اجرام ابشع كثيرا من -إجرام- الأم -الجانية-!

فارس محمود
2021 / 2 / 23

اصدرت محكمة جنايات الكرخ حكماً بالإعدام مرتين شنقاً حتى الموت بحق المرأة الشابة التي رمت طفليها في نهر دجلة اواخر العام الماضي. وبالرد على الجريمة بجريمة، من الواضح ان القاضي قد اراح ضميره بانه ادى واجبه وحقق "العدالة" في المجتمع!
ولكن لو اراد احد ما تحقيق "العدالة" في مجتمع العراق اليوم، فمن المؤكد ان الام الجانية ستأتي في اخر القائمة الطويلة والعريضة. اذ كم ينبغي اعدامهم من "اناس" لتحقيق العدالة اليوم؟! لم تقدم المرأة (1700) بريء في سبايكر لأنياب داعش، وفوق هذا تكرمه العدالة ذاتها بأعلى المناصب الحكومية! ان من قتلوا ما يقارب 800 شاب وعوّقوا عشرات الالاف من الشباب في الانتفاضة لا زالوا على راس السلطة في العراق ينعمون بثروات المجتمع وخيراته ويتحكمون بالمجتمع، ولم يسمع احد كلمة عن "العدالة"؟! اذا توخيت العدالة ينبغي ان تعلق المشانق لكل من نهب ولازال لثروات البلد، لكل من اكنز المليارات من ثروات المجتمع على حساب جوع وفقر الاغلبية الساحقة! الا تعتقدون ان جعل حياة ملايين الشباب هي عملية اعدام متواصلة، كل لحظة وكل ثانية، جراء انعدام الآمال وتبخر الاحلام بحياة بحد ادنى من الحقوق والرفاه. ماذا نعمل بأولئك الذين حرموا المرضى من امكانية الشفاء نظرا لخرافية اسعار المستشفيات والادوية والعلاج، ودفعوا حياتهم مبكراً ثمناً لأمر علاجاته وادويته موجودة؟!. ماهي عقوبة كل من جعل حياة فتاة تعيسة، موت يومي، جراء الظلم والعنف والعبودية ومسخ الشخصية في البيت؟! ما هي عقوبة الاستغلال الجنسي للنساء كشرط من شروط نيل وظيفة، وماهي عقوبة كذا وكذا....؟! اعطيكم وعداً ان في عراق اليوم يجب ان تنصب مشانق لمئات الالاف من الذين دمروا المجتمع عن قصد وعمد واصرار.
ان العدالة التي ينشدوها هي عدالة طبقة حاكمة، سائدة، طبقة البرجوازية وطفيلي المجتمع وسراق ثرواته، وليس لها اي ربط بعدالة انسانية، تحقق الكرامة الانسانية للإنسان. عدالة مشوهة، عدالة تموه المجتمع وتبعد الانظارعن، من هم المجرمون الحقيقيون.
ان ما هو معروف ان الاطفال فلذات الاكباد. ولكن ما الذي يدفع بالمريء الى رمي فلذات الكبد في دجلة؟! اي جنون بلغته تلك المرأة بحيث اقدمت على هذا العمل الشنيع ؟! ومن المسؤول عن هذا؟! ان نرمي الكرة في ملعب المرأة الام، وندير اوجهنا باننا ارضينا ضمائرنا بتحقيق "العدالة" هو انعدام لأي عدالة انسانية!
ان اول نظرة تلقيها على صورة الام، تكشف لك ان هذه المرأة غير طبيعية من الاساس، انها متأزمة نفسياً، ومن المؤكد ان تبعات الزواج كانت تفوق سنها وعمرها وتجربتها وخبرتها، وكل ملمح من ملامحها يثبت لك الجهل وعدم التعلم واستلاب الروح والشرود الذهني و.... ان ما ينبغي ادانته ليس هو المرأة الام، بل مجتمع ودين وقوانين وعادات وتقاليد ترى في التكامل البيولوجي لجسد المرأة وجهازها التناسلي امراً كافياً للزواج، وليس للنضوج الشخصي والانساني والعقلي والفكري والاجتماعي اي مكان، ناهيك عن الخيار الشخصي للمرأة واستعدادها المعنوي والنفسي للزواج (وهي امور ليست واردة في قاموس هذه الثقافة القرو وسطية). من المتوقع هذا، فماذا يعملون بالنضوج الشخصي، طالما هي ناضجة جسديا، اي عالم قبيح هذا. لا يشرف المرء أن يعيش فيه! انها مأساة بكل معنى الكلمة. قبل محاكمة هذه الام، ينبغي محاكمة كل القوانين والاحكام والاخلاقيات والتقاليد البالية والمتهرئة، وفي مقدمتها الدينية.
ترى ان هذا الحكم قد لاقى قبولاً وتأييدا واسعاً من اوساط اجتماعية عديدة. ان دل الامر على شيء، فانه يدل على ان هذه الاوساط، ليس باقل مرضاً من الام. يعني هذا إن هؤلاء عديمو الروح وخاوية ارواحهم من اي انسانية واحترام لبني البشر. ان هؤلاء يحتاجون الى علاج في نظرتهم، في مفاهيمهم، في قيمهم، في اخلاقياتهم، انسانيتهم، اولوياتهم، يحتاجون الى قلبهم رأس على عقب حتى يغدون منسجمين مع مجتمع يليق بإنسان القرن 21.
ان "الاعدام" ليست عقوبة. انها جريمة. جريمة ابشع من جريمة الام بآلاف المرات. فارتكبت الام هذه الجريمة في لحظة ما لأنها تحت الف ضغط وضغط، تحت ضغط الاهانة المتواصلة في "عش، قل مستنقع ودوامة، الزوجية"، تحت ضغط العنف المنزلي المتواصل واستلاب الارادة والروح، انعدام القيمة، سلب الماهية الانسانية والخ. ولكن ما لضغط الذي يرزح تحت القانون والقضاء ورجالاته الذين يعتاشون على هذا الانحطاط المجتمعي؟! فالأخير يقرر بدم بارد وبعدم احساس منقطع النظير ودون اي ضغوط، وبرجالاته المهندمين ببدلاتهم الفاخرة وربطات عنقهم ونوم هانئ في فراش وثير وبذهن صاف من اي قلق حياتي يذكر بسلب حياة انسانة ارتكبت جريمتها في لحظة ياس واحباط عميقين، لحظة لم تمتد لها اي يد عون لتساعدها على عبور هذه اللحظة القاسية. فأي منهما، القضاء ام المرأة، ارتكب جرماً اكبر؟! من الواضح ان جريمة المرأة لا تبرر ابداً جريمة القضاء. ان وصف احدهما بجريمة والاخرى بعقوبة لا يهدف الا الى حرف الحقائق. بشاعتهما لا تقل عن بعض. ولأكن دقيقاً وواضحا اكثر ارى ان جريمة القضاء ابشع بما لا يقاس مقارنة بجريمة امرأة سلبت منها كل ادميتها.
لا يحق لاحد، مؤسسة او دولة او افراد، سلب حياة انسان اخر تحت اي مبرر كان. ان 8 اذار على الابواب. ينبغي تحويل هذا اليوم الى يوم النضال من اجل تحرير المرأة من كابوس العنف المنزلي والهيمنة والاستهتار والغطرسة الذكورية!