اللغة المقعرة

سعود سالم
2021 / 2 / 23

أركيولوجيا العدم
١٨ - اللغة المقلوبة

ولكن ما أن نخرج من مأزق لغة القضاء والقدر ومنطق "إنشاء الله" و "الله أعلم" و" ولاحول ولا قوة إلا بالله "، حتى نسقط في كمين آخر، حفرة سحيقة وربما أكثر عمقا من الهاوية الإلهية، نجد أنفسنا في مواجهة هذه اللغة الجديدة التي تحدث عنها جورج أورويل في منتصف القرن الماضي، هذه اللغة التي تنقلب فيها المفاهيم ونسمي فيها الفحم "بياض"، والأعمى يسمى "بصيرا"، وحيث حرية الإستثمار والإستغلال وسرقة عرق العمال ومجهودهم يسمى "حرية"، وحيث التبعية للرأسمالية الأمريكية تسمى "ديموقراطية"، وحيث سلطة مالكي أجهزة الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفزيون وإنترنت تسمى دون خجل "حرية التعبير"، وإرادة الدولة بكل مؤسساتها للتحكم في حياة المواطنين وحماية الأغنياء منهم ضد غضب الفقراء تسمى" القانون " والعدالة وتكافؤ الفرص، وحيث سلطة الأمراء والعائلات الثرية تسمى " التمثيل البرلماني"، وإعطاء الشرعية لمحترفي السياسة من رجال الأعمال لحماية مصالحهم يسمى "الإنتخابات النزيهة"، وحيث وكر الذئاب يسمى "البرلمان". ولكي لا يصاب الإنسان بالإنفصام أو بالجنون، لا بد من تعلم هذه اللغة، وتقشير الكلمات من الغلاف السميك الذي يغطيها، وتعلم المفردات والقواعد الجديدة التي تحكمها، وإلا فإننا لن نفهم مطلقا ما تعنيه مفاهيم بسيطة مثل "أسلحة الدمار الشامل"، "الحرب الوقائية"، "القنابل الملوثة"، أو كلمات أكثر بساطة مثل "السلام"، "الحرية"، "الديموقراطية"، "العنف والإرهاب". الإشكالية إذا ليست في الكلمات وحدها، وإنما في الذي يستعمل هذه الكلمات وفي متلقى هذه الكلمات، مشكلة اللغة بكامل مستوياتها وتركيباتها الإجتماعية والسياسية والنفسية والتي تتطور وتتغير من لحظة لأخرى حسب المواقف وحسب طبيعة الأحداث، وحسب صراع القوى والمصالح المتحكمة في قواميس اللغة. إن كلمة "حرية" في فم رئيس أمريكي أو أوربي أو من دول العالم الثالث أو الرابع، ليس لها نفس المعنى ولا تغطي نفس الفضاء الرمزي والمادي ككلمة "حرية" على لسان طفل فلسطيني أو فلاح من البرازيل، وكلمة "أمن" بدورها ليس لها نفس المعنى في ذهن رجل الأعمال أو في فم متشرد بلا مأوى في إحدى العواصم الأوربية أو في القرى العشوائية في العالم الفقير. هناك إذا لغة خاصة وعالمية يمارسها رجال السياسة ورجال الدين ورجال رأس المال فيما بينهم، وبواسطة أجهزة الإعلام المختلفة، ويلعب الصحفي والمثقف والمحلل السياسي وغيرهم، دور المترجم لشرح مضمون الرسالة للمواطن العادي، حتى تتطابق مع المعنى المقصود، فتشبه اللغة في هذه الحالة وعاء فارغا يملأه هؤلاء المتخصصون بما يشاؤون من الروث.