وفاة الشخصية الوطنية الديمقراطية ونقيب المعلمين الأسبق الأستاذ نجيب محي الدين

كاظم حبيب
2021 / 2 / 26

في الخامس والعشرين من شهر شباط/فبراير 2021 فقد العراق واحداً من أنبل وأخلص أبناءه وبناته البررة، خسر شعب العراق نقيب المعلمين الأول وعميدهم والشخصية الوطنية الديمقراطية التقدمية المتواضعة والودودة الأستاذ نجيب محي الدين، عن عمر ناهز الخامسة والتسعين سنة. لقد فقدتُ بموته صديقاً كبيراً وعزيزاً ومناضلاً أصيلاً وجريئاً وإنساناً فاضلاً محباً للعلم والعمل ومتابعاً لأوضاع العراق والعالم حتى آخر أيامه. تعلمت منه جملة من الصفات الحميدة التي وسمت كل حياته وأعماله ونشاطه السياسي الديمقراطي، سواء ضمن الحزب الوطني الديمقراطي، أو في التيار اليساري العراقي، أو الحركة الوطنية العراقية، أو منسقاً عاماً للتيار الديمقراطي العراقي في الفترة التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة عام 2003 ولسنوات عديدة.
ولد الفقيد نجيب محي الدين في سنة 1925م في بلدة دلتاوة (الخالص) الزراعية التابعة للواء ديالى (الآن قضاء الخالص ضمن محافظة ديالى) وسط عائلة متوسطة الحال حيث كان والده موظفاً حكومياً متفتحاً يحمل مشاعر وطنية وأفكاراً تقدمية. درس الابتدائية أولاً فيها، ثم انتقل مع والده إلى مدينة بعقوبة مركز لواء ديالى بسبب وظيفة الوالد الحكومية. كما أكمل دراسة الإعدادية فيها. درس في دار المعلمين الابتدائية ببغداد، وبعد تخرجه عين معلماً في إحدى مدارسها بعقوبة الابتدائية، ثم مدرساً في مدرسة متوسطة ومديراً لها.
تفتح وعيه السياسي في نهاية الثلاثينيات وأثناء الحرب العالمية الثانية حين كان طالباً في الإعدادية ودار المعلمين، حيث بدأ بمتابعة وقراءة الصحف العراقية، ومنها صحيفة "صوت الأهالي" التي كانت تصدر منذ سنة 1943، أي قبل تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي لتكون لسان حال هذا الحزب. علماً بأن هذا الحزب يعتبر الوريث الشرعي لتراث وتاريخ جماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي التي تشكلت في عام 1932.
لقد كان نجيب محي الدين ضد الفاشية والنازية والاتجاهات القومية الشوفينية والعنصرية التي برزت في العراق بفترة مبكرة من ثلاثينيات القرن العشرين وتصاعدت في فترة الحرب العالمية الثانية وأثناء انقلاب مايس 1941 بقيادة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة، وما اقترن به من مجزرة نفذت في بغداد ضد يهود العراق والتي أطلق عليها بـ "فاجعة الفرهود ضد اليهود".
مع تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي في عام 1946 بقيادة الأستاذ كامل الجادرجي، انتمى لهذا الحزب الذي وجد فيه حزباً معبراً عن الفئات الاجتماعية المتوسطة كالبرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة في المدينة والريف، لاسيما وأن هذا الحزب قد تبنى مبادئ الديمقراطية الاشتراكية الإصلاحية التي آمن بها رئيس الحزب الأستاذ كامل الجادرجي والقيادي في الحزب حينذاك الأستاذ محمد حديد. وكان في اتجاهه العام يميل نحو الجماعة اليسارية في الحزب، في مقابل الجماعة اليمينية التي تبلورت فيما بعد وكان على رأسها المحامي والقيادي في الحزب حينذاك حسين الجميل.
شارك نجيب محي الدين في النضال الوطني والديمقراطي في العهد الملكي في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي وواجه النهج غير الديمقراطي للحكم، الذي كان يجسد مصالح فئة الإقطاعيين وكبار ملاكي الأرض الزراعية والبرجوازية الكومبرادورية والقوى المحافظة والرجعية. وتعرض في هذا النضال إلى الاعتقال أيضاً. أيد بحرارة جبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في عام 1957 وساند أهدافها وعمل مع بقية المناضلين لتحقيق هدفها المركزي، إسقاط النظام الملكي والخلاص من سياساته المعادية للديمقراطية والفئات الحاكمة ومن الهيمنة البريطانية على البلاد، وإقامة مجتمع مدني ودولة ديمقراطية دستورية علمانية.
كان نجيب محي الدين لسنوات كثيرة ضمن الصف الثاني من الكوادر الحزبية، ولكنه في أعقاب ثورة تموز 1958 أصبح ضمن المجموعة القيادية في الحزب، بعد أن انتخب نقيباُ لنقابة المعلمين في العراق لدورتين بعد أن أسندت الأستاذ الدكتور فيصل السامر، واحداً من أعلام العراق وكتابه ومؤرخيه، كأول نقيب لهذه النقابة التي تأسست بعد ثورة تموز 1958، حقيبة وزارة الإرشاد.
كان نجيب محي الدين مؤيداً بحرارة لثورة تموز وعمل من موقعه الجديد كمدير عام للتعليم الابتدائي في وزارة المعارف العراقية على تحسين مستوى التعليم وتوسيعه وشموله أكثر فأكثر للقرى والأرياف والمناطق الشعبية وللبنات والبنين ورفع من دور وأهمية المعلم وتسنى له تحقيق زيادة كبيرة في عدد المدارس والمعلمين وعدد التلاميذ في المدارس الابتدائية حتى اقترب من فرض التعليم الإلزامي للدراسة الابتدائية، وساند الجهود الملموسة لفتح دورات وصفوف لمكافحة الأمية بين الكبار التي بدأت بها القوى الديمقراطية اليسارية حينذاك.
لقد ساند نجيب محي الدين الإنجازات الكبيرة التي تحققت في الفترة الأولى بعد ثورة تموز لاسيما قانون الإصلاح الزراعي والخروج من حلف بغداد ومن منطقة الإسترليني، أو المبادرة بتأسيس منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) ودعم الفئات الاجتماعية الفقيرة بإجراءات ملموسة ومهمة. وتشكلت له في تلك الفترة ملاحظات نقدية ناضجة على عموم الوضع السياسي حينذاك.
لم يستمر عمل الأستاذ نجيب محي الدين كمدير عام كفوء ودؤوب ونزيه ومخلص وعادل في علاقاته مع المعلمين، بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية والسياسية، سوى سنة ونصف السنة، إذ نقله وزير المعارف بالوكالة حينذاك العسكري أسماعيل عارف إلى موقع المشرف على التعليم الابتدائي، وبالتالي عطل دوره في مواصلة التحسين المستمر في جهاز ومستوى التعليم الابتدائي. وقد اقترن هذا الموقف بمجمل التحول الذي صاحب سياسة الحكم وعبد الكريم قاسم صوب الفردية والابتعاد عن القوى الديمقراطية واليسارية على نحو أخص، بل ومحاربة القوى اليسارية.
حين نُفذ انقلاب 8 شباط/قبراير 1963 الفاشي على أيدي تحالف البعثيين والقوميين والقيادة الكردية والقوى الرجعية والمحافظة وكبار الملاكين والكومبرادور التجاري وكل المتضررين من ثورة تموز 1958 وبدعم مباشر وغير مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وعموم الغرب، اعتقل نجيب محي الدين ضمن الآلاف المؤلفة التي تم اعتقالهم. وكان معه في المعتقل صديقه ورفيق دربه الأستاذ نصير الجادرجي.
لقد تعرض المعتقلون إلى تعذيب همجي وبأساليب فاشية دموية إذ قتل تحت التعذيب كثرة من قادة الثورة، ومنهم عبد الكريم قاسم، وقادة من الحزب الشيوعي العراقي، ومنهم سلام عادل، وكثرة من الديمقراطيين اليساريين وأتباع قاسم. بقي نجيب محي الدين في المعتقل سنة كاملة دون أي سند قانوني، حتى بعد إسقاط نظام البعث -القومي وحلول القوميين بقيادة عبد السلام عارف محل البعثيين في قيادة الدولة والحكم، معتقدين بأنه عضو في الحزب الشيوعي العراق، ولم يكن كذلك، بل كان عضواً قيادياً في الحزب الوطني الديمقراطي، وكان مقتنعاً بصدق وإخلاص وأمانة المناضلين الشيوعيين في الدفاع عن ثورة تموز 1958 ومبادئها ومنجزاتها الكبيرة، رغم قناعته الشخصية بحصول بعض الأخطاء في سياسة الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، كما لا يمكن الاستغناء عنهم في أي تحالفات وطنية وديمقراطية في العراق.
لم يعد طيلة الفترة الواقعة بين 1963 وسقوط البعث، بل حتى مماته إلى وظيفة حكومية، كما لم يغادر العراق ولم يتعرض للإيذاء الشخصي في فترة حكم البعث، ولكنه عانى كما عانى كل العراقيات والعراقيين من ظلم وقسوة ووحشية النظام البعثي والجرائم التي ارتكبت بحق هذا الشعب، سواء أكان بسياسات النظام الاستبدادية المطلقة وشوفينيته، أم بقهره للمجتمع وحروبه العديدة، أم بما تعرض له الشعب بسبب الحصار الاقتصادي الدولي...الخ.
شعر الأستاذ نجيب محي الدين بالارتياح بعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في عام 2003 وتوقع أن يحصل تغيير فعلي يزيل الآثار والعواقب السيئة للنظم السياسية السابقة، ولكن خاب ظنه وشعر بالإحباط ورفض الواقع. ورغم ذلك بدأ العمل مع صديق وزميله الأستاذ نصير الجادرجي والدكتور هاشم شبل والأستاذ عبد الرزاق السعيدي والدكتور عبد الأمير العبود وآخرين لإعادة نشاط الحزب الوطني الديمقراطي والمشاركة في الحياة الفكرية والسياسية وإقامة تحالف وطني ديمقراطي يمكنه التأثير في الوضع السياسي العام في العراق ودفعه صوب الأفضل.
في المؤتمر التأسيسي الأول للتيار الديمقراطي العراقي الذي عقد في بغداد بتاريخ 22/10/2011 جرى انتخاب اللجنة العليا للتيار. وفي 29/10/2011 عقدت اللجنة العليا اجتماعها الأول وانتخبت الأستاذ نجيب محي الدين منسقاً عاماً للتيار الديمقراطي في العراق، الذي ضم إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي قوى وشخصيات ديمقراطية أخرى. لقد كنت في هذه الفترة في حوار ومراسلة مستمرة وتبادل في وجهات النظر حول حزبهم وإمكانية تجديده بأعضاء شاب لهذا الحزب التاريخي والمطلوب في المرحلة الراهنة وسبل تقدمه والذي يمكن أن يعبأ أوساطاً واسعة من فئات الشعب.
لقد تبنى نجيب محي الدين بوعي ومسؤولية كبيرة الفكر الديمقراطي التقدمي والعلمانية والمسيرة التقدمية للاقتصاد والمجتمع، وناضل ضد الفاشية والعنصرية والتمييز القومي والديني والمذهبي والتمييز ضد المرأة، وناضل بقوة من أجل استرداد المرأة حقوقها كاملة غير منقوصة. لقد ناضل ضمن الحزب الوطني الديمقراطي من أجل الديمقراطية والسلم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، وكانت الوجهة اليسارية واضحة في مسيرته الفكرية والاجتماعية والسياسية.
وتتجسد رؤية نجيب محي الدين للوضع الراهن وموقفه الصائب منه في نداء الاتحاد، الذي وقع عليه، وشاركته فيه مع أكثر من مئة مثقف ومثقفة وشخصيات اجتماعية وسياسية، والذي وجه إلى القوى والشخصيات الديمقراطية العراقية بتاريخ 21 كانون الثاني، يناير 2011، وجاء فيه:
إن "القوى التي ما زالت تتسيّد المشهد السياسي عمدت إلى تهميش واختزال تمثيل القوى الديمقراطية والعلمانية الديمقراطية في العملية السياسية بالإصرار على إجراء الانتخابات الأخيرة وفقا لقانون غير دستوري، كما قضت المحكمة الاتحادية، وفي غياب قانون منظم للعمل الحزبي، وقاعدة بيانات دقيقة لا يمكن لها أن تتوفر من دون الإحصاء السكاني العام الذي أُدخلته الأهواء والمرامي السياسية في مسلسل التأجيل. وهذه القوى قدمت مصالحها الحزبية والطائفية والفئوية والقومية والعشائرية والشخصية الضيقة على المصالح الوطنية فدخلت في جدالات ومناكفات بيزنطية بشأن تشكيل الحكومة تواصلت أشهرا طويلة، متجاوزة على الدستور، ومتناسية هموم وتطلعات المواطنين حتى إذا اتفقت فإنها فعلت ذلك مع الاحتفاظ بنظام المحاصصة غير الديمقراطي.. بل وغيّبت المرأة العراقية من التشكيلة الوزارية الحالية.
إن كل هذه المظاهر، هي نذر شؤم بإعادة إنتاج الدكتاتورية، وفقا لنموذج الدولة الدينية التي لا مجال فيها للديمقراطية والتمدن والحريات والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية.
إننا مجموعة من المثقفين والسياسيين والشخصيات الاجتماعية تؤمن بان خلاص العراق وحلّ مشكلاته المزمنة وبلوغ شعبنا ما يصبو إليه من الأمن والسلام والاستقرار والتقدم والتنمية المستدامة لا يحققها إلا نظام ديمقراطي فيدرالي علماني حقيقي، وتؤمن أيضا بان الديمقراطية لا يبني صرحها ويثبت دعائمها ويحفظ كيانها إلا الديمقراطيون، ولذا فإننا ، بندائنا هذا، نهيب بالأحزاب والقوى الديمقراطية والعلمانية الديمقراطية العراقية وبالمنظمات والشخصيات الديمقراطية المستقلة من كل قوميات العراق وأتباع أديانه ومذاهبه ومناطقه، إلى تعبئة قواها وتوحيد صفوفها لتشكيل كتلة سياسية متحدة تطرح برنامجا للخلاص الوطني، تخوض على أساسه انتخابات مجالس المحافظات والبلديات والانتخابات البرلمانية القادمة في قائمة موحدة.".
لقد فقد العراق شخصية علمية ونضالية فذة، كما فقدت الحركة الوطنية والديمقراطية مناضلاً أصيلاً وثابتاً لم تتزعزع قناعاته في أحرج الظروف والمواقف. كما خسرناه نحن الذين ربطتنا به علاقة صداقة إنسانية حميمة. الذكر الطيب له والعزاء الحار والمواساة لعائلته وجميع أصدقاءه ومحبيه.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول