المواطنه والعلمانيه

رفعت عوض الله
2021 / 2 / 26

المواطنة والعلمانية
في فرنسا المسيحية الكاثوليكية حدث تمييز وتهميش واضطهاد من قبل الدولة والمجتمع والكنيسة الكاثوليكية ضد الفرنسيين المسيحيين البروتستانت ، وكذا الحال في المملكة المتحدة "بريطانيا ". فقد كان دين الدولة فيها هو المسيحية البروتستانتية ، لذا مارست الدولة والمجتمع والكنيسة تمييزا وتهميشا واحيانا اضهادا ضد الانجليز المسيحيين الكاثوليك .
وفي دولة الخلافة الاسلامية السنية الدولة والمؤسسة الدينية والرعايا المسلمون السنة مارسوا تمييزا وتهميشا واضطهادا ضد المسلمين الشيعة وضد اليهود وضد المسيحيين " اهل الذمة " واٌعتبروا رعايا من الدرجة الثانية والثالثة .
وهذا هو حال الدولة الدينية علي مر التاريخ ، وإلي هذه اللحظة ، فالدول ذات الاساس الديني مثل الجمهورية الاسلامية في إيران تمارس تمييزا وتهميشا بحق الايرانيين المسلمين السنة ، فضلا عما تقوم به ضد الاقلية المسيحية ..وفي المملكة العربية السعودية المعبرة عن الاسلام السني الوهابي هناك تمييز ضد السعوديين المسلمين الشيعة ،وهناك قيود شديدة جدا علي العاملين الاجانب من بوذيين وهندوس ومسيحيين ، فلا يحق لهم العبادة ولا بناء دور عبادة خاصة بهم رغم انهم ملايين العاملين هناك .
بعد صلح وستفاليا في سنة 1648 الذي وضع نهاية للحروب الدينية والتي استمرت علي مدي 30 عاما بين المسيحيين الكاثوليك والمسيحيين البروتستانت في اوروبا ، وبعد ان راح ضحيتها ملايين الجنود وملايين الابرياء ، قامت الدولة القومية علي اساس جغرافي سياسي قومي ، وليس علي اساس كاثوليكي او برتستانتي . لذا في كل دولة قومية جديده هناك من يتبع المسيحية علي مذهب الكاثوليك وهناك من يتبعها علي مذهب البرتستانت ، ولاغضاضة ولا اعتراض من قبل الدولة والحكومة ، ومعترف به ، فلأول مرة تاتي اعتبارات الانتماء للوطن والدولة قبل الاعتبارات الدينية .
في القرن ال17الميلادي ظهر الفيلسوف المادي جون لوك واقصد بالمادي انه يرد المعرفة الانسانية لما يرد للحواس من العالم الخارجي " العقل صفحة بيضاء تتلقي الانطباعات الحسية ".
هذا الفيلسوف النابه راعه ما وجده في الدولة والمجتمع الانجليزي من تفرقة بين الناس علي اساس المذهب الديني ، وما وجده من حشر الكنيسة لأنفها في كافة امور البشر السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، فقال ان مهمة الدولة ليس خلاص النفوس اي ليس من مهامها اعداد الناس لدخول الجنة ، فمهمتهاالحقيقية هي إدارة شؤون المجتمع علي نحو يحقق ويفي بحاجات الناس في كافة الاصعدة .
هذه الفلسفة السياسية الجديدة انذاك مهدت التربة لبذر بذور العلمانية .
في ذلك القرن ايضا "القرن ال17م" ظهرت كتابات الفلاسفة عن ما يسمي بالعقد الاجتماعي "جون لوك ، وجان جاك روسو وتوماس هوبز ".
في ظل دولة العصور الوسطي وروحها الدينية المهيمنة عزا المؤرخون والفلاسفة اساس الدولة واساس الحكم لله فالدولة تجل للإرادة والمشيئة الالهية . ومن هنا ظهرت في اوروبا نظرية "التفويض الإلهي " وكان حكم الخلفاء المسلمون إبان الدولة الاموية والدولة العباسية يستند الى اساس ديني فالخلفاء انما هم خلفاء لرسول الاسلام وبالتالي هم وكلاء الله علي الارض . ولعلنا نذكر قصة الثورة والتمرد علي الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان والذي طالبه المتمردون وهم يحاصرون بيته ان يعتزل ويترك الخلافة فرد عليهم : "كيف اخلع قميصا البسني اياه الله" ..هذا الرد يقول بوضوح ان حكم الخلفاء الراشدين ومن اتي بعدهم من خلفاء انما مرجعه الله .....من هنا كان الخروج علي الملك في اوروبا او الخليفة في الشرق المسلم ليس مجرد جريمة سياسية ضد الحاكم بل هي جريمة دينية ضد الله وضد مشيئته ........
جاء فلاسفة العصر الحديث امثال جون لوك وروسو وتوماس هوبز قالوا بأن اساس الدولة والحكم ليس إلهيا بل بشريا ، فهناك عقد ضمني بين المحكومين واقوي رجل "الملك "ينص علي التنازل من قبل الناس عن بعض حقوقهم مقابل ان يوفر لهم الحاكم الامن والامان والسلام ولا يسمح بالفوضي ولا غلبة فئة علي فئة اخري اضعف منها واقل عددا .
في القرن ال18 ظهر بالمانيا فيلسوف كبير يٌدعي إمانويل كانط . نظر في المعرفة الانسانية وما يمكن معرفته وما لا يمكن فانتهي الي انه لكي نعرف لابد لنا من اشياء ترد للعقول من العالم الخارجي " الحدوس الحسيه " وهذه الحدوس الحسية ليس لها معني مستقل عن عقولنا المفكرة فهي ترد للعقل عبر مقولات عقلية "الزمان والمكان "والعقل يضفي عليها المعني . وهذا لا يعني اننا لا نستطيع تكوين معرفة علمية إلا بالعالم الخارجي المادي الملموس ،وأما ما يتجاوز هذا العالم وليس يأتينا منه حدوس حسية فلا معرفة لنا به "الشيئ في ذاته او المطلق او الله ".
وعلينا ان نسلم بها تسليما إيمانيا وهنا دور الدين والعقيدة .
مع كانط اصبح لدينا تصور او مفهوم للنسبي "العالم الواقعي المادي المتغير"والمطلق "ما يتجاوز الخبرة الانسانية اي الله "............... ترتب علي قول جون لوك بان الدولة ليست من مهامها تهيئة الناس لما بعد الموت ، وقول فلاسفة العقد الاجتماعي بأن اساس الدولة والحكم اساس بشري وليس إلهيا ، وذهاب كانط إلي اننا محدودون في المعرفة بما يرد لنا من العالم المادي الخارجي وبالتالي لا يمكن معرفة الشيئ في ذاته لأنه لا حدوس حسية له ، وبالتالي فميدان المعرفة هو امور العالم النسبية المتغيرة وليس المطلق وليس الله ..اقول ترتب علي هذه الإنجازات الثلاث بزوغ مفهوم العلمانية والذي يتميز بانه دعوي لحصر البحث والنظر في امور الانسان المعيشة ، وان البشر هم من اقاموا الدول ونصبوا الحكام . وان المعرفة معرفة بالعالم الذي نعيشه وليس ما يتجاوزه . وانه بالتالي علينا عدم الخلط بين النسبي"ما يمكن معرفته "والمطلق "مالا يمكن معرفته "......ولعل تعريف مراد وهبه للعلمانية يوضح ماهية العلمانية فهو يقول : "العلمانية هي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق ".
........امر اخر يترتب علي مفهوم العلمانية ، بحسب ما سبق ووفقا لمفهوم العلمانية فإن ما يتجاوز العالم المادي الذي نعيش فيه لا معرفة حقيقية لنا به . هذا القول يفتح الباب واسعا امام إمكانية ان يتعايش الناس اهل العقائد المختلفة معا في سلام وحسن جوار دون صراع وحرب واقتتال كما كان يحدث قبل صلح وستفاليا،لأن الامور الاخروية انما هي قضية اعتقاد وليس يقينا معرفيا . بلغة مراد وهبه البليغة التحرر من وهم إمتلاك الحقيقة المطلقة .. إذن النهج العلماني يمكننا من تطوير مجتمعاتنا وحل مشكلاتنا الحياتية لاننا نركز علي عالمنا وما في عالمنا ، وايضا يجعلنا نبني جسور التعايش في سلام مع الاخرين ، وبالتالي احترام خصوصيتهم وحريتهم في العقيدة حتي ولوكانت مخالفة لعقيدتنا .....احد الفروق الجوهرية بين العصور الوسطي والعصر الحديث هو ان الناس في العصور الوسطي كانوا رعايا ، لهم راع هو الامبراطور او الملك او الخليفة او السلطان . مفهوم الراعي كما يمثله راعي الخراف هو نفسه الذي يحكم العلاقة بين الناس المحكومين والحاكم ، فكما ان راعي الخراف يقود خرافه بعصاه ويقودهم حيث يري ، كذلك الامر علي المستوي البشري الحاكم هو من يقود ومن يفكر وايضا من يعاقب وليس للرعية سوي الامتثال والخضوع والطاعة ،اي انهم بلاحقوق وكل ما ينعمون به انما هو من جود واحسان وكرم الراعي "الحاكم...".
في العصر الحديث ظهر مع الدولة القومية الناشئة بعد صلح وستفاليا مفهوم المواطنة الذي يعني ان المحكومين لم يعودوا رعايا وانما اصبحوا مواطنين اي اناس لهم حقوق نابعة من كونهم يعيشون علي ارض معينة وضمن حدود دولة معينة بغض النظر عن دينهم ، وهو متساوون امام القانون وامام الحاكم في كل شيئ ، ولا ينتقص من حقوقهم كمواطنين اختلافهم في الدين، وفرص الترقي والتطور متاحة لهم علي معيار الكفاءة ...والآن ما وجه العلاقة بين العلمانية والمواطنة .؟. لكي يتحقق مفهوم المواطنة ،ولكي نساوي بين المواطنين ، ولكي ننحي جانبا الدين ، وننظر إليه علي انه شأن خاص بين الفرد والله لا شأن للدولة والمجتمع به إلا من حيث ان اتباع عقيدة ما حق اصيل من حقوق المواطنين ، وحرية العبادة والحق في بناء دورها حق ايضا اصيل من حقوق الانسان ، وعلي الدولة اقراره .. بديهيا اننا لن نصل لدولة المواطنين بدون العلمانية . المواطنة تتحقق فقط في الدول العلمانية ، في الدول التي تنص دساتيرها علي ان للدولة دين مما يعني انها ليست علمانية . اقول في مثل هذه الدول لا يتحقق مفهوم المواطنة ، والمواطنون فيها ليسوا مواطنين هم مازالوا رعايا .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير