أيمن ناصر. ووجع النوارس

عايد سعيد السراج
2021 / 2 / 14

للقصة أفانين كثيرة وقدرات وتجليات يخطها بعض الكتاب بأقلامهم. والبعض يخطونها بأرواحهم ومن الذين يخطونها بأرواحهم ومداد دمهم. القاص والروائي .أيمن ناصر.
فهو يتعاطف مع شخوصه - بل قل يتمازج معهم، وهنا تكمن قدرة الكاتب على الدخول في عوالم شخوص العمل، التي صنعتها الحروف إلى بشر من لحم، ودم، وعواطف ، وتجليات تصنعها الذات البشرية ذات الكاتب المختلف .. وسر الحكاية، ونجاح الكتابة تبدأ بالعادي المحكي ، إلى المتجلي الواصل فذات الكاتب، تتفاعل مع ذات المكتوب، المتخيل.
إنْ بشراً ،أو حجراً ،أو نهراً ،أو طبيعة ً،
أو حيوانا ً . فالذات المهمومة، أو المتلهفة، أو المسترابة ، تظل متلازمة بقدرة الكاتب، وروحه، وتجليات مداده،
وعوالمه الباطنة، التي تتجلى مع عوالم المُراد ، حالة متكاملة غير منقوصة،
:فأشكال السرد القادر للوصول لا إلى المتلقي فحسب ، بل الى روح وعمق الشخص المُراد التعبير عنه أو له
( شخوص العمل )، إنْ كان شخصية أساسية أو مهمة في عالم القص ، أو ثانوية، أو مكملة للحدث، إذْ تكون مكملة ومتكاملة مع العمل بشكل عام، وترتقي به لمصافي الأدب المقنع والجاد، والممتع تقـنيا وفنياً، حيث تتشابك اللغة ،والسرد ، والشخوص، مع القدرة الفكرية، وصناعة الفن لغوياً عند المؤلف المحترف، وهذا ماكان، مع القاص : أيمن ناصر. في قصة ( وجع النوارس )
التي مآلها يفضي إلى قصة من لحم ودم قال عامر: (شكرا سيادة العقيد لانريد أجراً على عمل الخير ، فأي أجر هذا الذي نتلقاه على اخراج جثة متيبسة من قاع النهر نقدمها لأهل ٍ مفجوعين ؟)
وجع النوارس. قصة جميلة ، موجعة، مسربلة بالحزن والألم ، والطفولة، والأحلام المنكسرة، فالفرات هو بطل القصة التي مثلما دخلت في أغوار نفس، متعب، وعامر، ومحمود القط.
هي أعماق الفرات ،التي تلبط بها الأسماك ، والقيعان ، والأحجار الصوان، التي عمرها من عمر الزمن، وكذا أسماك الفرات. البني ، والرومي، والكْرْب ْ ، والجِرِّي، والسلور، والكثير الكثير من أنواع الأسماك التي تموت إن تخرج من الماء، ومعروف أن أبناء الفرات يعشقون النهر كالأسماك، ويتعمدون بمائه في أغلب أزمانهم ، وفراغاتهم ، وسهرهم وأحزانهم ، وأفراحهم، وهم يتبارون في الغوص بأعماقه ، والسباحة من جيلانه اليمنى إلى جيلانه اليسرى، يتقافزون من أعلى جسوره لتستقبلهم رحابة الماء
، ولدونته وحنانه وعطر مائه الرحب،
والسحر والحكايات ، وأغاني الرعاة والعشاق ، وحداء البدو ، وموليا الورادات ، وتنهد الحالمين والمحرومين ، ولهفة الصبايا ، وحنين القطا، وتلهف الإبل لزميم الماء، وشربة ظمآن ، كمثل من يشرب من لمى حبيبته التي عذّبته في تصيدها،
هو النهر ملك الحكايا ،ومسامر العشاق ، وجالب الأحزان والملمات لمن لايعرف أسراره، صديق كل الفراتيين وحبيبهم، وحافظ أسرارهم، وخائن الذين يستهزؤن بخفاياه وجبروته، نعم هو هكذا النهر الذي لايحترم الضعفاء، كما يحدثنا القاص أيمن ناصر في قصته (وجع النوارس) التي تحكي لنا قـصة الفجيعة، ولعبة الموت في ذروة النشوة ، والمتعة مع النهر ( لا رهان مع النهر، فالنهر شكل من أشكال القدر)
غدر النهر بعامر، وأخذه أخذ جبار عتيد، أخذه إلى حيث كان يحب هو وصديقه متعب ، إلى ملاعب الصبا والوداد،
حيث كانا يتمارحان في ،وعلى، زوايا شعابه وأسماكه وحيّاته، هو النهر لايرحم عشاقه، فالعشق لديه موت وحياة، بهجة وألم، حزن وفرح، كل شيئ ٍ متماثل هنا في عوالمه الدفينة، فمثلما هو فيض عطاء وكرم، كذلك هو جنون ، وغضب، وثورة،
ويظل متعب الوحيد المُـنْـقِذ والخاسر الأكبر، ذهب صديق العمر وبقيت جثته التي عجز الجميع بطواقمهم المُنْقِذة ، من إخراجها، من أعماق النهر، حيث جثته لاتعطي سرها إلاّ للصديق الحبيب متعب، وسط ذهول الجميع، حيث الألم المُرَكّب والفرح والحزن المميت.
( لكني وبآخر رمق لي في الحياة شققت سطح الماء، وظهرت لآلاف العيون ماردا يسبح بذراع واحدة ، وبالأخرى يجر زورقا من لحم ودم ،
صدحت زغرودة مخنوقة بالدموع والحسرة، تبعتها زغاريد ونواح، ماهي إلاّ ثوان حتى كان عامر مسجّى على الشاطئ، فأرتميت جواره كالقتيل، وكان آخر إنقاذ أقوم به في حياتي )
مكابدة نفسية وجسدية مؤلمة ومحزنة وعظيمة ، يقوم بها الراوي، وهو يسرد لنا هذه المأساة، حيث يمتزج الألم والصراع النفسي المخيف مع أسرار النهر ورهبته، وغرق الصديق.، وتتجلى شهامة وتحدي وقوة شخصية الراوي، في شخصية المنقذ ورباطة جأشه، مع إخفاء الصراع النفسي المتواتر والمضطرم والمؤلم ، مع قوة التحدي والصبر وروح المغامرة، ويتحول الراوي كأحد ابطال القصة، الذين يصنعون الحدث، ويقنعوننا بالعمل وصدقه وشفافيته، حيث يفيض الألم والمشاعر والتصوير، وسعة الخيال، من كتابة الجملة العفوية البسيطة والمقنعة.
وتنتهي القصة المؤلمة بإنقاذ الغريق،
حينها وحينها فقط، يتساوى المُنْقِـذُ ، والمُنْقَذُ ، في حالة الإسجاء على الشاطىء ، وسط الزغاريد، والحسرات والألم ، والنشيج ،
والقلوب المتقلبة على جمر الفراق والحزن المميت،
وتظل يد عامر ممدودة للأعلى، محاولة الإمساك بخيوط الشمس قبل المغيب، وقبل لفظه آخر نفس له في هذه الدنيا.
هي قصة جميلة ببساطتها وتقنيتها وحرارتها وفيض الألم والمأساة التي تَحَوّتها، فالقصة مكتوبة منذ زمن بعيد، فقد تجاوز الكاتب ذاته في أعماله الأخيرة، إن كان هذا في -أسناد - أعماله الأدبية، أو -المتون - وتظل هذه القصة فيها روح وإشتعال حياة البشر، وسر الموت والحياة، رغم ماذكرنا.
: وجعُ النوارس
قصة قصيرة بقلم: أيمن ناصر
كان خوف أمي عليَّ مبرراً في كل حالاته رغم أنني أقطع الفرات من شاطئ الشامية إلى شاطئ الجزيرة مرتين كل صباح، لا يغلبني في ذلك أحد. تجلس قبالة النهر تراقبني أسبح مع ابن خالتي "عامر"، ترانا نسابق باقي أقراننا. تظل جالسة حتى ننتهي من افتتاننا الصباحي. كأنّها مدرّبنا الخاص الذي لا يرضيه أن يسبقنا أحد. الأمر الذي جعلنا أمهر السباحين في المبروكة والقرى المجاورة لها. لكن مرض عامر جعله أقل مهارة مني.
كانت في زياراتها المتكررة لي في المدينة خلال دراستنا وبقائها أسبوعاً أو أكثر في بيت خالي "عبد الرحمن" ترغمني على أخذها معنا إلى النهر حين نرغب أنا وعامر في السباحة. تظل تراقبنا كيف نقفز من فوق الجسر، نغوص مسافات بعيدة. يشاركنا أحياناً صديق من المدينة شاب ضخم قوي البنية، اسمه "محمود القط" تعرّفنا إليه في إحدى مهماته كأحد رجال الإطفاء والسباحين المتخصصين في الإنقاذ. مهارتنا وشجاعتنا دفعتاه لأن يطلب منا العمل في طاقم فوج الإطفاء بصفة غواصين ومنقذين.
وافقت على العرض الذي قدّمه "محمود" لكنّي أسرَّيت له: "إنّ ابن خالتي يعاني من مرض في كليته لم يشف منه كلياً ولا أظنّه يَحتمل التدريب المرهق والغوص مسافات بعيدة. أريدكم أن تراعوا ذلك". قال محمود وكان ودوداً متجاوباً مع رغباتنا:
"على كل، لا تأكل همّه، في البداية سيخضع لفحص طبي ورئيس الفوج هو من يقرّر ذلك حسب تقرير الفحص".
أخذَنا محمود القط إلى رئيس فوج الإطفاء في المدينة، وقدّمَنا إليه بشكل جميل ومشجّع.. وأشعرنا أنّه كان فعلاً بحاجة إلى دعم طاقمه بشباب متطوعين مثلنا. وقف مرحّباً بنا: "أهلاً متعب وعامر، أنا العقيد رياض أحمد، أسعدتني رغبتكما الانضمام إلى فريقنا، لكن ماذا عن دراستكما"؟
قلت دون تفكير: "لن نترك دراستنا. ننقذ معكم في الصيف والعطل" ردَّ العقيد رياض مازحاً: "خلاص، كما تشاءان، سنطلب من الغرقى أن يؤجلوا غرقهم، ويجعلوه في العُطل والأعياد".
خجلتُ، واحمرّت وجنتاي من التعليق. انتبه الضابط لذلك ونهض من وراء طاولته، احتضننا بمحبة أبوية قائلاً: "أنا أُقدِّر همّتكما العالية في مساعدتنا فسمعتكما الطيبة قد سبقتكما، تأكّدا أنّنا لن نتأخر في استدعائكما حين نحتاج دعماً وستكون لكلّ منكما مكافأة على جهوده معنا"
قال عامر: "شكراً سيادة العقيد، لا نريد أجراً على عمل الخير. فأيُّ أجر هذا الذي نتلقاه لقاء إخراج جثة متيبسة من قاع النهر نقدّمها لأهلٍ مفجوعين؟!
قلت مؤكداً: "نعم، نعتبر ذلك واجباً وطنياً نقوم به تجاه البلد".
قال مبتسماً: "والبلد أيضاً فخور بوطنيتكما. على كلّ نسأل الله أن يقلّل الغرقى ولا نحتاجكم إلا لنراكم بخير. هذا الكرت فيه رقم هاتفي في الفوج وفي البيت أيضاً لو احتجتما أي شيء ستجداني بالخدمة إن شاء الله. سيبقى معكما محمود خلال التدريب".
بعد أسبوع خضعنا لفحص طبّي واختبارِ سباحة وغوص. تمّ استبعاد عامر لمرضه من مهمّات الإنقاذ دون إخباره بذلك، لكنّه أدرك الأمر متأخّراً وعلم فيما بعد أنّه تم استدعائي أكثر من مرة للإنقاذ دون استدعائه لمرة واحدة. وقتها اضطرّ محمود لإخباره الحقيقة. غضب وظلّ يكابر حتى آخر رمق له.
تمرّ الأيام. أنجح في الثانوية وأنتسب لجامعة دمشق بينما يتابع عامر دوامه في "البكلوريا". ذات يوم، وفي لحظة تحدّ، يخرج من مدرسته، وبدل أن يعود إلى بيت الخال "عبد الرحمن" يتوجَّه إلى النهر. تصادَف ذلك اليوم مجيئي إلى المدينة في أول أجازة لي من الجامعة. ولحظة وصولي، وأنا في الحافلة، كانت عيناي من فوق الجسر تلحظان تجمعاً من الناس على الشاطئ. أدركت أن النهر قد غدر بأحدهم، ثمة شيء في أعماقي وخزني بقوة. قلت لجاري في الكرسي: "كان الله في عون أهله".
هزّ رأسه وقال: "خلص يومه، الله يرحمه".
تمنَّيت لو كنت مع أصدقائي رجال الإطفاء أساعدهم في مهمتهم. لا أتذكّر كمّ الجثث التي انتشلتها من قاع النهر، والتي كان أغلبها عالقاً بين الصخور أو قضى أصحابها بسبب "سوَّارات الردَّة" التي يعاندها أمهر السباحين ظانّاً أنه يغلب تيارها بينما تسحبه نحو الخلف والأسفل دون أن يشعر، أو "يَشْرَق" بجرعة ماء تعقبُها جرعات تملأ رئتيه فيضيق نفسه وينقطع الأكسجين.
ما كان يدري أن لا رهان مع النهر. فالنّهر شكل من أشكال القدر. بعد مغادرتي الكراج ووصولي إلى الزقاق الذي في نهايته بيت خالي "عبد الرحمن المبروك" فوجئت بجمهرة من الناس على الباب. أوجست خيفة، دخلت من بينهم مأخوذاً بأصوات البكاء من قريبات أتين من "المبروكه" لم أجد بينهن أمي ولا خالاتي الثلاث ولا حتى أخواتي. ما الأمر، ما الذي حدث؟! ثمة حالة موت بالتأكيد. كنت أخشى أن أسأل نفسي إن كان خالي "عبد الرحمن" قد.... أبعدت هذا الخاطر المقيت. أبت دموعي إلا أن تُسفح بحُرقة على وجهي وعجز لساني عن النطق. ما أنقذني من حالتي إلا دخول غسان ابن خالتي الشقيق الأكبر لعامر احتضنني وبكى قائلاً: غرق عامر يا متعب مضى النهار وهم يبحثون عنه ولم يجدوه.
كأنّ سهماً اخترق صدري. خفت أن يختلّ توازني وأرتمي بين هؤلاء الناس الذين حين رأوني عقدوا الآمال على جهودي في إيجاده. فأنا الغوّاص الذي أنقذ الكثير وعثر على جثث أكثر، لن أقف مكتوف اليدين أمام رحيل رفيق عمري وابن خالتي. ابتلعتُ دموعي واشتعل جرحٌ في صدري لحظة دخول صديقي "محمود القط". عانقته ثم سألته ملهوفاً: "كيف لم تجدوه؟"
ردّ: مازال البحث جارياً، سنجده، ولكن نحتاجك معنا، أنت تعرف أين يمكن أن نجده. مشَّطنا المنطقة مرتين لابدّ أن جثته شردت بعيداً في ركن خفي وضاعت بين شجر الغَرَب.
هززت رأسي هزَّة العارف. والعيون متعلّقة بي.
