كلمات أدخلها سلامة موسى

حسن مدن
2021 / 2 / 23

ينتابني شعور غامض بأن لبعض الضالعين في اللغة العربية وأساتذتها شيئاً من التحفظ، وربما الاعتراض، على ما سأورده تالياً حول مفردات مهمة في خطابنا الراهن، المكتوب والمحكي، يقول سلامة موسى إنه من أدخلها إلى لغتنا، وباتت بشحناتها الدلالية، روافع لأفكار الحداثة، ولا يخفي موسى أن تلك المفردات هي بمثابة تعريب لمفردات أجنبية، عرفها من خلال اطلاعه على الثقافات الغربية، خاصة ثقافة الحداثة والتنوير.
وعلى ما قرأتُ لسلامة موسى من كتب، وما تركته من أثر في تشكيل معارفي منذ سنوات الشباب الأولى، لم يصدف أن اطلعت على ما قاله بخصوص أنه من أدخل تلك المفردات إلى العربية، لكن كتاباً لمحمود الشرقاوي عن «سلامة موسى المفكر والإنسان»، صدر في بيروت قبل حوالي ستة عقود، طالعته مؤخراً قادني إلى ذلك.
عن موسى ينقل الشرقاوي قولاً يمكن تلخيصه في التالي: «رجل مثلي يحفل ذهنه بالمعاني الأوروبية والمشكلات العصرية، لم يجد في اللغة العربية حاجاته التعبيرية والفنية، ولذلك اضطررت إلى «تأليف»عشرات الكلمات التي جرت على أقلام الكتّاب».
لا يكتفي الشرقاوي بقول موسى وحده، وإنما يستشهد برأي آخرين يؤيدون القول، ومن بينهم وديع فلسطين في دراسة له عنوانها: «سلامة موسى المفكر الذي عاش في غده»، نشرت في مجلة «المجلة» عام 1958، وفيها يُرجع وديع إلى موسى اجتراح عدد من المفردات العربية التي نتداولها اليوم، ظانين أنها آتية من بطون المعاجم.
من تلك المفردات: «علم المصرولوجيا، الانطوائية، الاختمارات، التطوّر، الانطباعات، الكامنة، والمقصود بها العواطف المكظومة، لأنه كان ينفر من استخدام كلمة المكبوتة»، وهناك مفردات أخرى أوردها وديع فلسطين.
لست لغوياً لأجزم بدقة ذلك، وأعود إلى القول إنه ربما يجد أساتذة اللغة جذوراً لهذه المصطلحات في اللغة العربية، وأن ما فعله سلامة موسى أنه صاغ من هذه الجذور ما يمكن وصفه بالمصطلحات أو المفاهيم لتقديم ما في خزينته الفكرية الغربية إلى القراء العرب.
في كل الأحوال، هذا الأمر ينبهنا إلى أن اللغات، بما فيها لغتنا العظيمة، كائن حي يتطور وفق مقتضيات تطور العلم والمعرفة وصنائع الحياة، ما يجعل من رفدها بمفردات جديدة حاجة لا تقل عن الحاجة إلى تطوير الفكر نفسه. والمؤكد أن العربية الآتية من الجزيرة العربية اغتنت بمفردات من ثقافات البلدان والأمم التي بلغها العرب، كما أن لغة العرب نفسها ورثت من لغات أخرى مفردات دخلت في نسيجها، وما صحّ في الماضي يصح في الحاضر أيضاً.