديالكتيك لا يعني قول "لا" ببساطة، أو التصريح عن شيء بأنه غير موجود أو القضاء عليه بأية وسيلة كانت، إن النفي المفهوم ديالكتيكياً والمعبر عنه تعبيراً صائباً هو هذه الـ "لا" التي تحتوي في الوقت ذاته على "نعم" أي وحدة النفي والإثبات، وبالإضافة إلى أن النفي شرط التطور، فهو أيضاً تعبير عن مواصلة التطور وتواليه، بين ما يُنفي، وبين ما ينفي، هذه أهم ناحية في النفي.
إن النفي الدياكتيكي لا ينبغي فهمه كانقطاع في التطور، كنفي للصلات بين القديم والجديد، إن الصلات بينهما قائمة بفعل أن الجديد لا يولد من لا شيء، بل من القديم فقط، والصلة تجد تعبيرها في أن الجديد يتمسك بكل ما هو إيجابي في القديم.
في هذا الجانب، نشير إلى أن "قانون نفي النفي يَشْغَلْ مكاناً هاماً في "رأس المال"، ذلك إن ماركس يرى في العملية التاريخية الطويلة لتحول الملكية الخاصة، القائمة على العمل الشخصي، إلى ملكية رأسمالية، نفيا لهذه الملكية، أي الغاء للشكل القديم للملكية، وتحوله إلى ضده – إلى الملكية الرأسمالية الكبيرة، التي تتطلب فصل وسائل الإنتاج عن المنتج"([17])، ويأتي تمركز وتركز الرأسمال تطويرا لاحقاً لهذا النفي، تنضج خلاله المقدمات الضرورية (اكتساب وسائل الإنتاج طابعاً اجتماعياً) لإزالة هذا النفي أي ليتعرض، بدوره، إلى نفي، وتأتي الثورة الاشتراكية لتنفي الملكية الرأسمالية.
إن نزع ملكية المستغلين هذا يمثل أحد تجليات القانونية الشاملة لنفي النفي، يقول ماركس: "..الإنتاج الرأسمالي يُوَلِّد، بالضرورة الطبيعية، نفيه الذاتي، ذلك هو نفي النفي"، إن الشيء الرئيسي في فهم ماركس لقانون نفي النفي هو:
1) القول بالنفي شكلاً ضروريا للتحولات الكيفية اثناء عملية التطور.
2) القول بالنفي نفياً ملموساً لا يطرح كلياً المرحلة السابقة من التطور، بل يأتي استمراراً لها في شكل جديد.
3) القول بنفي النفي وحدة للمتضادات، وتتويجاً لحلقة تاريخية معينة من التطور.
إن نفي النفي، في نظر ماركس، هو قانون التطور التقدمي في إطار عصر تاريخي معين: إنه يميز بداية العصر ونهايته، والانتقال بالتالي، إلى عصر جديد نوعياً عصر الاشتراكية([18]).
المادية التاريخية:
تدرس المادية التاريخية القوانين التي تحكم تفاعل المادة والوعي والقوانين الكونية للوجود فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع.
كما تدرس المادية التاريخية أيضاً، وظيفة القوانين في الحياة الاجتماعية من اجل ان تكشف عن مضمونها الخاص المحدد، المشروط بخصوصيات الشكل الاجتماعي من حركة المادة وفق استنتاجات كارل ماركس، الذي رأى أن العوامل الاقتصادية هي الحاسمة في عملية التكوين التاريخية، فالتاريخ = تاريخ الاقتصاد، تاريخ العمل في عملية التشكل هذه مرت بالمراحل الاقتصادية الآتية:
المجتمع البدائي     مجتمع العبودية     مجتمع الاقطاع      مجتمع الرأسمالية      المجتمع الاشتراكي، ويمثل الانتقال من مرحلة اقتصادية إلى المرحلة الاقتصادية التي تليها قفزة نوعية لا مفر من حدوثها عندما يتطور الاقتصاد ويبلغ نقطة إشباع معينة، وتحدث هذه القفزات النوعية بطريقة ديالكتيكية عندما "تنفى" مرحلة وتخلفها مرحلة أعلى"([19]).
في ضوء ما تقدم، فإن المادية التاريخية تستهدف دراسة التشكيلات أو الأنماط الاقتصادية الاجتماعية في التاريخ الإنساني وإمتداده وتواصله مع اللحظة الراهنة من تطور البشرية.
