يا خسارة فلوسك يا مصر

محمد حسين يونس
2021 / 2 / 13

في مدرسة المهندسين العسكريين .. كانوا بيعلمونا إن حقل الألغام الذى لا تحمية المدفعية .. أو المدرعات .. لا قيمة له .. لان العدو بيفك الألغام و يصنع ثغرات به .. دون مقاومة .. لذلك فقبل أن نرص الألغام كنا ندرس إسلوب حمايتها الدائم .
في حالة عدم حماية منشأ مثل خطوط المياة الذاهبة لمرسي مطروح .. أو خطوط البترول التي تخترق الصحارى .. فإن أسهل شيء أن يطلق عليها العربان أو السكان المحيطين الرصاص يحدثون بها فتحات .. و يستخدمون ما يتسرب منها
حدث هذا و يحدث بإستمرار .. خصوصا مع خطوط السكك الحديدية غير المحروسة .. فلقد سرق السكان المحليين الفلنكات و القضبان .. و عاد القطار .. من الواحات محمولا علي العربات .. هذا تكرر في خط من الوادى للبحر الأحمر أعتقد أنه قنا سفاجا .. فلقد سرقت القضبان . و لم يعمل الخط .
بناء مستشفي أو مدرسة أو مفاعل ذرى أو قصر للرئاسة .. أومقر للحكومة .. لا تنتهي تكاليفه عند حدود الإنشاء .. فإن مصاريف تشغيلة و صيانته ..إن لم تتوفر يصبح المكان خرابة في مدة زمنية قريبة.. إدخل إى مبني حكومي أو محكمة أو قسم بوليس و حاول تستخدم دورة المياة ..لترى ماذا فعل به الزمن نتيجة الإهمال في الصيانة .
إنه نفس ما حدث في الخط الأول للمترو بعد أن إنتهت فترة ضمانه بواسطة الفرنسيين ..لقد كان تغيير لمبة محروقة يحتاج لدورة مستندية عقيمة .. ثم لا يتحقق ..
السكة الحديد لها نفس القصة ..و شبكات التليفونات ..الأرضية التي تديرها الحكومة لا تختلف كثيرا ..
إذهب بشكل مفاجيء لمحطة توليد أو توزيع كهرباء أو محطة تنقية مياة الشرب أو معالجة مياة الصرف الصحي .. حتي الحديث منها و سترى العجب من إسلوب إدارتها أو صيانتها الذى يجعلها في النهاية خردة .. مثلما يقولون الان عن مصانع الحديد و الصلب أو الغزل و النسج .
تصور حضرتك حجم الميزانية التي ستنفقها دولة مفلسة مديونة علي صيانة مباني العاصمة الجديدة لتظل مستخدمة أو نضرة ..
و من الذى سيغطي ذلك الجهد المتخصص .. و ما مؤهلاته و خبرته .. أم أن الهيئة الهندسية ستقوم بالواجب .
لكي تدرك معني السؤال إذهب إلي محطات المترو العلوية في جسر السويس أو الهايكستيب ..التي فتحت منذ شهور قليلة و شوف المحطة إللي علي هيئة أسطوانة لامعة الغلاف .. إتوسخت قد إيه و إنطفت .. و أنها ستبقي علي حالها هذا لصعوبة تنظيفها و صيانتها ..و عدم وضع المصمم الإعتبار لظروف البيئه المحيطة .
أو شوف كوبرى المشاة اللي عملته بيتروجيت علي محور جوزيف بروز تيتو .. و كيف تصدع غطاؤة اللامع المبتكر لعدم صيانته و أصبح منظره قبيح .
أغطيات غرف التفتيش الزهر التي لا تحرس أو تصان تسرق و تتحول إلي بؤر خطورة .. سيحدث نفس الشيء لمصاعد ناطحات السحاب الحكومية في المدن الجديدة .
نظام مقاومة الحرائق إذا حدثت في الدور الخامس و العشرين .. هل مخطط أن تترك لأيام حتي تنهي النار علي المبني أم ستنفق الحكومة علي صيانتها و توفير قطع الغيار فلا تتكرر حريق الأوبرا و قصر الجوهرة و البرلمان
هناك فارق .. بين أن تقيم متحفا .. و تقيم معرضا .. الأول سيبقي لمئات السنين فيجب أن يكون متزنا و قويا و قادرا علي المحافظة علي ما به من ثروات .. الأخر عليه أن يكون جاذبا للنظر مبهرجا و مش مهم قوته لانه سيرفع بعد أسابيع قليلة .
نحن نصنع مبانينا ( كوبرى المشاة أو الكوبرى المعلق فوق النيل ..و محطة المترو و مسلة و كباش ميادين التحرير ) ومباني العاصمة الجديدة و العاصمة الصيفية بإسلوب المعارض رغم أنه يجب أن تكون ثابته كالمتحف
السادة المسئولين أى كانوا .. يبنون المباني الحكومية و العامة بإسلوب المعارض المؤقتة المزخرفة الملفته للنظر بالألوان و الإضاءات و فرقعات الالعاب النارية .. إنظر لسور الكلية الحربية وبالوناته المزخرفة .. ألمطل علي شارع العروبة .. او الحدائق الوسطية للشارع في نفس المكان .. أو سور نادى الضباط الذى علي شارع الطيران في مدينة نصر ..لتعرف كيف تنفق الأموال علي حليات غثة لا تصمد للبيئة و الزمن..ثم يحزنون عندما تتسخ و تتشوه و تهجر و تخرب .. و تصبح مكبا للنفايات . .لانه عادة لا تتوفر الأموال التي ستخصص لحراستها ولصيانتها ..و جعلها تضوى و نظيفة
في بلاد الواق الواق .. توجد ميزانيات وشركات متخصصة للصيانة و الإدارة .. و الوقاية .. وفي بلاد الذهب الأسود يؤجرون من يعرف كيف يحافظ لهم علي ثروتهم العقارية و خدماتهم الحديثة شديدة التعقيد و يدفعون الكثير
.. في بلدنا - كما هي العادة - سنحيل الموضوع لمجموعة من الضباط معدومي الخبرة ..كما حدث عند إنتهاء فترة ضمان و صيانة و تشغيل الشركة الإيطالية لمحطة معالجة الصرف الصحي بالجبل الأصفر
فهي عندما إستلمتها وزارة الإسكان من الطلاينة ..كان ملفتا أن الشركة الحكومية التي أدارتها بها أعداد كبيرة من اللوءات و الضباط الذين إختارهم الوزير محمد إبراهيم سليمان بنفسة.. لا يدرون ما معني التشغيل أو الصيانة أو حتي إسلوب عمل محطات الصرف الصحي ..
المديرون الجدد تخلصوا من المهندسين المتخصصين و من الخبراء الأجانب لانهم تكلفة زائدة .. و أصبحوا يديرونها بشوية صنايعية .. و ملاحظين .. فكادوا أن يكهنونها في عدد من السنين لا يزيد عن عقد .. ولم ينقذها منهم إلا وفاة رئيسهم و تولي أخر أبعد اللواءات عن الإدارة و سلمها لمهندسين شباب من المدنيين أكثر إستيعابا للغة العصر
إيدى علي قلبي .. عندما (سيجرب) لون المظلات اللي متركبة علي واجهة البرلمان الجديد و تسقط عليها الأمطار فتختلط بالتراب .. و تمتليء الحليات بالرمل و يصعب صيانتها ..و تذبل المزروعات و يجف النهر الأخضر .. و يتحول إلي مقلب قمامة ..
حقا سأكون في قبرى .. و لكن من سيعيش منكم سيقول .. كان ليه حق ..حقل ألغام من غير صيانة وحراسة لا يحمي . و غيط مش واقف عليه صاحبة .. حيتسرق محصولة . . و مدينة حديثة بدون إنفاق علي صيانتها ستتحول لعشوائيات .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول