الرؤية المطلوبة في مجابهة مرحلة الانحطاط العربي

غازي الصوراني
2021 / 2 / 23

إن التحديات التي يواجهها الوطن العربي بمجموعه، أو على صعيد كل قطر عربي على حدة، هي من الضخامة والجدية بحيث أضحت المسألة القومية – برغم تراجعها في المرحلة الراهنة– مسألة مستقبلية ملحة، نظراً للمتغيرات والهزات العميقة التي عصفت بالعالم في الثلاث عقود الأخيرة، مما يفرض على كل القوى الوطنية والقومية الديمقراطية والتقدمية الثورية العربية، أن توليها الجهد والاهتمام اللازمين على مختلف الصعد الفكرية والعملية، بحيث تعيد قراءة التاريخ العربي، قراءة عميقة ونقدية، وتستخلص الدروس والعبر؛ وبالتالي تحدد عناصر الانطلاق والنهوض، على طريق استعادة وتكريس الأفكار التوحيدية القومية التقدمية والديمقراطية في كل بلد عربي، آخذين بعين الاعتبار المنطلق الذي حدده المفكر الراحل سمير أمين في قوله إن المرحلة الراهنة، التي تجتازها بلداننا العربية، ليست مرحلة "المنافسة من اجل الاستيلاء على الحكم"، وذلك في غياب قوة اجتماعية شعبية تستطيع "ان تفرض نفسها على القوى الاخرى الداخلية سواء كانت تتجلى في نظم الحكم ام في بديل الاسلام السياسي وهما وجهان للعملة نفسها"، فهو يرى ان الخطوة الاولى على طريق الخروج من الازمة، تتمثل في العمل على اعادة تكوين اليسار وبناء القوى الشعبية، وذلك في اطار عمل طويل النفس يطاول مستويات عدة "من تحديد الاسس الفكرية، وسمات المشروع المجتمعي المطروح كهدف تاريخي، وتحديد المراحل الاستراتيجية للتقدم في الاتجاه المرغوب... والقوى الاجتماعية التي لها مصلحة في انجاز المشروع والقوى المعادية له، ثم اخيرا بناء قواعد العمل المناسبة.
وفق هذا المنطلق، فإن رؤيتنا تتجاوز حالة التجزئة القطرية العربية (رغم تجذرها)، نحو رؤية ديمقراطية قومية، تدرجية، تنطلق من الضرورة التاريخية لوحدة الأمة، وتتعاطى مع الإطار القومي كوحدة تحليلية واحدة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، مدركين أن الشرط الأساسي للوصول إلى هذه الرؤية-الهدف، يكمن في توحد المفاهيم والأسس السياسية والفكرية للأحزاب والقوى الماركسية القومية داخل إطارها القطري/الوطني الخاص كخطوة أولية، تمهد للتوحد التنظيمي العام وتأطير وتوسع انتشار الكتلة التاريخية –على الصعيد القومي، انطلاقاً من إدراكنا بأن الأزمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في وضعها الراهن ليست فقط أزمة قيادتها الطبقية البورجوازية الرثة التابعة، بل هي أزمة البديل الديمقراطي التقدمي لهذه القيادة، يؤكد على صحة هذه المقولة، ما جرى في بلادنا العربية من انهيار اجتماعي واقتصادي وتفكك في إطار تبعية وتخلف واستبداد النظام السياسي، وتراجع الهوية الوطنية والقومية لحساب هوية الإسلام السياسي، أو للهويات الاثنية والطائفية والعشائرية.
لقد آن الأوان لنقل حركة التحرر الوطني العربية من حالة التراجع إلى حالة الهجوم المضاد، ويستدعي ذلك البدء بتصحيح التعامل مع التناقضات في المنطقة العربية، واعتبار التناقضات والصراعات الطبقية تناقضاً رئيسياً ومدخلاً وشرطاً أولياً في النضال الوطني والقومي، التحرري والمجتمعي ضد الأنظمة الرجعية والتابعة لمنطلق لابد منه للخلاص من الوجود الامبريالي الصهيوني في بلادنا.
في ضوء ما تقدم، فإن شرط الحديث عن مجابهة واقع التبعية والتخلف والاستبداد في كل قطر عربي، بما يمهد لإعادة تفعيل وتجديد المشروع النهضوي القومي للخروج من هذا المشهد أو المأزق الخانق، هو الانطلاق بداية من رؤية ثورية واقعية جديدة لحركة التحرر القومي باعتبارها ضرورة تاريخية تقتضيها تناقضات المجتمع العربي الحديث من جهة، وبوصفها نقيض الواقع القائم من جهة أخرى، على أن هذه الرؤية لكي تستطيع ممارسة دورها الحركي النقيض، والقيام بوظيفتها ومهماتها التاريخية فلا بد لها من امتلاك الوعي بالمحددات أو المفاهيم الجوهرية الأساسية التالية :-
1. أن تكون رؤية وطنية وحدوية تناضل ضد أي شكل من أشكال تفكيك الدول العربية إلى دويلات طائفية، كما تسعى إلى إلغاء نظام التجزئة الذي فرضته الإمبريالية، وتعمل على توحيد الجماهير العربية بما يخلق منها قوة وطنية وقومية تقدمية وديمقراطية، قادرة على الفعل التاريخي على الصعيد العربي والإنساني العام.
2. أن تسعى إلى استيعاب السمات الأساسية لثقافة التنوير والحداثة الأوروبية، وما تضمنته من عقلانية علمية وروح نقدية إبداعية واستكشافية متواصلة في فضاء واسع من الحرية والديمقراطية، وإدراك واضح لموضوعية الوجود المادي والوجود الاجتماعي، وما يعنيه ذلك من إدراك الدور التاريخي للذات العربية وسعيها إلى الحركة والتغيير انطلاقاً من أن الإنسان هو صانع التاريخ والقادر على الابتكار والتغيير في حاضره ومستقبله، وفق أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية في إطار المشروع القومي العربي النهضوي.
أخيراً، إن حديثي عن الضرورة التاريخية لصياغة منظومة معرفية قومية ديمقراطية وتقدمية معاصرة، عبر رؤية وممارسة، في إطار الفلسفة الماركسية، يقع بالدرجة الأولى وفي المراحل الأولى على عاتق المثقف الديمقراطي الثوري العربي، لاعتبارين هامين، أولهما: أن هذا المثقف هو الوحيد القادر من الناحية الموضوعية على وضع الأسس المعرفية النظرية لهذه المنظومة وآفاقها المستقبلية.
وثانيهما: أن طبيعة التركيب الاجتماعي/الطبقي المشوه لمجتمعنا العربي، التي تتسم بتعدد الأنماط الاجتماعية القديمة والمستحدثة وتداخلها، كما تتسم بالسيولة وعدم التبلور الطبقي بصورة محددة، والتسارع غير العادي، الطفيلي أو الشاذ أحيانا في عملية الحراك الاجتماعي، إلى جانب وضوح وتعمق تبعية "البورجوازية" العربية للمركز الرأسمالي المعولم، بحيث أصبحت –اليوم- واحدة من أهم أدواته وآلياته في بلادنا، كل ذلك يجعل من المثقف العربي العضوي، -بالمعنى الجمعي المنظم- بديلا مؤقتا ورافعة في آن واحد للحامل الاجتماعي أو الطبقي، وما يعنيه ذلك من أعباء ومسئوليات بل وتضحيات في مجرى الصراع لتوليد معالم المشروع النهضوي الوطني والقومي التقدمي، ونشره في أوساط الجماهير الشعبية العربية كفكرة مركزية أو توحيدية.
إن اقتناعنا بهذه الأفكار، ونضالنا من أجل بلورتها في كل ساحة أو بلد عربي أولاً، ثم على الصعيد القومي ثانياً، يستند –ذلك الاقتناع- إلى أن هناك إمكانيات واقعية وظروف موضوعية مهيأة لاستقبال الرؤى الفلسفية الثورية، المادية الجدلية، والبرامج السياسية التحرريه والمجتمعية المطلبية والديمقراطية في بلادنا، ولتحقيق مكاسب جزئية متزايدة في عملية طويلة معقدة عبر مراحل وسيطة متعددة على طريق تحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية.