من نيويورك إلى واشنطن العاصمة

دينا سليم حنحن
2021 / 2 / 17

دينا سليم حنحن - بريزبن

منذ بداية السنة وعيون العالم مرسلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي عرفت بأقوى دولة على الاطلاق، حصلت نزاعات على تولي الرئاسة، وأحيط مبنى الكابيتول، بسياج بطول مترين نصبت أعلاه الأسلاك الشائكة، أغبط نفسي أنني لم أشهد هذه الأيام حتى تبقى الذكرى القديمة في مخيلتي لهذا البيت المحاط من جهاته الأربعة بحدائق غنّاء، حتى أن طرف منه مشرف على الشارع مباشرة، ويعبر مئات الأشخاص يوميا من الرصيف المحاذي.
ارتأيت أن أكتب في العدد الأول للسنة الجديدة عن رحلتي السابقة إلى واشنطن العاصمة، فلي فيها ذكريات مؤلمة وأخرى جميلة.
أمضيتُ أسبوعا كاملا في مدينة نيويورك العظيمة جدا، والجميلة والمختلفة عن جميع المدن الأمريكية، مدينة اكتظت بالناس إلى درجة غير معقولة، في آخر ليلة، انخفضت درجة الحرارة المئوية ووصلت 6 تحت الصفر، فأصبتُ بحمى الأمعاء، لكني اضطررتُ في صبيحة اليوم التالي الاستمرار في مسار الرحلة، والتقدم نحو واشنطن العاصمة رغم سوء حالتي الصحية.
مرت الحافلة عن أشجار اللوز التي انتشرت على مد الطريق من نيويورك إلى واشنطن، استمرت الرحلة أكثر من أربع ساعات، لم أرَ من الطريق السهول المزهوة بأشجار القطن إلا لماما، لأنني أمضيتُ جلّ الوقت ووجهي معلق فوق دلو ماء، أصبت بحالة تسمم خطيرة أدت بي إلى الغثيان والتقيؤ، لكنني رغم ذلك سرقت اللحظات واستمتعت بما ازدانت به الأرض من أزهار أشجار الخوخ والمشمش، ومرّت الحافلة عن قطعان الغزلان والأيائل الفالتة في الربوع الخضراء، اكتست بطبقة سميكة من الثلوج التي بدأت تتساقط، يعد المشوار رغم كل شيء رائعا. لم تتحسن حالتي الصحية، وبقيت على الحال ذاته ثلاثة أيام، أمضيتها داخل سريري في فندق قريب من البيت الأبيض.
سكن الهنود الأصليون (البسكاتوويون) واشنطن قبل أن تبدأ هجرة الأوربيون إليها نهاية القرن السابع عشر، أقيمت على نهر بوتماك وأطلق عليها هذا الاسم نسبة إلى مؤسس الولايات المتحدة وأول رئيس لها، جورج واشنطن.
البيت الأبيض، مقر إقامة كل رئيس منتخب، يمضي فيه وأسرته طول فترة توليه الحكم، ثم يخرج منه متنازلا عنه عند انتهاء الفترة، تأسس سنة 1792، وقام في تصميمه المهندس جيمس هوبان وهو من أصل إيرلندي، نزح إلى أمريكا منذ تأسيسها، وأحضرت الأحجار من أسكتلندا، أشرف على بنائه الرئيس الأول لكنه لم يقم فيه، أول رئيس أقام فيه جون آدامز.

الجدير بالذكر أنه تم بناء نصب تذكارية في المدينة للعديد من رؤساء أمريكا الذين تركوا بصمة عميقة، ومن أشهر البنايات الموجودة، مبنى ومكتبة الكونغرس العملاقة، وتعد من أهم المعالم العالمية، وتعد جدرانها من أجمل التصاميم، تأسست سنة 1800، وطلبت أولى الكتب من لندن، لكن أحرقت جميعها سنة 1812 في الحرب التي دارت بين أمريكا الفتية وبريطانيا العظمى، استمرت الحرب حوالي ثلاث سنوات، فعرض توماس جيفرسون، قيادي، ساهم باستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، وثالث رئيس، وكتب وثيقة الاستقلال، باع كتبه الشخصية البالغ عددها 6487 كتابًا، إلى الكونجرس، وتم شراؤها إزاء مبلغ 23,950 دولارًا.
تجولتُ داخل المكتبة وعزمت على البقاء يوما كاملا، حتى أستطيع المرور ولو سريعا، على العناوين، ومشاهدة اللوحات المدهشة التي شرحت الأحداث التاريخية التي حصلت في أمريكا.
امتازت واشنطن بتعداد متاحفها، أشهرها سلسلة متاحف سميث سميثسونيان، أقامتها عائلة ثرية، منها التاريخية، والتاريخ الطبيعي، والفن الحديث، والأزياء، التراث، الطوابع البريدية، متحف الأرصاد الجوية ومركز ناسا للسياح، ومركز ضم جميع أعمال البرت أينشتاين، ومكتبة شكسبير وغيرها.
لاحظتُ خلال تجوالي في المدينة، نسبة السود العالية التي تقيم في المدينة، حصل وطلبت من نادلة كأس ماء بأسلوب راقي، فرحت كثيرا وقالت لي: " هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها زبونا يقول لي من فضلك، ولو سمحتِ، وشكرا، من أين حضرتكِ"؟ صراحة حزنتُ، وتذكرتُ المثل القائل: " هيك هيك الكلمة طالعة، ليش ما نطلّع الكلمة الحلوة"؟ والكلمة الحلوة بلسم لجراح الكثيرين، فلماذا لا نكون بلسما لهم، وما هي الخسارة؟.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية