دور الفرد في التاريخ

نايف سلوم
2021 / 2 / 26

قال بليخانوف: "إن إدراك الضرورة يتفق تماماً مع العمل الأشد عنفواناً في الممارسة، وهذا على الأقلّ ما جرى في التاريخ حتى الوقت الراهن، حيث أولئك الذين أنكروا حرية الإرادة تفوّقوا في الأغلب على جميع معاصريهم في قوة إرادتهم الخاصّة وفرضوا عليها المطالب القصوى" . " لقد تفوّق هؤلاء الذين يعملون بأمر الحقّ لا بأمر النفس، والذين كانوا يتصورون الحرية، كما قال فيلون الإسكندري: "على أنها رِقّ تحت الله وأمره" حين تكون أفعالي المعطاة، في الوقت نفسه، هي تلك الأفعال التي أجد أنّها المُفضَّلة من بين جميع الأفعال الممكنة، فإنّ الضرورة تتوحّد إذن مع الحرية في ذهني. وحين تتوحّد الحرية مع الضرورة، عندئذ لا أكون فاقد الحرية إلا بمعنى أنني لا أستطيع أنْ أفصم عرى هذه الهوية بين الحرية والضرورة، لا أستطيع أن أُقيم التعارض بينهما، لا أستطيع الشعور بإكراه الضرورة، بيد أنّ مثل هذا الانعدام للحريّة هو التظاهر الأكمل لها في الوقت نفسه" وهذا هو حال الغنوصيين الكبار أمثال آريوس حوالي (250 – 336) ونسطوريوس (Νεστόριος) (386 -451 م).
إن الماديين الماركسيين يُلامون لتحيّزهم إلى "اليقينية" بعد بلورة مفهومهم الديالكتي عن الطبيعة والتاريخ.. "إن التاريخ يبين بالفعل أن "اليقينية" بالذات لم تكن بصورة دائمة معوقة للعمل النشيط في الممارسة العملية الاجتماعية، بل الأمر على النقيض من ذلك، إذ كانت في بعض المراحل قاعدة روحية أساسية لمثل ذلك العمل. وكدليل على ذلك نستشهد بالمتطهرين (الطهرانيين) الذين تفوّقوا طاقة على جميع الأحزاب الأخرى في إنكلترا في القرن السابع عشر، ومن قبل ذلك بأتباع محمد الذين أخضعوا خلال فترة قصيرة من الزمن، مساحة شاسعة تمتد من الهند حتى أسبانيا" فالتوحيد الحق الذي ظهر لدى محمد النبي هو عينه وحدة الحرية والضرورة بعد أن تبين له عين يقين العصر. وكذلك كانت الإرادة الاجتماعية-التاريخية الصارمة لدى لينين، بعد أن تبين له عين يقين عصره. إنها الضرورة التي تحولت إلى حرية، الحرية وقد أضحت في وحدة مع الضرورة. عند هذه النقطة يصبح الفرد-الشخص المنظّم، قوّة اجتماعية-تاريخية عظيمة، ولن يستطيع أن يمنعه شيء عندئذٍ من أنْ يتقدّم؛
و "يصبُّ جميعَ صواعق الغضب الإلهي
على الكذبِ الشرّير والمُراءات الفاضحة ""
إنّ الجهل وحده يجعل الضرورة خارجية، ويجعل الوعي في شقاء. والخلاص بالغنوص أو العِرفان معناه معرفة عين يقين العصر أو الحق الذي يجعل الضرورة والحرية في وحدة، ويجعل الإرادة في غاية الحزم والاقدام. يكتب لوسيان غولدمان: "الإنسان يتجاوز الإنسان" كما كتبنا معدّلين تعديلاً طفيفاً نصاً لباسكال. هذا يعني أنّه لايمكن للإنسان أنْ يكون أصيلاً إلا بمقدار ما يتصوّر نفسه أو يستشعر نفسه بوصفه جزء من مجموع في صيرورة ، ويضع نفسه ضمن بُعد غير فردي تاريخي أو متعالٍ" إن الفكر البورجوازي المرتبط، شأنه في ذلك شأن المجتمع البورجوازي نفسه، بوجود الفعالية الاقتصادية هو على وجه الدقّة أوّل فكر دنيوي بشكل جذريّ وغير تاريخي بآن واحد عرفه التاريخ، أوّل فكر يتمثّل في نزوعه إلى إنكار كل مقدس، سواء المُقدَّس السماوي للاديان المتعالية أو المُقدَّس المحايث للمستقبل التاريخي" ويضيف لوسيان: "على أنّه باسم قيم الليبرالة الصريحة وحدها على وجه الدقّة ، تلك التي ما تزال تكوّن وعي البورجوازية في مراحلها الصاعدة ، يعارض الروائي مجتمعاً وجماعة اجتماعية يُنكران بالضرورة في الممارسة القيم التي يؤكِّدانها صراحة . في حين أنّ هذا الوعي نفسه يُحيل كل القيم (عبر -الفردية) إلى قيم مُضْمَرة، أي يحجبها باسم الفرد-الصنم. إذا كان هذا هو حال الليبرالية في فترة ازدهارها وصعودها التاريخي، فكيف بك والليبرالية في مرحلة الانحطاط والأفول التي تلت فشل كمونة باريس 1871 م! ولهذا فالرواية ذات البطل الإشكالي، غير المُنْسجم وغير الراضي عن هكذا مجتمع، هي نظراً لبنيتها نفسها، رواية نقدية وواقعية؛ فهي تلاحظ وتؤكّد استحالة تأسيس تطوير أصيل للشخصية على غير القيم (عبر-الفردية) التي ألغى المجتمع الذي أوجدته البورجوازية على وجه الدقة كل تعبير أصيل وعلني في آن واحد عنها"
وفي الحالات التي يؤلّف فيها الموقف النقدي ومعارضة الفرد إزاء العقلية الجمعية الشاملة (الوعي السائد) ذاتهما قيماً تدعو إليها صراحة بعض القطاعات الجزئية من هذه العقلية وهو ما ينطبق على حالة أوريجين السكندري . نعرف في هذه الحالة ونفهم معنى أن يكون الخلاص" فردياً " أي (عبر-فردي) لدى الغنوصيين، ونفهم كيف تُعَبِّر حلقات مذاكرة سريّة وتنظيم عن قطاعات جزئية من الوعي المنتشر، لكن بنبرة اعتراض ونقد للمؤسسة الدينية وللامبراطورية، أي قطّاعات جزئية مُنشقّة عن الوعي السائد.
يكتب إميل بريهيه: "وإذا نظرنا إلى الأفكار العامّة التي يقوم عليها مذهب فيلون (الإسكندري)، نجد أن الفيلسوف كان في وضع عسير، بسبب آرائه الخاصّة بالدار الأخرى. حقّاً إنّ كل الهناء أو السعادة المادية التي يضعها اليهود، مثلهم في هذا مثل مؤلفي" la sibylle " ويرونها نهاية التقدّم، ليست شيئاً في رأي فيلون، إذا قورنت بالتقوى والمعرفة الحقّة لله. هذه السعادة لا تتعلق إلا بالجسم والأشياء الظاهرية أو الخارجية، بينما خيرات النفس أو الروح هي الخيرات الحقيقية. ولكنْ حينئذٍ على ما يرى فيلون، يكون على التقدم الخارجي والتاريخي للشعب أن يترك مكانه للتقدم الداخلي والمعنوي أو الأدبي. وهذا النوع من التقدّم لايمكن أن يتمّ تصوّره، كتقدم لشعب بأسره ولكن فقط، كتقدم لشخص أو أشخاص." ففي الطور السادس أو النهائي للمأساة، طور انهيار وتفكك المجتمع الملهاوي، تصبح الوحدات الاجتماعية للملهاة صغيرة وباطنية أو مقتصرة على شخص واحد. وتصير الأمكنة السريّة والمحمية، والغابات في ضوء القمر، الوديان المنعزلة والجزر السعيدة أكثر بروزاً.. وكذلك حب الغنوص(العِرْفان) والعجائب، والاحساس بالانفصال الفردي عن الوجود الروتيني(اليومي). في هذا النوع من الملهاة نكون قد غادرنا نهائياً عالم البداهة والذكاء النقدي اليقظ (عالم العقل الاستدلالي الطبيعي) إلى المحور المعاكس، إلى وقار النبوءة التي إذا استسلمنا لها دون تحفظ تمنحنا رعشة لذيذة." هذا هو عالم القصص أو عالم (لوغوس-ميتوس) الميثولوجي-الديني التأسيسي.
(هذه المقالة نُكتة من كتابنا الجديد: المعجزة-الشّذْرات والنُّكت في السيرة المحمدية-الجزء الثاني: رسالة في الغنوصية)

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول