دلالات التضامن العمالي والشعبي مع شغيلة التعاقد المفروض، وما العمل لكي لا يتبدد؟

بشرى لگفول
2021 / 2 / 23

تدفقت مئات الصور على صفحات التواصل الاجتماعي، في حملة تضامنية شملت مواطنين- ات من مختلف الانتماءات المهنية والنقابية والجمعوية والسياسية، مع نضالات شغيلة التعاقد المفروض. حملة أبرزت إمكانات الاستعداد النضالي الكامنة في صفوف كادحي وكادحات البلد، والنزوع إلى التضامن والنضال الوحدوي الذي يكبحه القمع.
سفهت حملة التضامن هذه، كل قصف الدولة الإعلامي الذي أراد تدويخ الكادحين- ات وتحميل إضرابات شغيلة التعليم مسؤولية “هدر الزمن المدرسي”. وفي نفس الوقت أبانت الحملة حدود الانطباعات السريعة وغير الصحيحة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، من قبيل لا جدوى من انتظار تضامن من الشعب، وأن الواجب هو “تحصين الذات والتعويل عليها لحسم الملف”.

ما الذي يفسر نجاح هذه الحملة؟
يأتي في مقدمة العواملِ صمودُ نضالات شغيلة التعاقد المفروض في إطار تنسيقيتها الوطنية. ثلاث سنوات من الكفاح ضد مخطط يدمر الشغل القار وينحط بشروط التعليم إلى الحضيض. لكن إحساس الأسر بأن مستقبل فلذات أكبادها يضيع مع تدبير تقشفي للموسم الدراسي بدعوى حالة الطوارئ الصحية، يفسر أيضا حجم حملة التضامن.
تعمدت الدولة تقسيم التلاميذ إلى أفواج (التعليم بالتناوب) وفرض ساعات تدريس إضافية بالمنزل تتحمل الأسر أعباءها، إضافة إلى نفقات إضافية لتوفير دعم دراسي مؤدى عنها. وتدعي الوزارة نجاح هذه الآليات، وتسعى لترسيمها بشكل دائم. ما دفع الأسر لتحويل استيائها إلى نوع من التضامن مع شغيلة التعاقد المفروض، ليس فقط لإسقاط التعاقد، ولكن لإسقاط نمط من التعليم ينتقل من المدرسة الجماهيرية العمومية ونسبية المجانية، إلى نمط تتنصل منه الدولة إلى أقصى حد وتحميل الشعب كلفته.
الغضب الشعبي الكامن وهو يلاحظ سخاءَ الدولة حين يتعلق الأمر بمصالح أرباب العمل (مخطط الإقلاع الاقتصادي: 120 مليار سنتيم)، وتقشفها الشديد في ما يخص مصالح وحقوق الكادحين- ات، وَجَدَ قناة التضامن مع “فئة” تؤكد أنها تناضل ليس فقط من أجل إسقاط مخطط التعاقد، ولكن دفاعا عن مصلحة التلميذ- ة والمدرسة العمومية وضد خوصصتها. هذا ما يفسر بشكل عام زخم حملة التضامن المنطلقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي يجب حفزها وتطويرها لكي تنتقل من تضامن عالم افتراضي إلى نضالي فعلي ميداني ضد كل أوجه الحرمان الاجتماعي والعسف البوليسي.

“الشعب يريد”: فلنعطِ للشعار مضمونه الوحدوي
توازى مع حملة التضامن، شعارٌ مضمونه “الشعب يريد إسقاط التعاقد”. شعار سيُفهَم منه أننا نريد التحاق الشعب فقط لتحقيق المطلب الخاص بنا، بدل جعله نقطة ارتكاز لتضامن متبادل ونضال مشترك بين كل فئات الشعب، وإطلاق معركة أكبر من أجل المطالب العمالية والشعبية، فهذا هو وحده ما سيجبر الدولة على تقديم تنازلات، كما جرى سنة 2011.
إن المناخ المحلي، وحتى الإقليمي باستحضار استئناف التظاهرات بالجزائر وما اضطرت الدولة لتقديمه من تنازلات هناك (وأهمها إطلاق سراح المعتقلين- ات)، يتيح انطلاقَ نضالٍ شعبي عارم، تمثل إضرابات شغيلة البريد واحتجاجات الفنيدق وصمود تنسيقيتنا أبرز بشائره.
في مناخ النضال العام والعارم لسنة 2011، جرى رفع شعار “الشعب يريد إسقاط الاستبداد والفساد”، ولتفادي ذلك اضطرت الدولة للاستجابة للمطالب الجزئية: رفع أجور الوظيفة العمومية والقطاع الخاص، ضخ ملايير الدراهم في صندوق المقاصة، تشغيل آلاف من حملة الشهادات العليا العاطلة، تسوية أوضاع شغيلة المقاولة من باطن (الفوسفاط)… إلخ.
إذا كان القَدَرُ بذاته يستجيب حين يريد الشعب الحياة، فإن دورنا هو أن نكون رافدا من النهر العمالي والشعبي العظيم الذي يسعى إلى كنس الاستبداد والقضاء على كل أشكال الاستغلال والاضطهاد، بدل التركيز على ما يمكن أن تتنازل عنه الدولة حاليا وتسترده مستقبلا، تماما كما فعلت مع تنازلات 2011. وسيتبدد رصيد حملة التضامن هذه إن لم نُحسن تحويلها إلى ميزان قوى فعلي مائل لصالح الشعب الكادح.

لا يكون الطريق صحيحا إلا عند الوصول

علينا دائما تفادي بناء تكتيكات النضال بناءً على انطباعات لحظية. انتشرت تدوينات عديدة مضمونها: “التضامن الشعبي دليل على أننا في الطريق الصحيح، وأن الإدماج قريب”.
إن ما أبانت عنه حملة التضامن الشعبية، هو أمر مبدئي واستعداد كامن، لم يتحول بعد إلى قوة فعلية في الميدان. لذلك فإن اعتبار ذلك نقطة استناد للانطلاق في معركة اللاعودة أو تصعيد مفتوح، سيدمر ذلك الاستعداد الكامن بدل أن يطوره.
علينا أن ننطلق من الاستعداد الشعبي ونطوره، وليس أن نسبقه ونفرض عليه وتيرتنا. تضامن الشعب نابع من حرصه على مستقبل أبنائه وبناته. وهذا التضامن ليس جديدا، ففي عز الإضراب المديد مارس وأبريل 2019، كان هذا النوع من التضامن قائما، وكانت صفحات الفايسبوك تعج بتدوينات التضامن ومقالات لخبراء وأكاديميين يؤكدون أن التعاقد إلى زوال. ولكن في اللحظة الحرجة، لم يتحول هذا التضامن المبدئي إلى فعل نضالي قائم، اضطرت التنسيقية إلى التراجع، بمبرر “مصلحة التلميذ، وإبداء حسن النية”، بعد وساطات من جمعيات آباء وأمهات التلاميذ وإطارات أخرى.
تظل مهمتنا الجوهرية قائمة على الصمود بأشكال نضال كفاحية (إضرابات جزئية وغير طويلة الأمد، احتجاجات ميدانية)، ولكن مع تكثيف التواصل مع الجماهير العمالية والشعبية، ليس فقط ببسط مخاطر التعاقد ولكن أيضا بتناول أوضاع هذه الجماهير والتشهير ضد كل ما يلحقها من اضطهاد واستنكار كل أشكال القمع التي تنالها من دولة الاستبداد.
فليس صائبا أن نطلب من الشعب أن يتضامن معنا ويستنكر أوجه القمع التي تسلطها الدولة علينا، في حين لا نقوم نحن بالمثل. لذلك علينا أن نُعِدَّ العدة لنضال تلتقي فيه كل حركات النضال وأوسع جماهير الشغيلة والكادحين- ات. ولا يعدم الواقع العديد من المطالب الموحَّدة والموحِّدة.

من أجل توحيد نضال كل ضحايا التشغيل بموجب عقود

يتعدى النضال ضد مخطط التشغيل بالعقدة الأساتذة- ات المفروض عليهم- هن التعاقد، ليشمل فئات أخرى داخل نفس القطاع فُرض عليها بدورها التعاقد (عمال الحراسة والنظافة والإطعام المدرسي، مدرسي- ات التربية غير النظامية، والفوج الجديد المتدرب من هيئة الإدارة التربوية والدعم التربوي وملحقي الاقتصاد…)، وباقي قطاعات الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية وشبه العمومية (الصحة، البريد، الجماعات العمومية، وضحايا المناولة من باطن وشركات الوساطة في الفوسفاط والطرق السيارة والمطارات… إلخ).
كما أن سرطان العمل بالعقدة أسبق في القطاع الخاص، حيث دمر علاقات الشغل القارة ومنح أربابَ العمل إمكانية التخلص السريع من العمال- ات (عقود عمل محدد المدة، المقاولة من باطن).
إن توحيد كل ضحايا التشغيل بموجب عقود، في كل القطاعات، سيتيح بناء ميزان قوى عمالي، هو وحده القادر على إسقاط مثل مخطط التعاقد، وليس نقابة بعينها أو تنسيقية بذاتها مهما انبهرنا بأعداد من تمثلهم.

معركة عمالية وشعبية من أجل خدمات عمومية مجانية وجيدة
أصبح الدفاع عن عمومية وجودة ومجانية الخدمات العمومية (الصحة والتعليم) مطلبا آنيا، بحكم ما آلت إليه أوضاعها في ظل تدبير تقشفي بمبرر الجائحة والطوارئ الصحية.
تأكدت الأسر بحكم التجربة، وليس فقط بالندوات والمناشير، من مآل ما تًعدِّه الدولة من هجمات، وتلحظ بالعين المجردة مستوى تعليم أبنائها وبناتها يهوي، وحجم الخراب الذي أصاب الصحة العمومية. وفي نفس الوقت قلصت الأزمة الاقتصادية التي فجرتها الجائحة إمكانات الأسر المادية التي كانت توجهها إلى خدمات عمومية جرى تسليعها.
الفرصة مواتية جدا لإطلاق نضال عمالي وشعبي من أجل مطلب “خدمات عمومية مجانية وجيدة” بدءً برفع معتبر للميزانية المخصصة لها وتلبية مطالب أجرائها وخصوصا منع كل أوجه التشغيل الهش. وستكون كُلفة تفويت هذه الفرصة غالية، إذ لا يقدم التاريخ نفس الفرصة مرتين، ولا تأتي أخرى إلا بعد فوات دهر من الوقت وبكلفة أعلى.
لنجعل من إنزال يومي العطلة المقبلة (نهاية شهر مارس) بالرباط محطة شعبية وعمالية، ندعو لها جميع المتضررين من تدمير الخدمات العمومية وتفكيك علاقات الشغل القارة وكل المستائين- ات من تحميل كلفة أزمة كوفيد- ات للكادحين- ات.
لنكن مبادرين- ات، ما دام الشعب قد أبان إمكانه النضالي الكامن، ولنؤسس لجانا محلية للتعبئة من أجل ألا تكون محطة الرباط إنزالا خاصا بالتنسيقية، بل إنزالا عماليا وشعبيا من أجل مطالب تخص الجميع.
لنتصل بكل من يعلن انتسابه لمصالح الشغيلة والشعب الكادح من فروع نقابية وجمعيات حقوقية وإطارات ضحايا البطالة وأحزاب سياسية. لنجعل من الوقت المتبقي شهر تعبئة استثنائية، لا تركز فقط على محنة شغيلة التعاقد المفروض، بل على محن الشعب كله… لنكن تلك الشمعة التي تنير طريق النضال والتحرر من الاستبداد والاستغلال.
مناضلة في “التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين المفروض عليهم التعاقد”.