وفي هذا السياق، أشير إلى أن "مفهوم التشكيلة الاجتماعية أغنى بكثير من مفهوم القاعدة الاقتصادية، فمن بين العناصر العامة، المكونة للتشكيلة، ياتي البنيان الفوقي: النظام السياسي، والايديولوجيا، والمؤسسات السياسية والايديولوجية، وسائر أشكال الوعي الاجتماعي.
ان الماركسية تفهم الوجود الاجتماعي على أنه علاقات الناس الاجتماعية المادية، التي تتكون أثناء عملية الانتاج، هذا المفهوم – مفهوم الوجود الاجتماعي – لم يوضع للتعبير عن كل ما يحمل طابعا اجتماعياً، بل لابراز ذلك الاساس، الذي به يتحدد ظهور الوعي الاجتماعي وتطوره.
قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج :
ميز ماركس بين ثلاثة جوانب للبنية التحتية، وهي: "قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والأحوال الطبيعية، وباختصار نقول إن قوى الإنتاج هي قوة العمل مضافاً إليها المعرفة التكنولوجية والأدوات، أي مصدر التطور المتبادل بين البشر والطبيعة ذاته([20])، وعلاقات الإنتاج هي الأشكال التنظيمية، وأولها أحوال ملكية وسائل الإنتاج، أما الأحوال الطبيعية فهي الموارد الطبيعية الموجودة.
اعتبر ماركس البنية التحتية، أي الاقتصاد، القوة المحركة في التاريخ، فالاقتصاد عند ماركس، هو الأساسي، وما أفكارنا إلا انعكاسات للأحوال المادية – الاقتصادية، لذلك، أطلق، على العوامل المادية – الاقتصادية اسم البنية التحتية (The basis)، وعلى الظواهر الثقافية، مثل الدين والفلسفة والأخلاق والأدب، اسم البنية الفوقية (The superstructure)([21]).
لقد اعتقد ماركس في تحليله للأنماط الاجتماعية عبر قوانين الديالكتيك بحتمية عملية التطور الاجتماعي الاقتصادي ضمن الانماط والتشكيلات الاجتماعية الاقتصادية التي عاشتها البشرية وإلى يومنا هذا، لأن العمل والاقتصاد، سيفرضان في نهاية المطاف، حدوث تلك التغيرات بصرف النظر عما يفكر به الأشخاص الأفراد أو يتخيلونه، فلا يستطيع الأشخاص الأفراد، بأهوائهم، أن يؤثروا في تلك العملية بأي مقدار. فالعملية تجري موضوعياً –وفق قوانين الجدل والتطور التاريخي- حتى لو لم يفهم الناس ما يشاركون به.
أشير هنا إلى حالة الجدل بين الماركسيين حول مسألة إعطاء الأولوية السببية إلى الصراع الطبقي أم إلى القاعدة الاقتصادية، وهنا أرى من المفيد أن اقدم وجهة نظر المفكر الراحل صادق العظم حول هذه المسألة حيث يقول: "لا مجال هنا لأية مراجعة للمناقشات الغنية التي دارت وتدور حول مسألة إعطاء الأولوية إلى الصراع الطبقي أو القاعدة الاقتصادية، وأقصى ما أستطيع فعله الآن هو إيجاز بعض قناعاتي وعرضها كما يلي: مهما تنوع هذا الجدل وامتد وتصاعدت خلافاته يبقى قاسمه المشترك هو ثورة ماركس الكوبرنيكية أي اكتشافه الأولوية السببية والتعليلية والتاريخية للقاعدة المادية بالقياس إلى البنية الفوقية ومستوياتها، يشكل هذا الاكتشاف الأساس الأولي للتفسير العلمي للواقع الاجتماعي كما يشكل في الوقت ذاته دليلاً عملياً عاماً لعمليات تحويله"([22]).
بعبارة أخرى -كما يضيف د. العظم- "عند تفسير حياة تشكيلات اجتماعية ما أو تعليل تاريخ بشري معين مطلوب منا البحث عن البنيات الأساسية والصيرورات العميقة والحركات الأولية ذات الديمومة طويلة الأمد في فاعليتها وميولها وطاقاتها وإلا بقي علمنا على مستوى السطح والظاهر والأعراض فحسب"([23]).
إن "سوسيولوجية الفكر كما تقدمها المادية التاريخية تنطلق من مقولة "المادة سابقة للفكرة"، والمعرفة الناجمة عن ذلك تصبح معرفة يقينية؛ لأنها "تسلم بالقوانين الموضوعية للطبيعة وترجمة هذه القوانين في رأس الإنسان ترجمة صحيحة، فالنظرية المادية في المعرفة تبدأ لا بالمعرفة في ذاتها بل بالواقع المادي الذي هو انعكاس له، وهذا لا يعني وجود علاقة ميكانيكية بين الواقع والفكر كما ذهب فيورباخ، بل هي علاقة جدل "ديالكتيك" دائم تتبادل فيه الأبنية الفوقية والتحتية للمجتمع التأثر والتأثير المستمر، وفي ذلك تجاوز للذاتية في تحديد المعارف المستقاة "فليس وعي البشر هو الذي يحدد كينونتهم، وإنما كينونتهم الاجتماعية التي تحدد وعيهم"([24]).
إن "نمط الإنتاج السائد نتيجة طبيعية للصراع الطبقي، والطبقة المسيطرة التي تسيطر على وسائل الإنتاج المادي تسيطر كذلك على وسائل الإنتاج العقلي والفكري؛ ومن ثم تصبح "الإيديولوجية" انعكاساً لمصلحة الطبقة، وعلى ذلك فإن الوقوف على الأوضاع الطبقية يستلزم معرفة الأساس الاقتصادي، وبمعرفته يمكن بسهولة إدراك حقيقة الفكر، ولما كان الصراع الطبقي عملية "دينامكية" مستمرة، فللفكر كذلك طبيعته الدينامية، ولا يتم فهمه بمعزل عن الظروف التي أفرزته، ومن هنا تكتسب النظرية المادية في المعرفة طابعا اجتماعياً تاريخياً"([25]).
هكذا... فعلى حين تثبت المادية الديالكتيكية قوانين الترابط الداخلي بين المادة والوعي على العموم بتقديم الحل للمشكلة الأساسية في الفلسفة، فإن المادية التاريخية، وهي تتعامل مع المشكلة نفسها في تطبيقها على المجتمع، تكشف قوانين الترابط الداخلي بين الكائن الاجتماعي والوعي الاجتماعي، بين الحياة المادية والحياة الروحية في المجتمع.
وإذا كانت المادية الديالكتيكية هي الفلسفة الماركسية بالمعنى العام للكلمة، هي العلم الذي يدرس اعم قوانين حركة الطبيعة والمجتمع والفكر الإنساني، فإن المادية التاريخية هي نظرية المجتمع الماركسية، هي العلم الذي يبحث في القوانين العامة والقوى المحركة لتطور المجتمع البشري. ولا يقتصر موضوع المادية التاريخية على دراسة تاريخ المجتمعات، تاريخ ظهور وتطور وتغير التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية، بل يشمل أيضاً دراسة قانونيات الحياة المعاصرة لمختلف البلدان (الرأسمالية، الاشتراكية، المتخلفة) وقانونيات الحياة الاجتماعية للإنسانية بوجه عام.
إن المادية التاريخية بوصفها علماً عن قوانين التطور الاجتماعي هي نظرية فلسفية، منهجية، سسيولوجية في الوقت نفسه، فهي تجيب عن المسألة الأساسية في الفلسفة، مطبقة على المجتمع، إجابة مادية، بتأكيدها، أن حياة المجتمع المادية، وبخاصة عملية الإنتاج المادي، تشكل أساس تفاعل جميع الظاهرات الاجتماعية، وتحدد في نهاية المطاف الميدان الروحي من حياة المجتمع وكذلك جميع ظاهراتها الأخرى. وهذا هو مبدأ المادية.
وفي هذا السياق، يؤكد انجلز على " أن المنهج المادي ينقلب إلى نقيضه كل مرة يستعمل فيها لا كدليل موجه للبحث التاريخي بل كنموذج جاهز لنحت وإعادة نحت الوقائع التاريخية" ونَصَحَ "بإعادة دراسة كامل مراحل التاريخ ... وبإخضاع شروط عيش مختلف التشكيلات الاجتماعية إلى بحث مفصل قبل أن يحاول أن يستخلص منها التصورات السياسية والقانونية والفلسفية والدينية التي تطابقها". كما دقق انجلز بقوة، في "إن العامل المحدد حسب التصور المادي للتاريخ هو في آخر التحليل إنتاج الحياة الواقعية وتجديد إنتاجها، ولم يقل ماركس أبداً ولا أنا أكثر من ذلك، فإن شَوَّهَ أحدهم هذا الرأي بأن جعله يدل على أن العامل الاقتصادي هو المحدد الوحيد فقد حوله إلى كلام أجوف ومجرد وغير معقول".
