نظرة على فلسفة القرن العشرين

غازي الصوراني
2021 / 2 / 20


شهد هذا القرن حالة نوعية -غير مسبوقة- من التطور والنهوض الفلسفي بمختلف مدارسه ومذاهبه، إلى جانب النهوض العلمي والتكنولوجي وعلوم الذَّرَة والفيزياء والفضاء، التي تركت آثارها في كافة الميادين السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، لدى شعوب الكوكب وفق درجات تطورها.
كما شهد هذا القرن في بدايته، أول حرب عالمية، كان لها انعكاساتها النوعية على انتشار الفلسفة الماركسية وانتصارها في روسيا القيصرية، ومن ثم تأسيس اول منظومة اشتراكية في العالم بإسم الاتحاد السوفياتي ، وتَوَسُّع تلك المنظومة في العديد من بلدان أوروبا الشرقية، والصين، فيما بعد الحرب العالمية الثانية.
كما تركت الحرب العالمية الأولى أيضاً، آثارها وانعكاساتها على مجمل عملية التطور الاقتصادي، والمجتمعي، في البلدان الرأسمالية المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة، التي اضطرت على أثر تفاقم أزمة الرأسمالية العالمية عام 1929/ 1932 إلى التراجع عن شعار آدم سميث "دعه يعمل .. دعه يمر" الذي شجع الحرية الكاملة للشركات الرأسمالية في تحكمها شبه المطلق بآليات الاقتصاد والمنافسة والاستغلال الطبقي، ومن ثم لجوء تلك الدول إلى تطبيق نظرية "جون ماينارد كنز" التي تقول بضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد إلى جانب المبادرة إلى تنفيذ عدد من الإجراءات الكفيلة بتحسين الأجور، وتوفير حرية العمل النقابي، والتأمينات الاجتماعية التي تضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، حرصاً من تلك البلدان على قطع الطريق على تغلغل الفكر الاشتراكي في أوساط الطبقة العاملة الأوروبية والأمريكية.
على أي حال، لابد من الإقرار بأن "الفلسفة الغربية المعاصرة تعود في أساسها إلى القرن العشرين. فهذا القرن يختزل قروناً من التاريخ القديم والمعاصر، فهو عصر كل شيء، من التطور الفلسفي الذي شهد مدارس عدة على يد فلاسفة من مختلف بلدان العالم، وبحيث لم تعد الفلسفة تقتصر على قضايا العقل والوجود والميتافيزيقيا، بمقدار ما اخترقت كل العلوم: من الاقتصاد إلى التكنولوجيا إلى السياسة إلى الأدب، وفي القرن العشرين نعثر على مختلف أنواع التطور البشري، في تقدمه وانحداره، فالحداثة وصلت إلى ذروتها وأوصلت الفلسفة إلى أعلى ذراها، وقدمت للبشرية كل ما تحتاجه من متطلبات التطور والخروج من التخلف"([1]).
في محطات هذا القرن، تطورت الفلسفة الحديثة، بمختلف مدارسها ومذاهبها في الولايات المتحدة وأوروبا على وجه الخصوص، حيث نلاحظ انشداد "برتراند راسل" فيلسوف الوضعية المنطقية، إلى الموقف العقلاني ضد الجشع الرأسمالي والتوحش الدولي، وظهرت فلسفة "غاستون باشلار" وأفكارها المتميزة في مجال المعرفة، وتاريخ العلم، وعلم النفس التحليلي، ومفهوم القطيعة المعرفية، في إطار رؤيته العقلانية الجديدة، ثم "جورج لوكاتش" الذي يعتبر أحد مؤسسي الماركسية الغربية من خلال اسهامه الفكري حول التشيؤ والوعي الطبقي، إلى جانب طروحات مدرسة فرنكفورت، التي عَبَّرَ عنها "هوركهايمر" و "أدورنو" و "هربرت ماركيوزه" الذي طرح مفهوم "الإنسان ذو البعد الواحد"، وصولاً إلى فلسفة "أنطونيو جرامشي" صاحب الرؤية المختلفة عن المفهوم التقليدي للفلسفة الماركسية، وأحد أبرز المجددين في الفكر والثورة الاشتراكية.
في هذا السياق، ظهر أيضاً الفيلسوف الماركسي الفرنسي "جورج بوليتزر" الذي وجَّه نقداً عنيفاً لفلسفة "برجسون" وعلم النفس التقليدي، كما حاول أن يجعل من الفلسفة الماركسية -عبر تبسيطها- في متناول أكبر عدد من الناس في كتابه "أصول الفلسفة الماركسية"، ثم الفيلسوف اليوناني "نيكوس بولانتزاس" الذي انتصر لفكرة "الشيوعية الأوروبية اليسارية"، وندد بما أسماه "الامبرياليه الفلسفية" وهو أيضاً، مؤلف العديد من الكتب الماركسية من أهمها كتاب "الطبقات الاجتماعية"، كما ظهر أيضاً من الفلاسفة الماركسيين "لوي ألتوسير" الذي حاول تحرير الماركسية، وبشكل خاص، المادية التاريخية، من التشوهات التي أدخلها ستالين، وكان من بين أهدافه، إثبات أن الماركسية ليست فلسفة، ولا وجهة نظر شاملة للكون وللمجتمع، ولاحتى أيديولوجية، وإنما مجرد علم للتاريخ، وعلم لإنتاج المفاهيم النظرية، ثم قام بقراءة جديدة لماركس اكد فيها على الجانب العلمي للماركسية، نافياً عنها المظهر الإنسانوي.
في هذا القرن أيضاً انتشرت بقوة الفلسفة البرجماتية (جون ديوي) كما انتشرت الفلسفات الوضعية المنطقية والتحليلية (راسل وفتغنشتاين) والوجودية (هايدجر وسارتر وكامو) والبنيوية (ليفي شتراوس وجيل دولوز ) والتفكيكية([2]) (جاك دريدا) وما بعد الحداثة وما بعد البنيوية (ميشل فوكو) .
ان الانتشار الواسع للمذاهب الفلسفية في القرن العشرين، في إطار الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي بعد الحرب الكونية الثانية، أدى إلى تفعيل المساجلات والصراعات الفكرية، بين البرجماتية والوضعية المنطقية والوجودية والبنيوية، في مجابهة الفلسفة الماركسية، التي عانت بدورها من العديد من مظاهر الاختلاف والصراع فيما بين أطرافها (الماركسية السوفيتية، والتروتسكية، والبنيوية، والمادية، والستالينية، والجيفاريه... إلخ) .
علاوة على ذلك ثمة سمة أخرى، لافتة للإنتباه، تتلخص في أن مطلب العقلانية الذي كان من قَبْل من أولويات الفلسفة العقلانية، أصبح في نهاية القرن العشرين مهدداً بسـبب تكاثر وانتشار النـزعات الشكية والظلامية المتطرفة.
فقد تضـاءل الحرص، الذي كانت تبديه جل الفلسفات السابقة على تبني النـزعة العقلانية، وعلى متابعة ما يستجد في ميادين العلوم، وعلى الإستلهام منها ومن مناهجها، وصرنا اليوم نلاحظ تراجعها حتى ليبدو للعيان أن العقـل والعقلانية، قد أصبحا بالفعل مهددين بفعل تجدد وانتشار الاتجاهـات اللاعقلانية ذات الأصول الدينية الطائفية أو العنصرية أو الصوفية أو الفوضوية أو الفلسفية التفكيكية.
كما ظهرت في الثلث الأخير من القرن العشرين بعض التيارات الفلسفية المعروفة باسم فلسفات مابعد الحداثة، وشهدت فرنسا على وجه التحديد تحويلاً جديداً في الفكر الفلسفي يتسم بشيء من الأفول النسبي للفلسفة الوجودية، وظهرت البنيوية، ثم التفكيكية وغيرهما من فلسفات ما بعد الحداثة، كما واجه التفكير الفلسفي في نهاية القرن العشرين مأزقاً شديداً، فبعد ان تطورت العلوم الطبيعية الحديثة تطوراً هائلاً أُبْعِدَتْ مجالات كثيرة عن سلطة الفلسفة، ولم تعد الفلسفة تستطيع ان تَزْعُمْ على أنها تُسيطر على كل جوانب المعرفة"([3])، ومع ظهور تيارات "ما بعد الحداثة" أو "ما بعد الفلسفة" إلى جانب الفلسفات البنيوية والتفكيكية.. إلخ، وما تلا ذلك من انهيار الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى بداية القرن الحادي والعشرين، فقد تراجعت الفكرة العقلانية أو المقولة الفلسفية العظيمة التي استندت إليها – وما زالت- الفلسفة الغربية الحديثة، والتي تتلخص في الكلمات التي أبدعها الفيلسوف الألماني العظيم هيجل حينما قال: ان العقل يحكم العالم، وبناءً عليه فإن التاريخ البشري هو عقلاني تماماً، حيث أن هذه المقولة العقلانية، لم تعد كما هي في ظروف العولمة الامبريالية الاحادية ونزوعها إلى الهيمنة السياسية والمعرفية، منذ آواخر القرن العشرين، ومازالت عنواناً رئيسياً في القرن الحادي والعشرين.
فمنذ العقدين الاخيرين من القرن العشرين، قام ميشيل فوكو "بأكبر محاولة لنقد العقل الغربيّ وتعرية ملابساته السلطويّة وكلّ أشكال الهيمنة التي ترافقه، محاولاً إثبات أنّ هذا العقل ليس بريئاً إلى الحدّ الذي يوهمنا به، وليس معرفياً محضاَ كما يزعم، وإنما هو متورط في ممارسات القوة والهيمنة والتسلُّط، أو قل إنّه تحوّل في لحظة من اللحظات من عقل تنويريّ استكشافي تحريريّ إنسانيّ، إلى عقل قمعي يشبه الأخطبوط الذي يهيمن على كل مستويات الوجود الاجتماعي للبشر ويُسَيِّر الأمور من خلف الستار".
هذا الأخطبوط المعولم، في ظل الامكانات الهائلة التي وفرتها عملية التقدم الهائل في ثورة الاتصالات والمعلومات والرقابة، عززت قوة تحكم النظام الإمبريالي المعولم ، وتوابعه في بلدان التخلف والاستبداد، في التحكم، والرقابة الأمنية، والمجتمعية، على حركة الشعوب عبر أجهزة سرية لا مرئية لا وجه لها ولا صورة –كما يقول هاشم صالح- "ثم انضافت إليها مؤخرا أجهزة المراقبة أو كاميرات التصوير الاتوماتيكية المسلطة على الأماكن العامة والساحات والشوارع إلى درجة أنه لا يمكن لأيّ شخص أن يفلت منها، وقد أصبحت تُسَجِّل كل شاردة وواردة عنك، مهما فعلت، وأينما حللت وارتحلت"، "هذا هو مجتمع "المراقبة والعقاب"الذي تَكَرَّس وتَراكم طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وامتد حتى اللحظة الراهنة من القرن الحادي والعشرين، وهو المجتمع الذي تحدث عنه ميشيل فوكو في كتابه الشهير الذي يحمل نفس الاسم"([4]).
لكن، على الرغم من كافة المحطات السلبية، غير الإنسانية في القرن العشرين، إلا أن هذا القرن تميز بخصوبة فلسفية متنوعة غير مسبوقة، انتشرت في بلدان المعسكر الرأسمالي الولايات المتحدة وأوروبا، كما في الاتحاد السوفياتي وبلدان المنظومة الاشتراكية، وبالتالي فإن عدداً كبيراً من فلاسفة القرن العشرين تركوا آثارهم المعرفية على مجمل التطور الفلسفي حتى اللحظة الراهنة من القرن الحادي والعشرين.
وهنا لابد من الإشارة إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين عموماً، وعلى أثر انهيار الاتحاد السوفياتي خصوصاً، حيث توضحت ملامح انحطاط الفلسفة البرجوازية، الذي لاحت بوادره بوضوح في سياق العولمة الامبريالية، حيث نشهد تفاقم مظاهر الإستغلال والعنجهية، وتزايد مظاهر الموجات العنصرية الرجعية، التي حملتها الامبريالية، وطغت على كل الميادين، بما فيها الفلسفة.
لكن على الرغم من بشاعة ممارسات الامبريالية المعولمة، وعلى الرغم من الأزمات التي تعرضت لها الرأسمالية العالمية منذ عام 1929/1930، مروراً بأزمة السبعينات، وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلا أنها استطاعت أن تجدد نفسها ليس عبر الاقتصاد فحسب، بل أيضاً عبر الفلسفات اليمينية التي انتشرت نهاية القرن العشرين، في ظلال العولمة تحت مسميات متعددة، في إطار ما يسمى بـ"ما بعد الحداثة" مثل التفكيكية والبنيوية والعدمية العنصرية واللاعقلانية، علاوة على تزايد انتشار الأفكار والمذاهب العنصرية، والطائفية الدينية المتطرفة في جميع الأديان، إلى جانب اضمحلال النزعات الإنسانية، وبروز النزعات الفردية، المتمثلة في الأفكار الرأسمالية المتطرفة عبر أيديولوجية "الليبرالية الجديدة"، التي "انتصرت" على الماركسية في تسعينات القرن العشرين على أثر إنهيار الاتحاد السوفيتي، وما تلا ذلك الانهيار من مظاهر التفكك والتراجع التنظيمي، والسياسي، والمعرفي، في أوساط العديد من الأحزاب الشيوعية في العالم، وهي تراجعات كارثية مازالت مستمرة -بهذا الشكل او ذاك- حتى نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وقد تستمر تلك التراجعات بصور مختلفة، طالما استمرت حالة التفكك والهبوط الليبرالي على ما هي عليه في أوساط قوى اليسار العالمي.
لذلك لا سبيل أمام كافة التقدميين الماركسيين -في هذا الكوكب- من مواصلة طريق النضال والصراع الأيديولوجي والطبقي، انطلاقاً من أن لا مستقبل للبشرية عموماً، والشعوب الفقيرة خصوصاً دون تفعيل النضال ومواصلته حتى تحقيق الاشتراكية.
أخيراً، نقدم فيما يلي نظرة عامة مكثفة على فلسفات القرن العشرين الرئيسية، الوضعية المنطقيه والوجودية، والفلسفة البنيويه، في مقابل العرض الموسع الشامل – بالمعنى النسبي- للفلسفة الماركسية.
 


([1]) محمد بكري – 50 فيلسوفاً صنعوا الفكر الغربي الحديث – جريدة الحياة – 28 أيلول 2014
([2]) التفكيكية: هو توجه (في التحليل الفلسفي أو الأدبي أو غيره من المجالات) فيه يقوم الفرد بقراءة النص واضعًا نصب عينيه أن النص ليس كلاً قائمًا بذاته بل ينطوي على العديد من المعاني المتضاربة والمتناقضة. (المصدر: ويكيبيديا – فلسفة معاصرة - الانترنت)
([3]) خصائص التفكير الفلسفي في القرن العشرين – الفيس بوك – صفحة الفلسفة الحديثة – الانترنت.
([4]) هاشم صالح – المعركة الفلسفية الكبرى بين فوكو النيتشوي / وهابرماس الكانطي-  الهيغلي – الانترنت .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول