الولاية القضائية للمحكمة الجنائية على الأراضي الفلسطينية تفتح الطريق للتحقيق الجنائي عليها.

علي أبو هلال
2021 / 2 / 12

الولاية القضائية للمحكمة الجنائية على الأراضي الفلسطينية يفتح الطريق للتحقيق الجنائي عليها
* المحامي علي ابوهلال
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية يوم الجمعة الماضي الخامس من شهر شباط/ فبراير الجاري، قرارا يقضي بأن المحكمة لها ولاية قضائية على الأراضي الفلسطينية ما يمهد الطريق للتحقيق في جرائم حرب فيها، ويعتبر هذا القرار التزاما بالنظام الأساسي للمحكمة وخاصة المادة (12) فقرة (أ) وحيث أن دولة فلسطين قد انضمت للمحكمة وأصبحت عضوا فيها منذ الأول من نيسان سنة 2015، فان الولاية القضائية للمحكمة تشمل إقليم دولة فلسطين، وتمارس المحكمة اختصاصها على إقليم تلك الدولة الطرف في المحكمة.
وهذا ما أكدته الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية في قرارها بشأن طلب المدعية العامة فاتو بنسودا بشأن الولاية القضائية الإقليمية على فلسطين، حيث قررت بالأغلبية أنّ الاختصاص الإقليمي للمحكمة يشمل الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وهي غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، على اعتبار أنّ فلسطين دولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقالت الدائرة التمهيدية الأولى في نص قرارها إنّ المحكمة الجنائية الدولية ليست مختصة دستورياً بالبت في شؤون الدولة بشكل ملزم للمجتمع الدولي. ورأت الدائرة أنه وفقاً لنظامها الأساسي فإن عبارة "الدولة التي وقع السلوك المعني في أراضيها" الواردة في المادة 12 (2) (أ) من النظام الأساسي تُشير بالضرورة إلى دولة طرف في نظام روما الأساسي. وأكّدت الدائرة أنّ فلسطين وافقت حكماً على إخضاع نفسها لشروط نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وأنّ لها الحق في أن تُعامل مثل أي دولة طرف أخرى في الأمور المتعلقة بتنفيذ النظام الأساسي.
وأشارت الدائرة التمهيدية الأولى أن قرار 67/19 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وغيره من القرارات ذات الصلة قد "أكد من جديد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال على أراضي دولة فلسطين المحتلة منذ العام 1967". وعلى هذا الأساس، وجدت الأغلبية المؤلفة من القاضية رين أديلايد صوفي ألابيني غانسو والقاضي مارك بيرين دي بريشامبو أنّ الاختصاص الإقليمي للمحكمة في الوضع في فلسطين يمتد إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، وهي قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. بالإضافة إلى ذلك، وجدت الدائرة بالأغلبية أن الحجج المتعلقة باتفاقيات أوسلو، وبنودها التي تحد من نطاق الولاية القضائية الفلسطينية، هي أمور ليست ذات صلة بالفصل في مسألة الاختصاص الإقليمي للمحكمة على فلسطين. وقالت إنّ هذه الأمور وغيرها من المسائل الأخرى المتعلقة بالاختصاص يمكن النظر فيها عندما يقدم المدعي العام طلباً لإصدار أمر بالقبض على أشخاص أو استدعائهم للمثول.
في حين ألحق رئيس الجلسة القاضي بيتر كوفاكس رأياً مخالفًا جزئياً، حيث لم يوافق على أنّ عبارة "الدولة التي وقع السلوك المعني على أراضيها" الواردة في المادة 12 (2) (أ) من النظام الأساسي تنطبق على فلسطين، وأنّ الاختصاص الإقليمي للمحكمة في الحالة في فلسطين يمتد بطريقة شبه تلقائية ودون أي قيود إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، وهي قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. علماً أن الأراضي الفلسطينية المحتلة في الرابع من حزيران سنة 1967 ما زالت حسب القانون الدولي خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما أكدت عليه المدعية العامة بنسودا "أن للمحكمة الجنائية الدولية صلاحية على الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تشمل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة".
وكانت بنسودا قد طلبت من الدائرة التمهيدية الأولى التأكيد على أن الأراضي التي يجوز للمحكمة ممارسة اختصاصها فيها بموجب المادة 12 "2" (أ) تشمل الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة. وأشارت مجدداً إلى انه بموجب المادة 53(1) من نظام روما الأساسي، فان نطاق اختصاص المحكمة الإقليمي يشمل الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة. ويعتبر طلبها من الدائرة التمهيدية ملزما لها قبل الشروع في التحقيق في الجرائم المرتكبة في إقليم دولة فلسطين وفقا للنظام الأساسي للمحكمة. وهكذا فقد حسمت الدائرة التمهيدية في قرارها التزامها بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية، رغم الضغوطات الدولية التي تعرضت لها، وخاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وغيرها من الدول الصديقة لدولة الاحتلال، وكان قرارها صائبا ومتفقاً تماما مع النظام الأساسي للمحكمة.
هذا القرار الهام الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، بأن اختصاصها الإقليمي يشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، يفتح الطريق نحو البدء بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبت على هذه الأراضي من قبل قادة الاحتلال وقواته العسكرية والأمنية ومستوطنيه، وتشمل هذه الجرائم وفقاً لنص المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة: جرائم الإبادة الجماعية – جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان، لكن هناك تحديات كبرى تعترض البدء في التحقيق، ومن ضمنها استمرار الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية، لمنع المحكمة من مواصلة هذا الطريق، بما في ذلك إمكانية لجوء الولايات المتحدة، لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، لتأجيل البدء في التحقيق لمدة اثني عشر شهرا قابلة للتجديد مرة أخرى، بموجب المادة (16) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تنص على " لا يجوز البدء أو المضي في تحقيق أو مقاضاة بموجب هذا النظام الأساسي لمدة اثني عشر شهراً بناءً على طلب من مجلس الأمن إلى المحكمة بهذا المعنى يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة , ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها".
ربما لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحصل على قرار من مجلس الأمن في هذه الوقت بالذات، لتأجيل التحقيق بموجب المادة ( 16) لأن هذا يقتضي الحصول على أصوات 9 أعضاء من مجلس الأمن، بما فيهم أصوات الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، وذلك لما يثيره هذه القرار من خلافات بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى، مما يحول دون تمرير هذا القرار، وهذا سيكون في صالح المحكمة لمباشرة التحقيق في الجرائم المرتكبة على الأرضي الفلسطينية المحتلة، وذلك إن نجحت المحكمة في مقاومة الضغوطات السياسية والمالية وغيرها من الضغوطات، التي ستمارسها كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية عليها لتمنعها من المباشرة في التحقيق.
القرار الهام الذي أصدرته المحكمة القاضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية، قد اتخذ رغم الضغوطات التي لا تزال تمارس عليها، وهذا ما يفتح الطريق نحو مباشرة التحقيق في جرائم الاحتلال التي ترتكب في عموم الأراضي لفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، التي تشمل القدس المحتلة، وقطاع غزة، والضفة الغربية، باعتبار أن هذه الأراضي هي إقليم دولة فلسطين التي أصبحت عضوا وطرفا في المحكمة منذ الأول من نيسان عام 2015. ونؤكد أن اختصاص المحكمة بالتحقيق في هذه الجرائم، ومحاكمة مرتكبيها، يبدأ منذ أن أصبحت فلسطين عضواً طرفاً في المحكمة، كما يشمل الجرائم التي ارتكبت أيضاً منذ عام 2014، لأن دولة فلسطين قد أودعت إعلانا في المحكمة، تقبل بموجبه ممارسة اختصاص المحكمة على إقليم دولة فلسطين، بأثر رجعي يعود إلى تاريخ 13 حزيران/ يونيو 2014، لكي تتمكن المحكمة من التحقيق في الجرائم المرتكبة في العدوان على قطاع غزة عام 2014.
قرار المحكمة الجنائية الدولية بولايتها القضائية على إقليم دولة فلسطين، يحيي الآمال الفلسطينية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، حتى لا يفلت هؤلاء المجرمين من العقاب، وهي آمال طال انتظارها لسنوات طويلة، فهل تنجح المحكمة بتحقيقها، أم ستخضع للضغوطات التي لا زالت تمارس عليها لمنعها من ذلك، هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع المقبلة.
*محام ومحاضر جامعي في القانون الدولي.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول