ذكرى الوحدة المصرية- السورية وسؤال الخطاب القومي في مواجهة التحديات الصهيوأميركية الرجعية

عليان عليان
2021 / 2 / 22

تحيي جماهير أمتنا العربية ، الذكرى أل (63) الستين لقيام الجمهورية العربية المتحدة بين القطرين المصري والسوري ، في وقت تعيش أمتنا ظروفاً قاسية ، وهي أحوج ما تكون فيه للوحدة وللخطاب الوحدوي ، بعد أن تعمقت التبعية والتجزئة، وبعد أن بدأت العواصف والأنواء والحصارات الظالمة، تعصف بهذا القطر أو ذاك، بعد احتواء القوى الإمبريالية الانتفاضات الشعبية التي عمت الدول العربية منذ عام 2011 ، خاصةً تونس ومصر وغيرهما ، عبر أداة الإسلام السياسي الإخواني .
ما أحوجنا لثقافة الوحدة في ضوء التآمر الامبريالي الرجعي على سوريا " قلب العروبة النابض" وعلى حلف المقاومة والممانعة ، بغية إخراج سوريا من دائرة الصراع مع العدو الصهيوني ، مثلما تم إخراج مصر من دائرة الصراع بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد من قبل نظام الردة الساداتي ، ما أحوجنا لثقافة الوحدة بعد أن وضعت قضية فلسطين على مذبح التصفية عبر المشاريع الامبريالية ابتداءً من أوسلو 1993 وصولاً لصفقة القرن 2020 وما بعدها.
ما أحوجنا للوحدة العربية وثقافتها ، بعد أن جاهرت محميات وكيانات خليجية ريعية وظيفية وغيرها بالتطبيع، والتحالف مع الكيان الصهيوني من موقع الدونية والتبعية ، في مواجهة محور المقاومة وإيران ، معلنة في السياق العملي تخليها بل تآمرها على القضية الفلسطينية رغم تشدقها الكاذب بمبادرة السلام العربية سيئة الذكر.

قراءة بأثر رجعي لتجربة الوحدة

في رحاب ذلك اليوم الخالد ،الثاني والعشرين من فبراير(شباط) 1958 ،تم الإعلان عن قيام الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال عبد الناصر، فيما تم منح الرئيس شكري القوتلي وسام المواطن الأول في الجمهورية العربية المتحدة ، وفي الذاكرة عندما زحفت الملايين من جماهير سورية العروبة ونصف مليون مواطن لبناني إلى دمشق ، ليكحلوا أعينهم بلقاء جمال عبد الناصر وللاستماع لخطابه التاريخي..

في ذلك اليوم تحققت أول وحدة عربية في التاريخ المعاصر، وظهرت للوجود الجمهورية العربية المتحدة، وبظهورها أصبح التناقض واضحاً وكبيراً، سواء في الإطار الخارجي في مواجهة الإمبريالية ومشاريعها وأدواتها، أو في الإطار المجتمعي الداخلي .


وكان الرئيس عبد الناصر يعتقد بأنه لا يمكن تأجيل الثورة الاجتماعية، وبذلك احتدم الصراع بين الطبقة العاملة والفلاحين من جهة، وبين البرجوازية وكبار الملاك من جهة أخرى
وكان ناصر يعلم أن المعركة مع أعداء الوحدة العربية في الداخل والخارج قد بدأت.
وقد بدأت مفاعيل الوحدة تظهر تباعاً ، فالأنظمة العربية المعارضة للمشروع النهضوي العربي بدأت في الانهيار ، فسقط الحكم الشمعوني في لبنان، وسقط نظام الحكم الملكي في بغداد، وبدا أن هناك اتجاهاً قوياً داخل الضباط العراقيين، الذين قاموا بالثورة يضغط باتجاه الالتحاق السريع بدولة الوحدة الناشئة ، والتي كان من ردود الفعل المباشرة عليها نزول القوات الأمريكية في لبنان ،والقوات البريطانية في الأردن ،بعد أن اجتاحت عمان وبيروت مظاهرات عارمة يلهبها حلم الوحدة ،الذي فجره عبد الناصر والقوى القومية في سوريا، مظاهرات يجمعها هتاف شعبي " بدنا الوحدة باكر باكر مع ها لأسمر عبد الناصر" .
لقد حققت الوحدة إنجازات كبيرة لسوريا ،عبر السير على طريق الاشتراكية، ورفض منطق الاقتصاد الحر ، وتبني سياسة التوجيه الاقتصادي، وتحرير النشاط المالي من السيطرة الأجنبية والرأسمالية ،وإنهاء احتكار القلة المالكة بقوانين الإصلاح الزراعي والعلاقات الزراعية ثم بقرارات يوليو/ تموز الاشتراكية عام 1961 ،وزيادة قدرة القطاع العام بتمليكه المصارف التي أقامتها الدولة والمصارف والشركات التي أممت وحصص الدولة في بعض الشركات ، وبإلغاء قانون العشائر، وتشجيع الجمعيات التعاونية، وبتدعيم الإنفاق على التنمية الأمر الذي ضاعف من عدد وطاقة الطبقة العاملة بشكل ملحوظ.
لقد بدل عهد الوحدة من واقع البلاد ووضعها على أبواب التحول الاشتراكي، فكان الحل الوحيد الذي بدل من طبيعة علاقات الإنتاج، التي كانت سائدة على مدى قرون ، وحققت الوحدة في زمن قصير ، أشياء وإنجازات كبيرة على صعيد المشاريع الزراعية والخدمية وفي قطاع الصناعة والتعدين والبترول والكهرباء وغيرها.

