عندما يستنجد الغريق بقشة - المجلس العسكري -

صلاح بدرالدين
2021 / 2 / 23

شغلت فكرة " المجلس العسكري " في الأسبوعين الأخيرين حيزا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام ، ونالت اهتماما من متابعي القضية السورية ، والقوى المعنية بهذا الملف الذي يحمل في طياته الأوجه الإنسانية والسياسية والحقوقية ، ومصائر الملايين من السوريين ، المهجرين والنازحين والمقيمين ، ومستقبل الأجيال القادمة ، والنظام السياسي المنشود ، ومآل أهداف الثورة في الحرية والكرامة والتغيير الديموقراطي بما فيها حقوق المكونات الوطنية القومية وفي المقدمة الكرد السورييون ، ومسائل الحرب والسلام ، والجرائم ضد الإنسانية من قتل وتدمير التي ارتكبها النظام المستبد طيلة العشر سنوات الأخيرة مكملا جرائم ابشع ارتكبها منذ انقلاب البعث بداية ستينات القرن الماضي ، وتسلط نظام الاسدين الاب والابن منذ السبعينات الى الان .

أقول فكرة إقامة " المجلس العسكري " وليس مشروع ، لان ما اعلن وكتب عنه لم يأتي في سياق دراسة ، وتحليل ، ومراجعات ، انكب عليها مفكرون ، ومثقفون ، وعلماء سورييون ، في الشؤون العسكرية ،والسياسية ، والاقتصادية ، والأمنية ، ثم تم طرحه مجددا بعد الصياغة ، للنقاش الاوسع في الأوساط النخبوية وكذلك الشعبية ، والاستفتاء عبر الوسائل المتوفرة ، لقد تم طرح الفكرة من جانب افراد على عجل ، وتلقفتها أفراد آخرون ، بل ان البعض اعتبرها فكرته متجاهلا المصدر الأول ، وكان الجميع انطلقوا من رؤية واحدة وهي الخلاص كيفما كان ، وباية طريقة كانت ، وذلك بسبب الجمود المتفق عليه مع كل المآسي والعذابات الذي فرضه النظام والقوى المحتلة على القضية السورية بهدف وصول الشعب السوري الى نقطة اللاعودة في فقدان أي بصيص امل ، وقبول أية حلول حتى لو افضت الى الاستسلام .

في سياق تبني الفكرة ، والدعوة لها ، والتوقيع على ديباجة تأسيس " المجلس العسكري " من جانب مجموعات من ضباط بقايا الجيش الحر من خارج مؤسسات ، وكيانات ، وفصائل المعارضة ، ( الرسمية ) الى درجة التعصب لها ، ظهرت نزعة عسكريتارية تدين السياسيين المعارضين من دون تمييز ، وتحملهم أسباب الهزيمة والتراجع ، ووأد الثورة ، هذه النزعة القاصرة ماهي الا احدى نتائج التسرع ، والامزجة الفردية ، والتاثيرات الشخصية ، والاعمال الفردية الشللية التي لاتستند الى الرأي الجماعي والمشورة ، والاذعان للقيادة الجماعية ، وتسجل في سياق العقلية الانقلابية التي تتعشعش في عقول العسكريتاريا السورية منذ أواسط الاربعينات انتهاء بانقلاب البعث ، وحافظ الأسد باسم الحركة التصحيحية .

وحتى لانظلم أية فئة وطنية سورية من المدنيين والعسكر ، نعيد الى الاذهان أن الانتفاضة السورية السلمية اندلعت قبل عشرة أعوام تعبيرا عن ارادة غالبية السوريين ، وبادوات شعبية مدنية بسيطة وعفوية وليس عسكرية ولا حزبية تقليدية تصدرتها تنسيقيات الشباب في كل الجغرافيا السورية تقريبا ، مما يعني ان الفئات المدنية هي من بادرت الي اشعال الانتفاضة ضد نظام الاستبداد ، وان أذرع النظام العسكرية والأمنية والحزبية والميليشياوية هي من تصدت للمنتفضين بالسلاح ، والقمع ، والخطف ، والاعتقال ، الا ان بادرت مجموعات عسكرية من كل الرتب ، الى الالتحاق بالانتفاضة ، والانحياز الى صف الشعب .
من غير الجائز ولا الواقعي وضع كل المدنيين السياسيين او كل العسكريين في ميزان واحد ، ففي الوقت الذي لايمكن التمييز بين الجانبين حيث العسكري ابن المدني وبالعكس ، فهناك اختلافات وتباينات بالافكار والمواقف والسياسات بداخل كل القطاعات ، هناك الاخيار والاشرار في كل مكان ومؤسسة وقطاع بين العسكريين والمدنيين ، فقط يمكن القول أن نظام الاستبداد الاسدي البعثي عمل على إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس عقائدية طائفية ، ووظفها كجهاز قمع واستئصال ضد الشعب وليس من اجل الدفاع عن السيادة وحدود الوطن ، وحاول خلق العداوة بين الجيش من جهة والغالبية الوطنية من الجهة الأخرى .
وقد حذى بعض الميليشيات من خارج اطار النظام ومناطقه حذو النظام في انشاء وتربية قطاعات عسكرية على العقائد والايديولوجيات الشمولية ، وعلى ثقافة تخوين وتكفير وتصفية الاخر المختلف بسبب الفكر ، والموقف السياسي ، والقومية ،والدين ، والمذهب .

ولاشك الانتفاضة تحولت الى ثورة مكتملة بعد التحاق قسم من المؤسسة العسكرية باسم الجيش الحر الى الحراك المدني ، واذا كان لمعظم السوريين من الوطنيين المستقلين مآخذ كبرى على سلوك كيانات المعارضة من المجلس الوطني الى الائتلاف انتهاء بهيئة التفاوض ، وادانات بالانحراف عن خط الثورة ، وعدم الاستقلالية ، وحملها لاجندات خارجية ، فان تلك الكيانات والمؤسسات المعارضة كانت ومازالت تقاد من جانب أحزاب كلاسيكية ، إسلامية ، وقومية ،ويسارية ، وتتشكل من المدنيين ، والعسكر مثل وزارة الدفاع ، ورئاسة الأركان ، وقادة الفصائل العسكرية ، والجيش الوطني ووووالخ ، وشارك عسكر الثورة والمعارضة في صفقات خفض التصعيد مع النظام والمحتلين الروس ، وفي اجتماعات آستانا وسوتشي وغيرها بطبيعة الحال تحت مظلة المعارضة المدنية والسياسيين .

ان طرح فكرة " المجلس العسكري " كحل للازمة وبمعزل عن الحركة الوطنية السورية بكل عيوبها والاجماع الوطني ، ومن دون حاضنة سياسية منظمة من معارضي نظام الاستبداد تحميه وتمده بالشرعية ، أوخارج المشروع الوطني الديموقراطي ،وحتى لو حظيت برضا دول خارجية لاقيمة لها ولاتاِثير ، ومثل ذلك المجلس الذي سيكون ان تشكل تحت رحمة ضباط النظام ، الذي يتمتع بقوة الدولة والإدارة والتنظيم في حين ان بضعة ضباط من ( الاوادم ) لن يحلوا ولن يربطوا ولن يكونوا الا شهود زور على نحر الثورة ، والارتداد عن أهدافها والتسليم بصدقية النظام القاتل .

من المعتقد ان البعض من المتحمسين جدا لفكرة " المجلس العسكري " تختلط عليهم الأمور عندما يقارنون بين دور العسكر في حالة الثورة السوية ، وفي التجارب الأخرى في بعض بلدان ثورات الربيع مثل ليبيا والسودان وتونس ومصر وغيرها ، ففي البلدان الاخرى وعندما نلاحظ إيجابيات في مواقف المؤسسة العسكرية مردها ان تلك الجيوش لم تكن عقائدية حزبية طائفية متزمتة ، وقسم آخر انحاز للثورة عندما ظهر له مدى التنظيم والقوة الشعبية الهائلة للحراك الشعبي المدني مثل قوى الحرية والتغيير في السودان .

بنهاية الامر لابد من تكاتف الجميع مدنيين وعسكيين في هذه المرحلة المفصلية ، من اجل إعادة بناء الحركة الوطنية السوية ، وتوفير مستلزمات وشروط مواجهة مختلف التحديات الماثلة ، وإنقاذ بلادنا من المخاطر المحدقة ، وذلك من خلال المشروع الوطني الديموقراطي وهو السلاح الأقوى والنجع في كل زمان الذي يتوافق حوله كل المكونات السوية .