أبرز انجلز في هذا النص الاستقلالية النسبية التي تتمتع بها مكونات البناء الفوقي: فأشكال الصراع الطبقي السياسي ونتائجه والدساتير والصيغ القانونية والنظريات القانونية والفلسفية والتصورات الدينية وتطورها إلى انظمة دوغمائية في كثير من الحالات، كل ذلك يحدده بصفة كبيرة جداً شكل التطور التاريخي: "فكل هذه العوامل تتفاعل فيما بينها وتتوصل الحركة الاقتصادية في آخر الأمر إلى شق طريق لها في صلب هذا التفاعل، من خلال عدد لا متناه من الأحداث الجائزة، ويكون ذلك بمثابة الضرورة"([26]).
الماركسية في ظل الثورة الصناعية الرابعة:
من المعروف أن الماركسية هي من أكثر النظريات الاجتماعية الاقتصادية التي اهتمت بالإنسان عموماً وبالعمال والفقراء الكادحين والمضطهدين خصوصاً ، وقد مرت الماركسية -كما يقول د. موفق محادين- "بأربعة مراحل، هي: (1) مرحلة ماركس (2) المرحلة اللينينية وستالين وفرانكفورت وتروتسكي (3) مرحلة ماركسيو مرحلة التحرر وأبرزهم ماوتسي تونج وفرانز فانون وجيفارا. (4) المرحلة الرابعة (الراهنة): مرحلة التحول النوعي في علاقات الانتاج والتطور التكنولوجي ، وإثارة سؤال: من هو العامل؟ هل هو العامل أو المهندس أو... إلخ، أيضاً التغير في هذه المرحلة، أصاب مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا، وبالتالي يطرح موفق محادين السؤال التالي: اين تكمن حيوية الماركسية الآن؟ ويجيب قائلاً، "إن الحيوية تتجسد في الجدل الماركسي، وخاصة قانون التناقض، وبشكل أساسي وحدة وصراع الاضداد"([27])، فكل الظواهر من حولنا لا يمكن النظر اليها خارج هذا القانون فهو أساس الماركسية، أما القانون الثاني الذي يؤكد صوابية وصحة الماركسية وراهنيتها،فهو قانون التركيب العضوي لرأس المال، وهذا القانون يؤكد أن أزمة الرأسمالية في بنيتها وليس في السوق او الانتاج السلعي"([28]).
 وفي هذا السياق يشير د. محادين – في مرحلة العولمة الراهنة- إلى "أهمية متابعة الاكتشافات العلمية التي رافقت الماركسية وصولاً إلى التطور التكنولوجي الهائل الذي أدى إلى مزيد من البطالة ، فكلما زاد التطور التكنولوجي، زاد تأثير ذلك على وضع الطبقة العاملة (البروليتاريا)، وخلق العديد من التبدلات النوعية فيها فقد حولت -التكنولوجيا- الانسان إلى رقم في الانتاج التقني، وهي تبدلات أسهمت في تغيير مفهومنا للبروليتاريا الذي تحدث عنه كارل ماركس.. كما ان التطور التكنولوجي الهائل أعاد تشكيل العلاقة بين المركز والمحيط بصور وأشكال جديدة لم تكن قائمة قبل ذلك التطور، ما يجعل للماركسية راهنية ضرورية.
بالطبع من المدارس الماركسية التي مازال تأثيرها حتى المرحلة الراهنة ، هي مدرسة فرنكفورت، التي امتدت مع الماركسية وساهمت في تطويرها ونقدها من أرضيتها، ومن بين أهم الفلاسفة المعاصرين، الفيلسوف الانجليزي هوبسباوم وكتابه عصور النهايات"([29]).
أخيراً، لابد من التأكيد على أنه ليس في الماركسية مقدّسات، لهذا فهي خاضعة للانتقاد والنفي وإعادة الصياغة، لأنها تغتني بالواقع والوقائع كما بالتجربة. ولاشك في أن الجدل المادي يحقّق ذلك لأنه جدل نقدي وتجديدي... لهذا ليست الماركسية "فلسفة" مغلقة، ولا يمكنها أن تكون إلا إذا تحوّلت إلى "عقيدة" الأمر الذي يخرجها عن كونها ماركسية.وبالتالي فان الحفاظ على الماركسية ومتابعة رسالتها الإنسانية لا يكمن في الدفاع اللاهوتي أو الدوغمائي عن تعاليمها، وإنما بالنقد الدائم لأفكارها وتجديدها ارتباطا ًبمتغيرات الواقع الاقتصادي الاجتماعي والسياسي، المعاصر –في هذا البلد أو ذاك- بما يضمن الرؤية الواضحة في مسيرة النضال من أجل الاشتراكية


([1]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 164
([2])جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص 611
([3]) المرجع نفسه - ص 612
([4]) المرجع نفسه - ص 613
([5]) النانو تكنولوجي هو “العلم الذي يهتم بدراسة ومعالجة المواد على المستوى الذري والجزيئي”. والنانومتر هو جزء من مليار من المتر، ولتوضيح مقياس النانومتر نقارنه قياسا بسمك ورقة الصحيفة الذي يصل إلى 100,000 نانومتر، وفي هذا الجانب تعتبر وحدة قياس النانو تكنولوجي في الذرة والجزيئات هي النانو متر التي تساوي – كوحدة قياس – جزء من المليون من الملليمتر... وفي هذا السياق نشير الى تعدد وتنوع تطبيقات النانو تكنولوجي – كعلم مستقبلي - فى مجالات الحياة المختلفة كالطاقة والطب والزراعة والإلكترونيات والبيئة والصناعات الحديثة ومجال البصريات وتطوير الجزيئات النووية وغير ذلك من علوم التكنولوجيا الالكترونية ، ففى مجال الإلكترونيات كمثال: تساعد النانو تكنولوجي فى زيادة كفاءة الأجهزة الإلكترونية وفى نفس الوقت تصغير حجمها والحد من الطاقة المستهلكة لتشغيل تلك الأجهزة. وما زالت تقنية النانو تكنولوجى في البلدان الصناعية المتقدمة خاصة في اوروبا والولايات المتحدة وروسيا واليابان والصين وبعض دول العام الاخرى ما عدا الدول العربية التي ما زالت غارقة في حالة عميقة من التخلف العلمي والتكنولوجي عموما وتقنية النانو خصوصا ،على الرغم من ان تقتية تكنولوجيا النانو تنتشر في العديد من المجالات المختلفة لتطبيقات تلك التقنية فى مجالات حياة البلدان الصناعية المشار اليها .
([6])  موسى وهبه - الموسوعة الفلسفية العربية-معهد الإنماء العربي- المجلد الثاني–  الطبعة الأولى–ص1193/1194.
([7])  مجموعة من المفكرين السوفييت – ترجمة فؤاد مرعي/ عدنان جاموس/ بدر الدين السباعي - المادية الديالكتيكية –  دار الجماهير –دمشق – 1973 – ط3 – ص74.
([8]) افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية –  دار التقدم – موسكو – 1979 – ص42
([9])  المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية – مجموعة من المؤلفين – دار التقدم – موسكو – 1975- ص82.
([10])  افاناسييف - أسس المعارف الفلسفية –  دار التقدم – موسكو – 1979 – ص155
([11])  المرجع نفسه – ص 156 - 157
([12]) المادية الديالكتيكية – مجموعة من المفكرين السوفييت – ترجمة فؤاد مرعي/ عدنان جاموس/ بدر الدين السباعي  ...دار الجماهير –دمشق – 1973 – ط3 –– ص230.
([13]) تمركز الرسمال يعني تجمعه من جهات متعددة ليؤلف رسمالا أعظم، أما تركز الرسمال فيعني نمو الرسمال وتعاظمه نتيجة عملية الاستثمار.
([14])المادية الديالكتيكية – مجموعة من المفكرين السوفييت – ترجمة فؤاد مرعي/ عدنان جاموس/ بدر الدين السباعي  ...دار الجماهير –دمشق – 1973 – ط3 – ص257.
([15])  المرجع نفسه – 296
([16])  المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية – مجموعة من المؤلفين – دار التقدم – موسكو – 1975– ص297.
([17])  جماعة من الأساتذة السوفيات –  مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص 641
([18]) المرجع نفسه -  ص 642
([19]) المرجع نفسه - ص 679
([20]) غنارسكيربك و نلز غيلجي –مرجع سبق ذكره – تاريخ الفكر الغربي  - ص  683
([21]) المرجع نفسه - ص 679
([22]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 466
([23]) المرجع نفسه - ص 467
([24]) د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي .. طور التكوين – سينا للنشر – الطبعة الرابعة 2000 – ص 15
([25]) المرجع نفسه–  ص 16
([26])  معجم الماركسية النقدي – مجموعة مؤلفين بإشراف الفيلسوف جورج لابيكا – دار الفارابي – بيروت – 2003 – ص1142.
([27]) موفق محادين – محاضرة بعنوان "الماركسية في ظل الثورة الصناعية" الجمعية الفلسفية الاردنية – يوتيوب – الانترنت.
([28]) المرجع نفسه .
([29]) المرجع نفسه.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول