الفلسفة البنيويه([1])

غازي الصوراني
2021 / 2 / 24



تُعتبر الفلسفلة البنيوية أو البنائية أحدث المدارس التي ظهرت في أوروبا في القرن العشرين، وكان روّادها الأوائل هم: ليفي شتروس، وفرديناند دي سوسير، وجان لاكان، وقد اهتمّ كلٌّ منهم بتطبيق المنهج البنائي على إحدى فروع المعرفة.

مفهوم البنية:
ظل لفظ " البنية " حتى القرن17 محصورا على استعمالات الإطار المعماري، ولكن بدءاً منه استعمل اللفظ في الإطار البايولوجي، بواسطة هربرت سبنسر الذي نقل استعماله من الحيز المعماري إلى إطار علم الاجتماع في أواخر القرن19 دون أن يتجاوز اللفظ حدود اللغة والأدب والفلسفة. بيد أن علماء الاجتماع التقليديين أمثال كارل ماركس ودوركايم وباريتو وماكس فيبر استعملوا اللفظ بهدف تعيين الخصائص الاجتماعية. وفي أواخر القرن19 غدا اللفظ مفهوماً ملازماً للدراسات الاجتماعية، وأصبح من الممكن رؤية البنية على أنها: " تتواجد ضمنا في تحليل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية، وأن أي رؤية للأحداث الاجتماعية كعوامل متعاقبة ومترابطة هي بنيوية"، ومع أعمال ألتوسير وميشيل فوكو وجاك لاكان ورولان بارت تَطَوَّرَ مفهوم البنية واكتست إرثاً جديداً، ويمكن النظر إلى كلود ليفي شتراوس باعتباره أبا حقيقيا للبنيوية. وبهذا التطور باتت البنيوية عبارة عن عدة تيارات فكرية واجتماعية مما يحتم الإحاطة بمبادئها وركائزها([2]).

ترى الفلسفة البنائية "إنَّ الظاهرة الكلية أو الفكرة، َتَتكوّن من طبقاتٍ مُتعددةٍ من البناءات أو الظواهر التي تتصل كلٌّ منها بالأخرى، ومن خلال تحليل تلك البناءات يُمكن الوصول إلى الحقيقة، فالمُجتمع يُمكن دراسته من خلالِ دارسةِ البناءات التي تكوّنه، وكذلك النصوص الأدبية واللغوية"([3]).

لقد "استطاعت البنيوية أن تشكل أداة بحث ايجابية في كثير من العلوم، إلا أن الفصل بين البنية والتاريخ، وبين البنية وتحديداتها الاجتماعية، قَصَرَ إيجابية البنيوية على بُعدٍ واحد، فهي تطمح إلى تأسيس جديد للعلوم الاجتماعية يسحبها من حقل التأويل الفلسفي إلى حقل العقلانية الكاملة، لكن هذه العقلانية عادت فالتقت بالمثالية حين جعلت من البنية " جوهراً " لا يقبل إلا بقوانينه الداخلية، وحين أغلقت فضاء البنية، وجعلته مكتفياً بذاته، أي ألغت منه مفهوم التناقض"([4]).

لكن "على الرغم من شيوع كلمة البنيوية ومفهوم البنية، فإن تعريفهما أو ادراجهما في تعاريف محددة، يثير بعض القضايا، فالبنية من حيث هي مفهوم لا توجد في الدراسات الأدبية والاجتماعية فحسب، بل انها قائمة في ميدان العلوم الدقيقة كالفيزياء والبيولوجيا والرياضيات، أما البنيوية فهي أبعد من ان تكون مدرسة فلسفية بالمعنى التقليدي للكلمة ويعود ذلك إلى اتساع مفهوم البنية، كما يعود إلى اختلاف النزوعات الفكرية لدى ممثلي البنيوية التي تمتد من حدود المثالية إلى حدود المادية، وقد انعكس هذا الاختلاف على تعريف مفهوم البنية، وسمح بتعددية التعريف واختلافه، بحيث جاء تعريف "جان بياجيه" مختلفاً عن تعريف "كلود ليفي شتروس"، وتعريف "رولان بارت" مختلفاً عن تعريف الماركسي لوسيان غولدمان.

مع ذلك فإن البنية في تعريفها البسيط هي نسق من العقلانية التي تحدد الوحدة المادية للشيء وهي القانون الذي يفسر هذه الوحدة، إن ربط البنية بالعقلانية يعني أولاً، أن البنية ليست وجوداً عيانياً، أو تجريبياً قابلاً للقياس، إنما هي بناء نظري للأشياء، يسمح بشرح علاقاتها الداخلية، وبتفسير الأثر المتبادل بين هذه العلاقات، ولهذا فإن البنية هي نسق من التحولات، يتألف من عناصر، يكون من شأن أي تحول في أي عنصر منها أن يؤدي إلى تحولات في باقي العناصر الأخرى. وبسبب هذه العلاقة تظل البنية ثابتة وغير متغيرة، على الرغم من التحولات الناجمة عن تحول العناصر، ولا يمكن تحويل البنية أو تغييرها إلا إذا اصطدمت ببنية خارجية. وبهذا المعنى فإن البنية لا تنطوي على أي بعد تاريخي، لأن التاريخ يعني التحول، والبنية لا تتحول وبالتالي فهي لا تعترف إلا بزمانها الخاص"([5]).

ركائز البنيوية([6]):
· انطلاقا من اللغة، فقد اعتبرت البنيوية أن الظواهر الثقافية، هي أنظمة لُغَوية لا بد أن تُحَلَّل باتساق بواسطة تقنيات ومناهج مستقاة ومشتقة من الألسنية كالتركيب اللغوي، الصوت اللفظي، وحدة الأصوات، التضاد الثنائي، الاستعارة، الكتابة، … إلخ

· كل ظاهرة ثقافية ينبغي أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع اللغة، أي أن لها دال ومدلول، وبالتالي لا بد من علاقة تُظْهِر الكوامن بمجرد تسليط الضوء على الأول.

· من المفترض أن ينصب التحليل البنيوي على الجانب التزامني وليس التعاقبي (التاريخي) أو التطوري.

· التحليل البنيوي يتعامل مع القطيعة المعرفية واللاستمرارية، إذ أن مختلف التحولات التاريخية تعكس نماذج من القطائع المعرفية واللا إستمرارية، فكل مرحلة أو حقبة زمنية لها هوسها وهواجسها المركزية التي تعكسها النصوص التاريخية التي تَسِمُها.

· لا تعطي البنيوية للإنسان مكانة خاصة في العالَم الاجتماعي، فهو ليس شيئاً ولا معنى له خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.

· يلاحظ في التحليل البنيوي ارتباط الظواهر الثقافية عن قرب بالسلطة، إذ كيف يمكن ملاحظة بنية أو دراستها خارج نطاق السلطة؟ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الانضباط، العقاب، الخطاب الأيديولوجي، موجودة أصلا ضمن نطاق ممارسة السلطة؟

· تنظر البنيوية إلى عالمية( وحدة) المعايير التي تتحكم في دراسة المظاهر الثقافية، إذ أن تنوع الثقافات يؤدي إلى تنوع التعبير عنها، لكن البنى التي تتحكم في هذه المعايير متماثلة.

· البحث البنيوي يقوم على ملاحظات إمبريقية (تجريبية) تشكل خطوة مركزية لاكتشاف البنى اللاشعورية للمظاهر الثقافية.






([1]) بلغت البنيوية أو (البنائية) ذروة ذيوعها كاتجاه فكري فلسفي في الستينات من القرن العشرين، وبات مألوفاً بين المثقفين أن يُنظَر إليها كمذهب فلسفي يتسم بالشمول ويهدف إلى تقديم تفسير موحد لعدد واسع من قضايا الفكر والمعرفة، فقد امتدت إلى ميادين متنوعة انبسطت على عدة مجالات، ففي مجال اللغويات نجد (جاكوبسون) و(شومسكي)، وفي التحليل النفسي نجد (لاكان)، وفي النقد الأدبي (رولان بارت) الذي فتح عهداً جديداً في تفسير النصوص على أساس بنائي، وفي الفلسفة كان (ميشال فوكو) يبهر الجماهير بآرائه في كتابه (الكلمات والأشياء)، أما (التوسير) فقد كان يقرأ التراث الماركسي (رأس المال) قراءة بنائية جديدة، وكان عالم الانتربولوجيا (كلود ليفي شتراوس) يواصل جهوده الحثيثة في قراءة القرابة والأسطورة في المجتمعات التقليدية، هذه الجهود التي حققت مكانة بارزة للبنيوية بين المذاهب الفلسفية في النصف الثاني من القرن العشرين.

وتعود الأفكار الأساسية لهذا المذهب إلى مؤسسها الأول السويسري فرديناند دي سوسير (1857 ـ 1913م) الذي عمل على تحديد موضوع علم اللغة، وان كان بعضٌ يذهب إلى أن مفهوم البنية وجد قبل "سوسير" في أعمال جان جاك روسو، وإمانويل كانط، وماركس، وفرويد، وغيرهم، بيد انه لم يصبح أداةً للتحليل وقاعدة لمنهج نظري معين إلا بعد عام 1928م. وأبرز ما تمتاز به البنيوية فلسفياً هو محاربتها للنزعة التجريبية من جهة، وللنزعة التاريخية من جهة أخرى، فهي تذهب إلى أن العقل ينمو نمواً عضوياً بحيث تظل فيه صور هي أشبة بالنواة الثابتة، وان كنا نزيدها على الدوام توسيعاً وتعميقاً. (الفلسفة من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة – موقع: كتاب – الانترنت- بدون تاريخ- https://www.ktab.xyz/p/blog-page_20.html)

([2]) د. أكرم حجازي – البنيوية التركيبية .. فلسفة "بيير بورديو" – منتدى: مجمع اللغة العربية – 8 ابريل 2013.

([3]) ليلى العاجيب – بحث حول الفلسفة المعاصرة – الانترنت- موقع: موضوع – 31 يناير 2016.

([4]) الموسوعة الفلسفية العربية – المجلد الأول – معهد الانماء العربي – 1986 .

([5]) فيصل دراج - الموسوعة الفلسفية العربية – المجلد الأول – ص198.

([6]) د. أكرم حجازي – البنيوية التركيبية .. فلسفة "بيير بورديو" – منتدى: مجمع اللغة العربية – 8 ابريل 2013.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول