الله والحوذى والحصان

منسى موريس
2021 / 2 / 23

هناك مواقف وأحداث قد نمر بها و تبدو ربما للكثيرين عادية أوبسيطة ولكن حين نتأملها نجدها تكشف لنا عن أشياء في قمة العمق والمعنى تمس وجودنا الإنسانى فأغلب مايظهر لنا على أنه عادى وبسيط يمكننا أن نستخلص ونستنبط منه معانى ودلالات لاحدود لها ، ومن ضمن المواقف التي صادفتها وكان لها أثر بالغ على فكرى وعلى رؤيتى للحياة أيضاً كان هذا الموقف عبارة عن مشهد قصير جداً لايتخطى بضع دقائق لكن برغم قصره شعرت أنه مشهد كبير يُمثل حياة بأكملها.
" كنت ذاهباً إلى بلدة مجاورة ومن عادتى أحب الجلوس بجانب نافذة السيارة لأننى أهوى تأمل الطريق وبالقرب من الجسر أبطأ السائق بسبب الازدحام الشديد و رأيت أثناء عبورنا للجسر حوذى يحمل بيده اليمنى سوطه ويمسك بيده اليسرى لجام حصانه بكل قوة وعندما توقف حصانه عن السير إنهال عليه بالضرب المبرح العنيف بدون شفقة ورحمة وراح يشتمه بأقذع الألفاظ وأقذرها وكل هذا بسبب أن هذا الحصان المسكين لم يعد يستطيع أن يجر العربة التي تحمل أوزاناً فوق طاقته وقدرته وإحتماله والحوذى يعتقد بغباء لانظير له أن كثرة الضرب سوف تزيد من قوته وتجعله يعاود السير مرة أخرى لكن الذى حدث هو العكس تماماً إنهار الحصان الضعيف وفقد كل قوته وسقط أرضاً وإلتفت الناس حوله كى تساعده ليقف مجدداً لكن هيهات كل محاولاتهم باءت بالفشل وأصبح الحصان ساكن في مكانه لا يوجد فيه شيء يتحرك إلا عينيه كانت تنظر إلى الجميع نظرة معجونة باليأس والألم كأنها تقول " لا أريد مساعدة أحد كنت بطلاً في قصتى يوماً ما لكنى الآن أقف كالمتفرج " ثم إنطلقت السيارة بسرعة وغاب هذا المشهد المأساوى لكنه لم يغيب عن ذهنى حتى هذه اللحظة" وكثيراً ما طرحت على نفسى عدة أسئلة بخصوص هذا الموقف العابر هل هناك علاقة تشابه بين ما مر به هذا الحصان المسكين وبين وجودنا الإنسانى؟ هل يمكن للإنسان أن ينتقل من مرحلة البطل الذى يشكل حياته والعالم بنفسه إلى مرحلة المتفرج في لحظات اليأس وغياب المعنى؟ وكيف يستطيع الإنسان القيام بعد السقوط وبعد أن فارقته قوته في عالم بلا مخلص؟ كل هذه الأسئلة تعد جوهرية في حياتنا وتاريخنا كبشر كوننا نعيش داخل أطر إجتماعية وحضارية وسياسية وفكرية ووجودية ودينية وإنسانية أخلاقية هذه طبيعة حياة الإنسان هي حياة جماعية إنتمائية لايمكن أن تستقيم بدون هذه الأطر والقوالب والنظم والمفارقة العجيبة أن كل هذه الأمور التي لايستطيع المرء أن يعيش بدونها ربما تلعب هي دور " الحوذى" ويصبح الإنسان هو "الحصان" الحصان التعيس البائس الذى إستحال وجوده من البطل إلى المتفرج ووقتها تسحقه المصاعب والهموم والتحديات الكبرى والضربات الموجعة فيكتفى بتحريك عينيه ليشاهد حالته المأساوية أثناء إغتصاب الواقع لها ويُساق لمصائرمجهولة رغماً عنه بدون إرادة منه ويفقد إتزانه ويُدرك مدى ضعفه وعجزه وإنكساره أمام هذه الحياة وهنا يسقط أرضاً ويرفض كل محاولات الوقوف والصمود من جديد لأنه أدرك أن لا وجود أصيل له لأن الوجود الأصيل والهوية الحقيقية يحققها الإنسان عندما يكون "هو هو" فالهوية مقرونة بالوقوف ومعاودة السير من جديد فالطريق يبدأ وينتهى "بالأنا " لا " بالأنت والنحن" وهذا بالضبط ما شعر به "الحصان" فكيف له أن يسير ويمشى في طريق غيره ويحمل أوزان غيره فأين هو ؟ أين وجوده ؟ اين ذاته ؟ أين كيانه وجوهره؟ من أين يستمد كل هذه المعانى وكل الأطر التي تضمه تمحيه بدم بارد؟ أين المخلص إذن ؟ أين ينبوع الطاقة والقوة الذى لاينضب في عالم تفوح منه رائحة الموت والهلاك والفناء والتحلل والتمزق؟ كيف يمكن للإنسان أن يجد هويته الحقيقية في عالم نسبى متغير عالم قد يدمر كل الهويات والمصائر؟ كل هذه أسئلة وجودية لاتنفك عن كل إنسان لأن كل منا يبحث عن هذه المعانى والقيم ، إن الخطيئة وكل الخطيئة أننا كبشر وضعنا قيمتنا وهويتنا وجوهرنا الحقيقى في هذه الأطر والقوالب الجاهزة لذلك عندما تنحرف هذه الأطر تتحول إلى " الحوذى" ويصير حالنا كحال " الحصان" فقيمتنا لايمكن أن نستمدها إلا من منبع غير متناهى يتناسب مع طبيعتنا الوجودية المُفارقة لهذه الأطر فطبيعتنا الروحية أكبر من العالم الذى نعيش فيه وفى الله نجد هويتنا الحقيقية وقيمتنا الغير متناهية المصير فالعالم وكل العالم والوجود وكل الوجود والأطر وكل الأطر كل هذا لايمكنه أن يكشف لنا عن جوهر كينوتنا ويشبعها فالهوية التى نستمدها من الله هي الهوية الأصيلة لأنه هو الوجود الأصيل والمرجعية المُطلقة والمنبع الذى لاينضب وهو القادر أن يجعلنا نُعيد تشكيل هذه الأطر والقوالب من جديد وهنا أتذكر آية إنجيلية جاءت في "رسالة يوحنا الرسول الأولى 4: 4" تقول ( أنتم من الله أيها الأولاد، وقد غلبتموهم لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم) فالأعظم من العالم هو روح الله اللامتناهى المُفارق الذى يُعطى الإنسان القوة للوقوف والبدء من جديد لأنه مصدر للطاقة غير محدود فالإنسان لايمكن أن يواجه الوجود إلا بقوة أكبر من الوجود ذاته قوة تخلصه تجعله لايرى في نفسه إلا البطل لا المتفرج لأن الإيمان يؤكد على تفرد الذات الإنسانية كونها مخلوقة على صورة الله وهذا التفرد يصنع المصير والحرية والإرادة وهذه أدوات كل بطل فاليأس الذى يدفع الذات إلى السقوط هو أكبر تجسيد عن التناقض الحاصل في الذات بين ميل وإنتحاء الروح الإنسانى للضمان الزمانى والأبدى في عالم متناهى محدود متناقض لايروى عطشها الوجودى ولايحمل في طياته وجود أصيل يمد الإنسان بهويته الحقيقية لأن العالم لايشكل نفسه بنفسه لكن الذات هي من تبنيه وتعطيه المضمون فكم بالأحرى أن يقدم لها العون ويمدها بالمعنى والخلاص ؟ فالخلاص لابد وأن يكون من نبع متعالى فوق الزمان والمكان والعالم لأن اليأس هو إشارة وتعبيرعن كل هذه المعانى فعندما يفشل المرء في إقتناص هذه الحقيقة والدخول في خبرة روحية مع الله المُطلق واللامتناهى حتماً سيسقط أرضاً وسيصبح مثل " الحصان" المسكين تماماً لأنه ربط وجوده وهويته بقيم متناهية ومحدودة وعندما تصور أن هذا هو كل الوجود رغم أن الوقت كله تصرخ ذاته بأعلى صوت وتبكى هناك أبد ومُطلق ووجود أصيل لكنه خنق ذاته وجلدها وأثقل كاهلها وأعاق مصيرها مثل " الحوذى " وعوض أن تصبح هي البطل الذى يشكل حياته صارت كالمتفرج الذى لادور له إلا المشاهدة فقط والنتيجة تقع في يأس مُطلق يجعلها تنكرعلاقتها بوجود أبدى وجود إلهى وأشار الفيلسوف "سورين كركيجور" إلى هذه الحالة من اليأس وأسماها "المرض حتى الموت "، فاليأس هو صوت الأبدى وكل محاولة لإسكاته تعد سوطأ يجلد الذات ويعذبها ، وفى عالم خالى من الله سيظل هذا المشهد موجود بشكل دائم وتراجيدى سيبقى كل حوذى يقهر حصانه وسيستمر اللعب بالمصائر وتدمير الهويات .