لكن هذه الوحدة لم تستمر جراء الثغرات الداخلية للتجربة ، وجراء المؤامرات الأمريكية والرجعية عليها ، فعلى الصعيد الداخلي لم يكن هنالك تنظيم شعبي موحد ، ففي حين ظل الاتحاد القومي قائما في القطر الجنوبي، لم يسمح لحزب البعث وغيره من الأحزاب القومية واليسارية بممارسة نشاطه في القطر الشمالي (سورية) ، وتم إغفال وحدة الفكر والإطار النظري للوحدة ، وكان هناك في الدولة جيشان وعملتان وميزانيتان، وبالتالي أصبحت الجمهورية العربية المتحدة، في مواجهة تحديات قوى معادية تتربص بها وموحدة في الاستراتيجية والتكتيك .
وهذه الثغرات ، سهلت مهمة القوى المتآمرة على الوحدة، فكان الانقلاب على تجربة الوحدة في 28 سبتمبر (أيلول) 1961 ، من قبل المقدم د عبد الكريم النحلاوي – مدير مكتب عبد الحكيم عامر - وبعض الضباط السوريين ،بدعم من بعض الدول الرجعية ، وبمؤازرة كبيرة من قوى الاقطاع والبرجوازية السورية ، التي تضررت من قرارات الإصلاح الزراعي ومن عمليات التأميم .


صعوبات موضوعية وذاتية

مما لا شك فيه أن الوحدة العربية حاجة موضوعية، لمواجهة كافة التحديات التي تعصف بالأمة من احتلالات لأراضيها ، ومن مؤامرات لتقسيم بلدانها في إطار المشاريع الشرق أوسطية الصهيو أميركية ، ومن مؤامرات لتصفية قضيتها المركزية ( فلسطين) ، ومن أجل وضع حد لمشاريع التخلف والتبعية والتجزئة ، ومن أجل تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية الحقيقية المستدامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية في إطار النهج الاشتراكي.
لكن إنجاز الوحدة في الأفق المنظور بات تكتنفه صعوبات عديدة أبرزها :
1-عدم وجود "إقليم قاعدة" تستند إليه الوحدة ، وكان متوقعاً أن تعوض العراق أو سورية تغييب دور مصر، إثر توقيع السادات لاتفاقيات كامب ديفيد عام 1978م ، لكن العراق ضربت وحوصرت منذ عام 1991 ، وجرى احتلالها عام 2003 ، في حين أن سورية لاتزال تتصدى منذ عشرة أعوام لأعتى مؤامرة استعمارية صهيو أميركية رجعية.
2- أن أحزاب وقوى حركة التحرر العربية ،تعاني منذ أكثر من ثلاثة عقود من أزمة مستفحلة لم تتجاوزها حتى الآن ، لعدة اعتبارات تتراوح بين طبيعة بنيتها الطبقية ، وطبيعة برامجها التي لم تستجب لمطالب شعوبها ، ناهيك أن بعض فصائل هذه الحركة باتت أقرب للنهج النيوليبرالي من قربها للسياق الأيديولوجي الاشتراكي.
3- تمكن الدول الاستعمارية الغربية من إسقاط أنظمة وطنية عبر ثورات ملونة مدفوعة الأجر (ليبيا) وعبر عدوان عسكري ( العراق ) فهذه الأنظمة رغم الملاحظات العديدة على نهجها ، إلا أنها لم تتوان عن تقديم الدعم بمختلف أشكاله لفصائل حركة التحرر العربية.
4- انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان حليفاً موثوقاً للنظم الوطنية العربية ولحركة التحرر العربية عموماً.
5- ارتهان دول وقوى عربية وطنية، في ظل العولمة للمؤسسات النيوليبرالية ( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وما تفرع عنهما من نوادي مالية) ما أثر على نهجها في التنمية ووضعها على سكة التبعية ، بعيداً عن مفردات الوحدة والتكامل الاقتصادي.
خطوات لا بد منها
الصعوبات سالفة الذكر ، يجب أن لا تثني القوى الوطنية والقومية والتقدمية العربية عن نهجها في إعادة الاعتبار للمشروع الوحدوي النهضوي العربي ، وحتى لا تظل الأمور محصورة في إطار التمني والبكاء على الماضي، وحتى لا تقع الجماهير فريسة للطروحات التيئيسية ، لا بد من التأكيد على ما يلي:
1-أن الوحدة العربية مسألة نضالية قابلة للتحقيق، في ظل التطور الاقتصادي والاجتماعي المتكافئ في البلدان العربية، التي تؤمن بالنهج الاشتراكي سبيلاً وحيداً لتحقيق العدالة الاجتماعية.
2- في ظل عدم توفر قاعدة مركزية للوحدة بعد تغييب مصر ، وبعد ما آلت إليه الأمور في العراق ، وفي ضوء المؤامرة التي لم تتوقف على سورية ، لا بد من إقامة جبهة قومية عربية نضالية تضم كل القوى القومية والتقدمية ، ببرنامج مشترك يأخذ على عاتقه تعميق الوعي بثقافة الوحدة ، ودعم المقاومة العربية في فلسطين ولبنان والعراق وغيرها، والتصدي لنهج التطبيع بمختلف الأساليب ، والتصدي لكافة مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية ، والعمل على دعم سورية بكل الوسائل لإفشال المؤامرة عليها شكل نهائي ، والعمل على خلق إقليم قاعدة قومية للنضال العربي ، يمكن الانطلاق منها لإنجاز أي شكل متقدم من أشكال الوحدة.
3- لا بد من مراعاة الظروف والمتغيرات الراهنة، أثناء معالجة موضوع الوحدة، فالخطاب الوحدوي الراهن يختلف بالضرورة عن خطاب الخمسينات والستينات ، الذي كان يستند إلى نظام إقليمي عربي توأمه الفكري الإيمان بالوحدة العربية، وتوأمه السياسي مواجهة الاستعمار وسياسة الأحلاف، وتوأمه الاجتماعي التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية، وتوأمه الطبقي الفئات الكادحة والمسحوقة من الجماهير العربية ... وتوأمه الثوري تحرير فلسطين من القبضة الصهيونية.
أما الخطاب الراهن ، فلا يستند إلى مقوم جغرافي سياسي يمكن الاستناد إليه ، ولا إلى أدوات إعلامية قومية مركزية قوية تعبئ به ، ناهيك أن العولمة في العقود الماضية ، لم تفعل فعلها التدميري على النحو الذي تقوم به في هذه المرحلة، ما يتطلب اشتقاق آليات تنظيمية وتعبوية قومية ، وتجديد الخطاب السياسي الوحدوي القومي، والاستفادة من تقنيات العولمة وليس من جوهرها الاقتصادي السياسي .
4-لا بد من اجراء مراجعة نظرية ونقدية لتجربة الوحدة وثغراتها وأخطائها، من قبل القوى القومية واليسارية العربية ، ولا بد لهذه القوى ان تجري هي الاخرى مراجعة نقدية جريئة لتجربتها ، و لمواقفها من قضية الوحدة وغيرها من القضايا ، من اجل خلق الاساس النظري المتماسك لأي عمل وحدوي او جبهوي قومي، وتجاوز الثغرات السابقة، من اجل مواجهة التحديات الامبريالية والصهيونية والرجعية ،التي تعمل على تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ عبر مشروع الشرق الاوسط الجديد او الكبير .
ويجب أن لا تنطل على الأمة وطلائعها القومية ، مقولة أن الوحدة لا تتم في ظل العولمة التي تعمل على إضعاف دور الدول في العالم الثالث، فدور الدولة في دول المركز الامبريالي لم ينته كما يروج البعض ، كما أن الوحدة في دول ذلك المركز تتعزز في ظل العولمة، فالاتحاد الأوروبي جرى تعزيزه في ظل العولمة، وألمانيا توحدت في ظل العولمة.
فالوحدة أولاً وأخيراً هي قضية نضالية ، رغم كل المتغيرات ، ولعل درس أمريكا اللاتينية التي قطعت شوطاً طويلاً على طريق الوحدة - رغم بعض الانتكاسات الظرفية - يمكن الاستفادة منه، بعد أن شكلت فنزويلا بقيادة تشافيز اقليم قاعدة لحركة النهوض الوحدوي التقدمي في القارة اللاتيتية، متحدية أتباع وأدوات النهج النيولبيرالي المعولم من القوى الطبقية التابعة، التي سهلت مهمة الادارة الأمريكية في جعل دول القارة حديقة خلفية للولايات المتحدة الأمريكية .
انتهى