إذا كنت صعيدياً فلتعتز بذلك ...

حمدى عبد العزيز
2021 / 2 / 23

وبغض النظر عن كون عائلتي لأبي وأجداده كانوا (صعايده) من مركز طهطا بسوهاج (بلد رفاعة رافع الطهطاوي جد كل أفندية مصر ومثقفيها) ، أو (طحطا) كما كان أبي يسميها وكما ظللت أنا انطقها كذلك لأساتذتي في المدرسة كلما سألوني سؤال القاهريين الخالد (أنتو منين أصلاً ) ..
أبي ولد وعاش حتي شبابه هناك قبل أن ينتقل من (طحطا) في صحبة جدي وأعمامي بحثاً عن موضع أوسع للرزق وجني أثمان الشقي والعرق علي نحو أكثر إثماراً من الصعيد الضيق المهمش اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً آنذاك ..
وبغض النظر عن أن هذا يشكل مصدر اعتزاز وجداني دافئ بالنسبة لي أنا الذي لم أولد في الصعيد .. إلا أنني كنت أرصد من خلال أقارب والدي ومعارفه و"بلدياته" الذين وفدوا علي القاهرة والإسكندرية يبنون عمائرها وبيوتها ، ويعملون في مصانعها ويؤسسون أحياء كاملة في القاهرة والجيزة والإسكندرية مثلما أسس أجدادهم الذين حفروا قناة السويس مدن السويس والإسماعيلية وبورسعيد مع الشراقوة والبحراوية والبدو وغيرهم من المصريين الذين لم يكونوا لايملكون إلا الشقا والعرق والسواعد والأكف المخشنة من القبض طوال اليوم علي أعواد الفوس والمعاول والكواريك ، بوجوههم السمراء التي لاتغيب عنها لفحات شموس الأيام المضنية ..
كنت دائماً علي قناعة أن هؤلاء هم الذين يبنون العمائر والمدن ثم يسكنون علي هوامشها ، ويعمل أولادهم كحراس (بوابين) لمداخلها ليأتي بكوات المدن الذين امتلكوا عمائرها بأموال لم تنتجها حبة عرق واحده ، ليسكنوا في افخم شققها ليطلقون النكات الساخرة علي هؤلاء الناس الذين عاشوا حياتهم في كفاح وشرف يبنون ثم يبنون ليسكن ويحوذ الأملاك هؤلاء الصنف من الناس الذين لايجدون تسلية إلا عبر إلقاء النكات عليهم .
، لتصبح تلك السخرية والتصوير الكاريكاتوري لأهل الصعيد منتجاً رائجاً في السينما والدراما وبرامج الفكاهة ..
الجميع يتسابق ليضع تلك البضاعة في خدمة أبناء البكوات والأفنديات الذين رأوا في ارتدائهم للقميص والبنطال تميزاً نوعياً عن باقي البشر ، ومصدر إحساس بسمو العنصر والجاه ..
وفي شبابي عندما صادفت إحدي قصص الكاتب الرائع يحيي الطاهر عبدالله (الذي ربما لو امتد به العمر لقلب عالم السرد الأدبي المصري رأساً علي عقب) والتي وردت ضمن قصص مجموعتة البديعة (حكايات للأمير حتي ينام) بعنوان (الرجل الذي هده التعب فنام تحت سقف الجامع) وفيها يتحدث عن هؤلاء (الجدعان) الذين يبنون العمائر ويكتفون بالرغيف وفحل البصل كغذاء وينامون في تحت جدران البناءات والجوامع .. احسست وقتها بمدي عمق كلماته ومدي دقة تعبيرها عن أناس عايشتهم وعرفتهم وأكلت من عيشهم (الفايش) ، ومن تمرات نخلاتهم الذين يعدونها معياراً للملكية دوناً عن القراريط والفدادين
جهل كل هؤلاء الساخرون المستخفون الجهلاء بقيمة البشر ومن علي شاكلتهم أن أجداد هؤلاء هم الذين بنوا أقدم مجتمع حضري في العالم (حضارة البداري) ، ونسوا أن اجدادهم هم الذين بنوا الدولة المصرية وأنهم هم من صاحبوا (مينا) من الجنوب ليوحد القطرين فتظهر دولة مصر لأول مرة في التاريخ..
نسوا أن من بين أجدادهم من كان جندياً في جيش أحمس ذلك الجيش الذي انقذ الدولة المصرية من الزوال نهائياً بعد الوقوع في قبضة الهكسوس ..
باختصار
هؤلاء الذين ظلوا مصدر السخرية والنكات المسلية (العنصرية الطابع) من الكثرين من بكوات وبهوات وبعض من أفنديات المدن عبر عقود ممتدة من الزمان عن عنجهية طبقية أحياناً أو عن استخفاف وجهل في أحيان أخري ، ناسين أو متناسين أن هؤلاء وأبنائهم وأحفادهم هم أعظم بنائي مصر ، وأنهم بالإضافة لأبناء الفلاحين المصريين هم أصحاب الفضل الأول في وجود الدولة المصرية وبقائها علي قيد الحياة ..