على دراجته النارية انطلقتُ مع محمود ولحقنا غسان بسيارته إلى الجسر. قبل أن نصل لمحت الناس متجمعين حول خالتي أم غسان. لم أقترب منها ولم ينتبه لحضوري أحد وسط حشدٍ آخذٍ بالتزايد. انتابني شعور غريب عندما أصبحت وجهاً لوجه أمام امتحان القدر. لم أتجرأ على الإقدام أكثر. لكني ما إن سمعت خالتي تنعي وليدها بقصيدٍ فراتي يقطّع نياط القلب، تقول فيه:
يمّا انتظرتك دهر... وين تروح
أريد أشوفك.. واكحّل بيك الروح
طالت غيبتك يمّا... وآنا انتظــر
تعاااال.. وانا أشيلك جوا الروح
حتى غلبني شعور بالخوف من الفشل تجلّى بتشنجات المعدة، وجفاف البلعوم، وغباشٍ غلّف عينيّ. وما إن حرّرتُ نفسي من كابوس هذا الشعور حتى عاودت خالتي بوحها الذبّاح بآخر:
لـمــْشـي وبَاريـــﭽـــن يَالِجْـــــــراف
بلـﭽـي غريــج المَي اليـوم ينشاف
ونسوة حولها تلوحُ رؤوسهن مع نواحها، وأخريات متربعات على حصى الشاطئ وسط برَك الماء يبكين ويلطمن وجوههن، عرفت فيهن أختي "هديل" وأمّي التي لم تتردد في مجاراة أختها في قصيدٍ وإيقاعٍ ليس ببعيدٍ عن إيقاع أختها، تنعي قائلة:
يا ريت افْراتٍ غرَّﮔـتْكُم، تِصبح عَجاجَه من بعَدْكم
شبّوطْ لا تاكل لَحمْهُم ويا عِرج لا تـــﮔظُب شعرْهم
كما لمحت أختيَّ "فرات ونسيبة" تقفان بجانب "رحاب". هززت رأسي وتقدمت بضع خطوات وأحسست بقبضة العقيد رياض تمسك بي، تشجعني. اجتاحني تيار قوي. وقفت أول الجسر. نظرت إلى محمود، سألته: "من أي جانب رمى عامر نفسه؟"
دلّني على المكان حسبما عرفه من الذين أخبروا عنه. لم أرِد أن تراني أمي. خلعت على عجل قميصي وحذائي، وقد حدّدت في بوصلة دماغي طريقة الإنقاذ وعرفت كيفَ وأينَ أجده. فلطالما كنّا نختبئ في واحدة من تلك الجوَر العميقة البعيدة التي تخلّفها أصابع الديناميت. أتذكّر كيف كنت أحذّره من التفاف تلك الأعشاب الطويلة حول ساقيه في كل مرة نختبئ فيها بتلك الحفرة أو بغيرها.
تحت ضوء المساء الهابط، بينما أخذ النهر كعادته يعكس ضوء السماء انتبه الجميع أنّ شيئاً ما سقط في الماء، وأثار ضجّة وسط صمت جنائزي لا يَعرف أحد نهاية له. نظرتْ الأخوات الثلاث في وجوه بعضهن بعد أن فسّر أحدهم سبب الضجة: "قفز متعب في النهر من فوق الجسر". ضربت على صدرها وتساءلت أمي، وهي تشد أختيَّ "نسيبة وفرات" إلى حضنها:
"يا ويلي، متى جاء أخوكما من السفر؟ من أخبره!"
بينما كنت أتجاوز حرم الجسر تحت الماء إلى ركن أعرفه جيداً وأتملّى جوف النهر وصمته المخيف، هنا حيث تقبع مراهقتي وأولى أيام شبابي.
كانت خالتي "أم غسان" تغوص حتى ركبتيها في النهر وتصرخ بعالي الصوت:
"يا وليدي يعامر جاك ابن خالتك وربِيع عمرك متعب، لا تردّه خايب يُمّا". أبكت الجميع وهي في كلّ تخيلاتها المرعبة ما كانت تتصور أن وليدها لن يعود إليها حيّاً فهو لا يقلّ شأناً عن ابن خالته في أن يكمل دراسته الجامعية. أمّا "رحاب" فقد غاصت في رعبها حتى أذنيها حين سمعت أن حبيبها رمى نفسه في النهر. كانت تحبني وتأمل يوماً أن أحبّها.
هامت عينا "أم غسان" (ساهمتين في المكان تحملقان ) في وجوه النّاس تارة وفي الماء تارة أخرى مع لطمٍ رتيب يرافقه أنين وبريق مجنون يشعّ في عينيها. فثمّة ضوء غريب في فضاء مخيلتها رأته يحوم في الهواء حولها وحول الواقفين.
انتبهت كأنّما استنشقت رائحته أو رأته خيالاً فتابعَتْ بما يشبه الهمس: "هاي ريحة عامر، لااا، هذي روحه، روح عااامر جَت ترمي السلام على أمّو، يابَعد أمّك".
يتراءى لها عامر عبر ضباب المساء، تمدّ يديها الاثنتين نحوه لتحتضنه: "هلا بيك يَعامر، أنا شايفة وجهك يا حبيب أمك، تعال بحضني". وحين لا توفق في الإمساك بخطوط وجهه تحاول المسكينة لمسه من جديد في فضاء العتمة ثم تضحك وتنوح من جديد: "شوفوا ضحكته وبريق عيونه. انتبه يُمّا ترى ابن خالتك صار يمّك. تعال ويّاه، لا تكسفني يَوْليدي".
همست "هديل" لأمي: "يمّه، ترى خالتي جنَّت".
ردّت أمّي مرعوبة، وعيناها مسمّرتان في المكان الذي رميتُ فيه نفسي: "اسكتي يُمّا، الله يكون بعونها، عامر خلاص، راح مع الغوالي الراحوا". كنتُ، مثل رمحٍ راح يخترق الماء بلا رحمة. بعض الفضوليين من أهل المدينة توقّعوا خروجي خالي الوفاض قائلين:
"لن يكون هذا الغـرّ أشطر من رجال الإطفاء" ناسين أنَّ نصف سنواتي التي قضيتها في المدينة، عشتها تحت الماء مع عامر، نجوس قاع النهر شبراً بشبر.
لنا مخابئ وأسرار لا يدركها حتى رجال الإطفاء. بكل حالات الإنقاذ لم أفشل بواحدة منها، فهل ستكون هذه مخيبة للآمال؟ كيف سيقبل بذلك القدر؟ وعامر ابن خالتي وتوءم روحي!
كان محمود غائصاً حتى عنقه في الماء، يتابعني، والقلق يحرّق أعصابه في اللحظة التي كنت فيها قريباً من هدفي. نعم، وجدت ضالتي ملتفّة مخنوقة بأعشاب الماء، وعِرق العرمط يمسك بشَعره، رأسه كله، وكأنَّ أمّي كانت تحاكيه بقصيدها (ويا عِرج لا تكظب شعَرْهم) يد عامر كانت ممدودة لأعلى تحاول إمساك حبل نجاة رسمه آخر خيوط الشمس قبل المغيب. بهمّة مقاتل حرّرتُ الجثة من قيودها. حملتها وقد بدأ نفَسَي يضيق. داخلني شعور بأنّي هالك لا محالة. لكنّي وبآخر رمقٍ لي في الحياة شققت سطح الماء، وظهرتُ لآلاف العيون مارداً يسبح بذراع واحدة وبالأخرى يجرُّ زورقاً من لحم ودم. صدحت زغرودة مخنوقة بالدموع والحسرة، تبعتها زغاريد ونواح. محمود وغسان كانا أول المتلقّين، ما هي إلا ثوان حتى كان عامر مسجّى على الشاطئ. ارتميت جواره كالقتيل. وكان آخر إنقاذ أقوم به في حياتي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الـرقـة.. 2008

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار