الوضعية المنطقية ([1])

غازي الصوراني
2021 / 2 / 21


نشأت في العشرينات من القرن العشرين من خلال "جماعة فينا" -الفلسفية- التي كان أبرز مفكريها "رودولف كارنابس" وفي أوائل الثلاثينات، انتشرت الفلسفة "الوضعية المنطقية" كأساس أيديولوجي "للفلسفة العلمية" للوضعية الجديدة، وكانت الولايات المتحدة معقلها الرئيسي في أواخر الثلاثينات.
تتخذ "الوضعية المنطقية" تراثها من فلسفة "ارنست ماخ" ومن التراث المثالي الذاتي بوجه عام، لدى "بيركلي" و "هيوم".
تقول "الوضعية المنطقة" أنه لا يمكن قيام فلسفة علمية إلا بواسطة التحليل المنطقي للعلم، ووظيفة هذا التحليل هي: التخلص من "الميتافيزيقا" ومن الفلسفة بمعناها التقليدي، لكن الجوهر المثالي الذاتي للوضعية المنطقية يلغي زعمها بانها "فلسفة العلم"، ومع ذلك فإن بعض ممثلي هذه الفلسفة (كونت وسبنسر وغيرهما) قد حققوا نتائج قيمة في مجال البحث المنطقي.
يمكن النظر إلى الوضعية المنطقية أو التجريبية – الحسية المنقطية، كما تدعي أحياناً، على أنها متحدرة من التجريبية – الحسية البريطانية (لوك وبيركلي وهيوم) وفلسفة عصر التنوير، كما يمكن النظر إليها في الوقت ذاته على أنها استجابة للإنجازات الجديدة التي حققها علم الفيزياء الحديث (إينشتاين) والمنطق الجديد، وأخيراً يمكن النظر إليها على أنها رد فعل على صعود الأيديولوجيات الكلية واللاعقلية في العشرينيات (1920) والثلاثينيات (1930) من القرن العشرين، وبخاصة النازية في ألمانيا.
واليوم، لا يوجد سوى نفر قليل يمكن أن يعتنق الوضعية المنطقية كموقف، وبشكلها الأرثوذوكسي، غير أن هذه المدرسة أدت دوراً مهماً عن طريق تأكيدها الأهمية الأساسية للإجراءات المتزنة والحجاجية في الفلسفة، وفي العمل الفكري عموماً، ونقدها للإبهام الفكري والبلاغة المضللة، وبهذه الطريقة كان للوضعية المنطقية تأثير تثقيفي مهم، على الرغم من النقد الذي راح يوجه تدريجياً ضد بعض من مزاعمها الفلسفية الأساسية – وهو النقد الذي صيغ حتى من مناصريها أنفسهم.
لقد تطورت الوضعية المنطقية بعد الحرب العالمية الثانية، لتتخذ شكلين من أشكال فلسفة العلم بتأكيد إما المنطق واللغة الصورية، أو تحليل التصورات (كما هو الحال عند "فتغنشتاين" والفلسفة التحليلية).
"انطلقت التجريبية – الحسية الكلاسيكية البريطانية، منذ لوك إلى هيوم، من الحواس، لذا، فإن تلك التجريبية – الحسية قامت على البسيكولوجيا، وبخلاف التجريبية – الحسية البريطانية، أُشيدت الوضعية المنطقية على علوم اللغة. وكانت معنية بالدرجة الأولى بالمسائل المنهجية، المتعلقة بكيفية إثبات المعرفة، وكيفية صياغة أقوالنا عن الواقع، وكيف تُعَزَّز الآراء أو تَضْعُفْ عند حَكِّها بالتجربة، وبهذا المعنى، يمكننا أن نتكلم على مُرَكَّبْ مؤلف من التجريبية – الحسية الكلاسيكية، والمنهجية الحديثة والمنطق، وتكون النتيجة تجريبية – حسية منطقية، لذا، فإن هذه الفلسفة، تلجأ إلى البنية المنطقية للغة (تركيب الكلمات في جمل)، وإلى التحقق المنهجي، فَيَدُلَّ اسمها "التجريبية الحسية المنطقية" على ذلك التحول من البسيكولوجيا إلى اللغة والمنهجية"([2]).
