الاستبداد الحزبي

محمد علي مقلد
2021 / 2 / 23

بعد اسبوع استدعاني ثلاثة من قيادة الحزب وعرضوا علي أن أقوم بمهمة ممثل للحزب في دول عدم الانحياز في بلغراد في يوغسلافيا، وطلبوا مني أن أحضر أوراقي وجواز سفري أنا وزوجتي للسفر في أقرب فرصة، فيما كان رفيق آخر في القيادة يسعى لتأمين سفري إلى الاتحاد السوفياتي أنا وزوجتي أيضا لمتابعة علاجنا من أجل الإنجاب بعد أن حالت ظروف الحرب اللبنانية دون متابعة العلاج بانتظام في لبنان. حل الصيف ولم يتمكنوا من تأمين سفرنا إلى أي من البلدين فقررت، بالاتفاق مع قيادة الحزب، السفر على نفقتي في رحلة نقاهة بعد أن كانت زوجتي قد خضعت لعملية جراحية. سافرنا إلى المجر، وخلال وجودنا هناك أقفل مطار بيروت الدولي، فتابعنا سفرنا إلى فرنسا، وعدت وحدي دون زوجتي في أول يوم فتح فيه المطار مدارجه أمام حركة الطيران، في الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني 1984.
هذه كانت حكاية سفري التي عاقبتني القيادة عليها وعممت على القواعد الحزبية وعلى الحلفاء تهمة تكفيري. من حسن حظي أن عقوبة التكفير في الحزب الشيوعي اللبناني لا تصل إلى حد القتل، لكنها للأسف تفعل فعل القتل المعنوي بأي مناضل، حتى لو امتلأ سجله النضالي بكل قيم الوفاء والاخلاص والتفاني والتضحية ومعانيها وأشكالها، ولم أنج من هذا النوع من محاولات القتل، حتى بعد أن انهارت هياكل الحزب القيادية كلها، إلا لأنني كنت شديد التمسك بوحدة الحزب وبتجديده وأكثر إخلاصاً لقيمه وقضيته ممن يديرون أزمته على حساب تاريخ الحزب المشرق وتضحيات مناضليه .
استقبلني الحزب بجفاء وأعفاني من كل مهامي الحزبية، لكنه أبقى على عضويتي في اللجنة المركزية، وحين لم يكن لدي ما أقوم به من واجب نضالي، طلبت من كريم مروة نائب الأمين العام أن أقوم بأية مهمة، حتى ترتيب كراسي الاحتفال، ولما أجابني بعدم الموافقة وبعدم حاجة الحزب لأي جهد مني، طلبت موافقته على العودة إلى فرنسا لملاقاة زوجتي ومتابعة العلاج معها.
قضينا ما تبقى من العام، وفور وصولي استأنفت دراستي وكتبت رسالتي الجامعية بلغة فرنسية متخلعة، تناوبت على تصحيح أخطائها اللغوية طالبة فرنسية مقيمة في المدينة الجامعية وعاملة الطباعة التي كانت تهوى الشعر وأعجبتها أشعار اللبنانيين المترجمة، كما قرأها أستاذي وأكمل التصحيح بتدقيقات وضعها بأناة وطول بال، ومنحني على أساسها شهادة الدراسات العليا.
عدنا في بداية الصيف بالسيارة، من باريس عن طريق سويسرا إيطاليا يوغسلافيا، مروراً ببلغاريا حيث التقينا ببعض رفاقنا وبحثت، وأنا في طريقي إلى الشرق نحو تركيا، عن المدينة التي كان الرفيق خليل قوصان يقيم في أحد مقراتها للراحة، وأرشدنا الرفيق أحمد مرمر إلى إمكانية المعالجة بالمياه المعدنية في مدينة بورغاس على البحر الأسود، فاشترينا خيمة وأغطية من صوفيا واقمنا عشرين يوماً على شاطئ البحر الأسود كانت زوجتي تتعالج خلالها بالمياه المعدنية. خلال إقامتنا على الشاطئ عدت على طيران داخلي إلى صوفيا لأحضر لقاء جماهيرياً مع الرفيق جورج حاوي في إحدى القاعات الكبرى في المدينة. بعدها غادرنا عائدين إلى بيروت ووصلنا عن طريق سوريا في أوائل آب 1984، بعد أن كانت العملة اللبنانية قد بدأت مسيرتها الهابطة.
تيسر لي أن أقيم في بيروت، كان الجنوب لا يزال تحت الاحتلال، في شقة وضعها تحت تصرفنا أبو علي محمد علي الشامي، أحد أقاربي وزوج خالة دنيا، في حارة حريك، واستمرت إقامتنا فيها حتى نيسان من العام التالي، موعد انسحاب القوات الاسرائيلية مما تبقى من الجبل ومن الجزء الأكبر من أراضي الجنوب، بما فيها صيدا مقر إقامتي وجرجوع مسقط راسي ومكان إقامة أهلي وأهل زوجتي. خلال إقامتي في بيروت، قرر الحزب أن يتراجع شكلياً عن الحظر الذي فرضه علي والحرم الذي رماه على علاقاتي الحزبية، وأوكل إليّ العمل مع الأستاذ حبيب صادق، "مسؤولاً باسم الحزب عن أهم مؤسسة ثقافية في لبنان" بحسب تعبير كريم مروة، وذلك تسويغاً للقرار. غداة الانسحاب الاسرائيلي من مدينة صيدا، عدت إلى منزلي في صيدا بعد استشارة أحد قياديي الحزب، جورج بطل، لأفاجأ بعد أسبوعين باستدعائي إلى بيروت والتحقيق معي بتهمة التخلي عن مهمتي كمسؤول عن المجلس الثقافي وحبيب صادق .
نعم ! تخيلوا! وكلما ذكرت حبل الاستجواب الطويل ألوم نفسي على هذا النفس الأطول من كل استجواباتهم وارتباكاتهم، الذي جعلني أتحمل كائنات في القيادة الحزبية وأطراً وآليات بيروقراطية وتسلطية لا تحتمل. انتهى الاستجواب بمطالبتي بكتابة مطالعة رددت فيها على التهم الموجهة إلي من القيادة، وهي كلها تهم تكفيرية لأنها تتعلق بتمرد مزعوم على أوامر القيادة، حصل أول مرة عند خروجي من صيدا في أول أيام الاجتياح من غير إذن وهي تهمة باطلة،لأنني خرجت بقرار من علي العبد أبلغني إياه مرافقه حسن اسماعيل، وخرجنا معاً في موكب واحد عبر الشوف وعاليه وصولاً إلى شتورا ثم إلى بعلبك؛ ثم تكرر ثانية عند خروجي من صيدا إلى بيروت بعد قرار القوات اللبنانية باغتيالي، وهي باطلة أيضاً لأنني خرجت بقرار من القيادة التي عملت على تكليفي ممثلاً لها في دول عدم الانحياز؛ وثالثة عند سفري إلى فرنسا من دون إذن القيادة، وهي باطلة لأنني سافرت بعد موافقة الياس عطالله الرجل القوي في الحزب في حينه؛ ورابعة حين عودتي متأخراً شهرين إلى بيروت من فرنسا، وهي باطلة لأنها تهمة بالتأخر فحسب هذه المرة؛ وخامسة عند مغادرتي بيروت إلى صيدا بدون قرار مركزي وهي باطلة أيضاً وأيضاً لأنني فعلت ذلك بموافقة جورج بطل. كنت خلال الاستجواب الشفهي، كلما دحضت رواية وتهمة ينتظر "المحقق" أسبوعاً ليدقق مع"الراسخين" في علوم الأمن" في صحة أقوالي"، ثم يعود إلي بالتهمة التالية، وهكذا دام التحقيق شهراً ونصف الشهر، في كل اسبوع جلسة. تذكرت حكاية الذئب والحمل.
لم أذكر أسم"المحقق" حتى الآن احتراماً لقامته الثقافية والأدبية. حين تردت حالة الحزب وانقلبت المقاييس والمعايير وغلبت على الفكر الأوهام، أوكلت المهام السياسية لمسؤولي الفصائل العسكرية بعد تنحية القيادات السابقة عن مهماتها. صار "التحقيق" من مهمات كريم مروة، أحد أعضاء القيادة التاريخية. بعد مرور سنوات على التحقيق منحني الرفيق كريم شرف تقديمه وتكريمه بمناسبة إحدى إصداراته. قلت في كلمتي إنه خلال أربعين سنة من عمله في المكتب السياسي لم يصدر كريم مروة سوى كتابين، لكنه خلال عقدين من تقاعده التنظيمي الطوعي أصدر عشرين كتاباً. حسناً فعلوا حين فتحوا له طريق التقاعد، مثلما صنعوا جميلاً معي من غير أن يقصدوا حين اتخذوا ذاك القرار الهمايوني ومن حسن حظي أن اختيارهم وقع عليه هو بالذات كمحقق.
فصل من سيرة ذاتية