يوظف التجريبيون العقل– كما تقول أماني أبو رحمة- "بصورة آلاتية ذرائعية، في حين أنه بالنسبة للعقلانيين هو مصدر المعرفة، ومع ذلك، فإن ما لدينا هنا هو الفجوة بين الأُسسية العقلانية (ديكارت، سبينوزا، ليبنتز)، والأُسسية التجريبية (لوك، هيوم، بيركلي)، الأمر الذي أدى إلى مناقشات حادة بلغت ذروتها في فلسفة عمانوئيل كانط، حيث  تتضح مساهمته الأساسية في دمج الأُسسية العقلانية والتجريبية، وقد مَثَّلَ فكر كانط في الابستومولوجيا لحظة ثورية في تاريخ الفكر الغربي، فقد أعلى كانط حالة الشخص المفكر من خلال إظهار دوره الفاعل في تكوين المعنى، فالحدس والإدراك الحسي يعملان معا في تكوين المعنى، وتبعا لذلك فانه يمكن القول أن نظرية كانط في الإدراك المعرفي كانت لإظهار أن المعرفة هي نتاج عمليات موحدة من الملكات والبديهيات (الكائنات المدركة) والمفاهيم (ابتكارات العملية العقلية)، بهذه الطريقة، تَمَكَّن كانط من أن يُظْهِر أوجه التكامل بين الرؤى التجريبية والعقلانية"([3]).
في الوضعية المنطقية لابد من تحقق شرطين قبل أن يمكن لجملة، التعبير عن معرفة، وهما:
1. يجب أن تكون الجُملة ذات صياغة جيدة، أي يجب أن تكون صحيحة من ناحية قواعد اللغة (منطقياً). 2. يجب أن تكون الجملة قابلة للاختبار التجريبي، أي للتحقق.
والجُمَلْ التي لا يتوفر فيها هذان الشرطان، لا تعبر عن معرفة، فهي جُمَلْ عديمة المعنى معرفياً (إبستيمولوجياً). أما الجُمَلْ الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية، مثل: "لا تقتل" "والله محبة" و"الجوهر واحد" – فهي جُمَلْ لا معنى لها من الوجهة المعرفية طبقاً لتلك المعايير الوضعية للمعنى المعرفي، وهي جُمَلْ لا تعبر عن معرفة. أما إمكانية أن يكون لمثل تلك الجُمَل معنى عاطفي فمسألة لا ينكرها أتباع ذلك المذهب، فغالباً ما يكون للجُمَلْ التي تعبر عن قِيَم، مثلاً، معنى كبير عند الفرد كما عند المجتمع، والنقطة الرئيسية، بحسب تلك الأطروحة، هي أن تلك الجُمَل لا تمثل معرفة.
باختصار، يمكننا أن نُجْمِل الوضعية المنطقية بما يلي: لا يوجد سوى نوعين من الجُمَل ذات المعنى المعرفي، وهي الجُمَل التحليلية، والجُمَل التركيبية، التي تكون مصاغة بشكل جيد بعد التجربة، وبكلام آخر نقول، إن الجُمَل ذات المعنى الإبستيمولوجي، هي جمل العلوم الصورية (المنطق والرياضيات)، والجُمَل القابلة للتحقيق التجريبي. وببساطة نقول إن ذلك كان جوهر الوضعية المنطقية في فترة ما بين الحربين العالميتين في أوساط حلقة فيينا، حيث كان التمييز هنا بين الجُمَل ذات المعنى المعرفي، والجُمَل عديمة المعنى المعرفي، بين المعرفة الحقيقية والمعرفة الزائفة، مُعَرَّفاً بالتمييز بين الجُمَل التي يمكن التحقق منها والجُمَل التي لا يمكن التحقق منها، وهذا التمييز يطابق التمييز بين العلم والعلم الزائف. ومثلها مثل أشكال التجريبية – الحسية الأخرى، كانت الوضعية المنطقية رد فعل ضد المذهب العقلي، نعني ضد الجُمَل التي تَدَّعي أنها تقدم رؤية صادقة لكنها لا تفي بمتطلبات الاختبار الشاملة: الملاحظة والبحث القائم على منهج الفرضية والاستنباط، لذلك فإن اللاهوت والميتافيزيقا الكلاسيكية (مثل الأنطولوجيا([4])) مرفوضان بداعي أنهما عديما المعنى معرفياً" ([5]).
الوضعية الجديدة:
منذ بداية ظهورها جاءت الوضعية الجديدة ("الذرية المنطقية"، "الوضعية المنطقية"، "التجريبية المنطقية"، "التحليل المنطقي"، وغيرها) تياراً فلسفياً عالمياً، يتقاطع مع "المثالية الذاتية"، وقد لعبت مؤلفات عالم المنطق والرياضيات، الفيلسوف الانكليزي برتراند راسل، والعالم والفيلسوف النمساوي فيتجنشتين، لعبت دوراً كبيراً في ظهور هذه الفلسفة([6]).
كان وضعيو الجيل الأول (كونت، سبنسر) يرون أن المسألة الأساسية في الفلسفة، كغيرها من المشكلات الجذرية، ستبقى، إلى الأبد، دونما حل، وذلك لضعف العقل البشري وقصوره ومحدوديته.
وجاء الوضعيون الجدد ليتخذوا موقفاً أكثر جذرية من أسلافهم؛ فالمسألة الأساسية في الفلسفة، وجميع المشكلات العامة، التي كانت تعتبر سابقاً قضايا فلسفية، ليست، في نظرهم، إلا مسائل وهمية، كاذبة، مزيفة، ينبغي عدم إضاعة الوقت في التفتيش عن حل لها، وطرحها جانبا باعتبارها عقيمة علمياً.
يزعم الوضعيون الجدد أن معرفتنا عن العالم تأتي عن طريق العلوم التجريبية وحدها، فليس بامكان الفلسفة أن تزيد شيئاً عما تقوله العلوم الخاصة، كما أنها عاجزة عن تقديم تصور شامل عن الكون.
إن مهمة الفلسفة عندهم، تنحصر في التحليل المنطقي لمبادئ وأحكام العلم والحس السليم، التي من خلالها نصوغ معرفتنا عن العالم، حيث اقتصرت مهمة الفلسفة على التحليل المنطقي، معتمدين في ذلك على منجزات علم المنطق الرياضي المعاصر، وكان "برتراند راسل" من رواد هذه الفلسفة القائمة على تحليل الأسس المنطقية للرياضيات، ومن ثم ظهور علم "المنطق الرياضي" الذي أسسه "راسل" في اطار منهج التحليل المنطقي الذي يساعد على حل المسائل الفلسفيه، وبالتالي اعتبار المنطق هو لب الفلسفة" ([7]).
ثم قام فيتجنشتين، تلميذ راسل، بإعطاء معنى أدق لهذه العبارة حيث يؤكد، في "رسالة منطقية – فلسفية" (1921)، "أن الفلسفة ليست نظرية Theory، وإنما هي فعالية"، وهذه الفعالية تكمن في "نقد اللغة"، أي في التحليل المنطقي لها، إذ إن المسائل الفلسفية التقليدية تعود، في نظر فيتجنشتين، إلى الاستعمال غير الصحيح للغة، واقتفى فيتجنشتين أثر استاذه في القول بامكانية وضع لغة كاملة، تنص عباراتها إما على أحكام بخصوص الوقائع (العلوم التجريبية)، أو على تحصيل حاصل، كما في المنطق والرياضيات"([8]).
"بانتقال الوضعيين الجدد لتحليل معاني الكلمات والرموز، أَدخلوا في دائرة اهتمامهم عدداً من المسائل اللغوية والنفسية، كانت لها أهمية علمية وتطبيقية كبيرة (في صناعة الآلات الحاسية، مثلا).
واتخذت أعمالهم، احياناً، طابع الدراسة المتخصصة في مجالات اللغة والمنطق، وما إليها .. وعلى تربة القضايا السيمانتية برزت اتجاهات ومدارس، تنظر من مواقع مختلفة إلى مسألة تحليل اللغة كحامل للمعنى، وكوسيلة للاتصال بالآخرين، وقد أصر ممثلو هذه التيارات كلها على أن أعمالهم لا تمت بصلة إلى الفلسفة، وأنها بعيدة جداً عن صراع الاتجاهات الفلسفية، لكن هذه الآراء جميعاً، لم تخرج، في الواقع، عن اطار الفهم المثالي – الذاتي للقضايا الفلسفية الاساسية"([9]).
إن أحداً لاينكر أهمية التحليل المنطقي للغة، ولا سيما لغة العلم، لكن هذه المهمة هي واحدة من مهام الفلسفة، بين مهام أكثر شمولية وأهمية، فالفلسفة ماكانت، ولن تكون، منطق العلم، بقدر ما هي رؤية للعالم، مبنية على فهم معين للعلاقة المتبادلة بني المادة والوعي"([10]).
إن الوضعيين الجدد، "ينادون بطرد "الميتافيزيقا" قاصدين من وراء ذلك، وقبل كل شيء، رفض إقرار الفلاسفة الماديين بالوجود الموضوعي للعالم المادي، وانعكاسه في وعي الانسان، وهم يعلنون أن فلسفتهم ليست بالمادية، ولا بالمثالية، وإنما هي "اتجاه ثالث" في الفلسفة، لكن فلسفتهم معادية في جوهرها، للنزعة المادية، فهي لا تُصَرِّح علناً بنفي الوجود الموضوعي للعالم الخارجي، لكنها تَعْتَبِر أن أي سؤال "ميتافيزيقي" عن وجود هذا العالم، عن الطابع الموضوعي للظواهر التجريبية، هو مسألة مزيفة"([11]).
 


([1]) الوضعية المنطقية :اسم أطلقه بلومبرجوفايجل عام 1931م على الأفكار الفلسفية الصادرة عن الجماعة التي أطلقت على نفسها (جماعة فينا) (تيارات فلسفية معاصرة  .. أهم التيارات الفلسفية المعاصرة – الفيس بوك)
([2]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 874-875
([3]) أماني أبو رحمة – التحولات الفلسفية نحو بعد ما بعد الحداثة – موقع: لغو – الانترنت- بدون تاريخ.
([4]) أنطولوجيا (علم الوجود): يعود استعمال هذا اللفظ في الفلسفة إلى القرن السابع عشر. وكان قد أصبح من الألفاظ الفلسفية المتداولة عندما كرسه كريستيان وولف 1679-1754 م للدلالة على القسم الأول العام من الميتافيزياء أو على ما سماه أرسطو "الفلسفة الأولى". إذن فلفظة "أنطولوجيا، وهي يونانية الأصل، نشأت في الفلسفة المدرسية الألمانية التي تأسست على تعاليم لايبنتز1646-1716م. وتعني هذه اللفظة علم الكينونة أو العلم الذي يعنى بمبادئ الكائن من حيث هو كائن. أي أنه لا يعنى بالكائنات من حيث هذه الكائنات أو تلك، بل بوصفها مجردة من كل التعينات المقومة للفروقات بينها. بذلك يتضح لنا أيضاً أن الأسئلة التي تطرحها الأنطولوجيا كعلم والموضوعات التي تعالجها هي- شأنها بذلك كلفظة أنطولوجيا ذاتها- أيضاً يونانية المنشأ. وفي كتاب "الماورائيات" يستأنف أرسطو المسيرة الأنطولوجية اليونانية بقوله: من قديم الزمان والآن ودائماً يطرح السؤال الصعب:  ما هو الكائن؟ إن كتابات أرسطو طاليس تحتوي على أنطولوجيا عامة وذلك بقدر ما تحاول هذه الكتابات طرح مفهوم معين لمبادئ الكينونة وماهية الكائن من حيث هو كائن. فيما بعد دعيت هذه الأنطولوجيا، وكان أرسطو قد سماها "الفلسفة الأولى" كما جاء أعلاه ميتافيزياء، واكتسبت في العصور الوسطى، وعلى يد السكولاستيين، حلة لاهوتية، وذلك عندما أصبحت بين أيديهم نظرية في ماهية وجود الله، إذ رأت في هذا الوجود الحقيقي الوحيد وكل ما عداه معتمداً في وجوده عليه. إن كون الأنطولوجيا علماً يعنى بالمبادئ الأولى للكينونة أو بماهية الكائن من حيث هو كائن يعني أن هدفها الأخير هو استكشاف ماهية الأشياء في حد ذاتها وباستقلال تام عن أفعال الوعي. من هنا أن كل نظرية فلسفية تحاول اختراق الصفات العرضية للأشياء إنما هي من باب التنظير الأنطولوجي. (انطوان خوري - الموسوعة الفلسفية العربية - رئيس التحرير: د. معن زيادة – المجلد الأول - معهد الانماء العربي – الطبعة الأولى 1986 –ص 150)
([5]) غنارسكيربك و نلز غيلجي –  مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 881-882
([6])جماعة من الأساتذة السوفيات – موجز تاريخ الفلسفة – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم – دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) – ص 975
([7]) المرجع نفسه - ص 976
([8]) المرجع نفسه - ص 977
([9]) المرجع نفسه - ص 986
([10]) المرجع نفسه - ص 977
([11]) المرجع نفسه - ص 980

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول