هل نحن صنيعة فايروسات الفضاء (3-3): نظرية الكون الجرثومي

يحيى محمد
2021 / 2 / 11

المصدر الفضائي لنشأة الحياة وتطورها
لقد ارتكزت نظرية الكون الجرثومي على الكثرة الشائعة للحياة في الكون لتفسير ما عجزت عنه النظريات الارضية. فعمر الارض قصير، وبركها الدافئة ضيقة لا تكفي لنشأة شيء معقد للغاية كالحياة.
وكما اتضح ان الحياة لا تتولد الا من حياة قبلها كالذي اثبتته تجارب باستير، وهي بالتالي مدينة الى حياة فضائية سابقة. لذلك كان لا بد من اختيار النهج الاحصائي؛ ليس لتفسير تواجد الحياة على الارض فحسب، بل وتطورها ايضاً. فكلاهما يعتبر ذا مصدر فضائي. والامر مبرر، اذ لا تختلف المشكلة التي نواجهها في نشأة الحياة عن تلك المتعلقة بتطورها، وان من المفارقة الفصل والتفكيك بينهما كالنهج الذي يمارسه علماء التطور بمختلف مدارسه.
كما من المبرر له امكانية تعدد تطور الحياة فضلاً عن نشأتها استناداً الى تواصل الزخ الجرثومي الساقط على الارض من دون انقطاع.
لقد استنجدت نظرية الكون الجرثومي بالمذنبات التي تملأ الكون كبديل للفرضيات الارضية التقليدية. فقبل أن تتولد الحياة في أي مكان من مجرتنا كان بوسع المذنبات ان توفر تريليونات “البرك الصغيرة الدافئة” المسخنة بطاقة الانحلال الاشعاعي والمليئة بالمياه والمغذيات العضوية. وبحسب ويكراماسينج ان اعدادها الضخمة قد تقلص العقبة الاحتمالية للحياة. وكما أظهرت الدراسات الحديثة بان مذنباً بدائياً مثل تمبل1 (Tempel 1) من عائلة المشتري يمكنه ان يوفر بيئة مثالية لصالح (نظرية الطين) المتعلقة بأصل الحياة. فهو يحتوي على الماء السائل والطين وجزيئات عضوية بما فيها الهايدروكاربونات العطرية متعددة الحلقات. فمذنب بدائي واحد من هذا النوع هو افضل من جميع البرك الضحلة وحواف المحيطات الأرضية بمعامل قدره 104، حيث الأخذ بعين الاعتبار المقدار الاجمالي لمساحة سطح الطين للتفاعلات التحفيزية والنطاق الزمني لاستمرار كل موقع مناسب. ومع وجود 1011 مذنباً في سحابة أورت Oort cloud المحيطة بالشمس، فإن العامل المفضل على مجمل البرك الصغيرة الدافئة الأرضية يصبح ذا قيمة قدرها 1015، ومع توفر 1010 نجماً شبيهاً بالشمس المليئة بالمذنبات في المجرة بأكملها ، سيصبح مقدار العامل لصالح اصل الحياة المذنبة يساوي 1025.
وبلا شك ان بمجرد أن تبدأ الحياة في مذنب ما ضمن المجرة يجعل انتشارها أمراً لا مفر منه. حيث سيتم إطلاق الكائنات الحية الدقيقة الخاملة في ذيول الأغبرة المذنبة، ويتم دفعها بضغط ضوء النجوم حتى تصل إلى السحب بين النجوم.
واذا كان هذا التصور يجعل الحياة واسعة الانتشار في الكون؛ فانه يتطلب الحاجة الى كميات كبيرة من العناصر الاساسية التي تتألف منها، وعلى رأسها الكاربون. فاذا كانت الكتلة المتاحة للحياة لدى المؤسسة العلمية الرسمية وفق نظرية الانفجار العظيم تقدر بحوالي 10 40 غراماً فقط خلال (15-18) مليار سنة، فان الكتلة في نموذج الكون شبه المستقر كما يراه هويل سيجعل الحال مختلفاً، اذ فيه يتوسع الكون أضعافاً مضاعفة على مقياس زمني يبلغ مقداره 1000 مليار سنة، وهو يمر بذبذبات ينشأ في كل منها مادة جديدة، وتستمر العملية إلى الأبد على مقياس قدره 50 مليار سنة لكل ذبذبة.
كذلك ان ارتباط الحياة بالكاربون يضيف حاجة اساسية اخرى تتعلق بنواته، وتُعرف برنين الكاربون، حيث لا يمكن ان تنشأ الحياة من دون ان تكون هذه النواة في حالة مستثارة قصيرة العمر بطاقة محددة دقيقة هي (7.75 ميجا الكترون فولت)، كالذي تنبأ بها هويل في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، واقنع الفيزيائي النووي فاولر ان يبحث عنها في مختبره الاشعاعي لدى معهد كالفورنيا للتكنولوجيا. وفعلاً وجد الكاربون ضمن ذات التحديدات التي قدمها هويل بدقة، وبعد حوالي ثلاثة عقود حصل فاولر على جائزة نوبل عام 1983. اما هويل، المستحق الاخر للجائزة، فلم يرد ذكره لاعتبارات ربما تكون متعلقة بمزاج هيئة تحكيم الاكاديمية السويدية النافر من نظرية البانسبيرميا التي دافع عنها هويل بضراوة، كالذي تكهّن به محرر مجلة الطبيعة جون مادوكس.
هذا هو النهج الشمولي للحياة كالذي تطرحه نظرية الكون الجرثومي. اما البديل الذي يستعان به قبالها فهو فرضية الاكوان المتعددة. فمع العدد الضخم من الاكوان يمكن ان يحظى احدها على الاقل بالحياة صدفة. ورغم ان ويكراماسينج رأى ان هذه الفرضية جائزة، لكنه فضّل عليها اطروحته المعهودة لجاذبيتها من الناحية الفلسفية، حيث الاقتصار على كون واحد منفتح ودائم بشكل لا نهائي وفقاً للحالة شبه المستقرة التي اقترحها هويل. وقد اعترف الاول بتأثير الغريزة الثقافية التي تتضمن افتراض ان تكون الحياة دائمة من دون انقطاع، كما هو رأي البوذية مثلاً.
ويؤسف له ان هذا التحليل يشكل ارتداداً عما سبق ان توصل اليه هذا الباحث مع هويل في ان نشأة الحياة تواجه عقبة احتمالية لا علاج لها وفق المعايير الطبيعانية. فمن جانب ان عدد الاكوان الضخم، ومثله عمر الكون مهما بلغ، لا يكفي لنشأة الحياة من الناحية الاحتمالية، كما سنعرف. كذلك ان الغريزة الثقافية ليست جواباً على المشكل المطروح من الناحية العلمية او المنطقية.
ومن حيث التحليل ان ما قدمه ويكراماسينج من اعتبارات الكثرة الشائعة للظروف المثالية المناسبة لنشأة الحياة؛ لا يفي بتفسير هذه النشأة، لعدم امكانية تجاوز العقبة الاحتمالية. فكل ما يمكن ان تفسره هذه الكثرة هو امكانية انتشار الحياة، ومن ثم تبرير وجودها على الارض. وهي بالتالي من الشروط المناسبة لانتشار الحياة ونشأتها الارضية، لكنها لا تفسر أصل وجودها. فشرط الحياة شيء، وسبب وجودها الحقيقي شيء اخر مختلف. وهذا ما لم يميزه ويكراماسينج بوضوح. والا لما كان هناك معنى لتبرير حاجة الجينات والخلية الحية الى الذكاء للتخلص من العقبة الاحتمالية. اذ كان يكفي الاستناد الى كثرة شيوع الظروف المناسبة للحياة في الكون دون حاجة للذكاء، وهو منطق مشابه لما نصّت عليه نظرية الاكوان المتعددة.
وبعبارة ثانية، ان نشأة الحياة تحتاج الى عاملين، احدهما يمتاز بالشرطية، والاخر بالتوليد، وبدون اي منهما من المحال تكونها، وذلك كالتالي:
1ـ العامل الشرطي: وينص على ضرورة وجود كافة العناصر الاساسية المكونة للحياة، كالكاربون والهايدروجين وما اليهما، مع توفر الظروف المناسبة لها، كالماء والطين وبعض الاشعة وما اليها.
2ـ العامل المولّد: وينص على ضرورة وجود سبب يعمل على تفعيل العامل الشرطي الانف الذكر لتنشأ الحياة.
فوجود العامل الشرطي في حد ذاته غير كاف لتوليد الحياة، كما ان حضور العامل المولّد من دون توفر عناصر الحياة الاساسية وظروفها المناسبة غير كاف هو الاخر. وبالتالي فاحدهما بحاجة الى الاخر، كحاجة المادة للصورة وبالعكس وفق التصور الارسطي.
وليس في العامل الشرطي مشكلة، حيث لا يوجد حوله خلاف بين العلماء، انما المشكلة في تحديد العامل المولّد. ويمكن تصور اتجاهين لحل هذه المشكلة:
الأول: قد يتمثل العامل المولّد بالكثرة المستفاضة في توفر العامل الشرطي لتجاوز العقبة الاحتمالية، كالذي ابداه ويكراماسينج مؤخراً، او وفقاً لفرضية الاكوان المتعددة. وفي كلا الحالتين ان المعول عليه هو التفاعل العشوائي المنتج للحياة تبعاً للامكانات الصدفوية الواسعة التي توفرها الكثرة المستفاضة. لكن مع هذا تكشف الحسابات الرياضية ان ذلك لا يفي بتجاوز العقبة الاحتمالية كما سنعرف. رغم ان هذه الكثرة مهمة في توفير امكانية شيوع الحياة هنا وهناك؛ مما يتيح فرصة تفسير تواجدها على الارض عندما تعجز الفرضيات الاخرى عن التفسير. وهو المنطق الذي اعتمدته نظرية الكون الجرثومي.
الثاني: عوضاً عما سبق، قد يتمثل العامل المولّد بالذكاء، كالذي يجري فعله في الصناعة البشرية، حيث يتم توفير المواد الاولية للصناعة، ومن ثم يبنى عليها ما يراد صنعه بفعل الذكاء.
ولو عدنا الى اصل نظرية هويل وويكراماسينج، نجد ان نشأة الحياة على الارض لا تقبل التفسير الطبيعي. فوفقاً للحسابات الرياضية ان ابسط مستوى للحياة يحتاج الى تكوين معقد للغاية، ولكي يتكون عشوائياً عبر بركة الحساء الكيميائي ما قبل الحيوي فسيتطلب ان يصادف احتمالاً هو في غاية الضعف بما يفوق الخيال البشري. لذا اعتقد هذان الباحثان انه ليس في متسع الارض ان تولد مثل هذا التعقيد بالشكل الساذج الذي يطرحه العلماء. ولو حصل ذلك لكان معجزة خارقة لا توازيها معجزة اخرى. ووفقاً لحساباتهما ان نشأة ابسط خلية حية عشوائياً تحتاج الى احتمال يبلغ من الضآلة بحوالي 10-40000.

وقد شبّه هويل حصول ذلك باعصار يمر في ميدان من الخردة فتؤدي الفوضى فيه الى خلق طائرة بوينج 747 جاهزة للطيران. ووصف العلماء الذين يفكرون بان نشأة الحياة قد حدثت على الارض وسط حساء يتفاعل عشوائياً بانهم يمتلكون عقلية الخردة (junkyard mentality). او يمكن نعتهم بعلماء الخردة.
ان هذا المبرر لنشأة الحياة يصلح في حد ذاته ان يكون مبرراً للتطور وفق ما عرضته نظرية بيهي في قاعدة عدم الاختزال، خاصة وان هويل وويكراماسينج اعتبرا تطور الحياة، وليس نشأتها فقط، مديناً للمصنع الفضائي، ومن ثم من المحال ان يخضع التطور للتدرج الدارويني والانتخاب الطبيعي، فلأن الجينات بالغة التعقيد فانها تندّ عن ان تكون نتاج الارض، وهي بالتالي تتنزل من الفضاء باستمرار، ومع تراكمها في الكائنات الحية يحدث التطور القفزي. لذلك تم التمييز بين ما يعود الى الفضاء وما له علاقة بالارض، فالفضاء هو مصدر الجينات دون ان يكون للانتخاب الطبيعي سلطة على تكوينها وتطويرها، فهو يعمل كالمنخل لكنه لا يقرر ما هي الانواع التي يجب غربلتها في المقام الاول، اذ ذلك يعود الى الفضاء لا الارض.
ومعلوم ان الداروينية تدعي بان تراكم أخطاء النَسْخ، كما يحافظ عليه الانتخاب الطبيعي، يمكنه تفسير التنوع الغني للحياة والتقدم المستمر في التعقيد من البكتيريا إلى الانسان. وهو امر غير معقول عند اخذ اعتبار ان العملية التطورية تتطلب جينات مترابطة معقدة، وهي ذات معلومات غنية وجديدة قد تعمل على التطور دفعة واحدة بلا تدرج، فيما ليس بمقدور الداروينية تبيان الكيفية التي تتولد فيها هذه المعلومات. بل هنا نواجه ذات الصعوبة المتعلقة بأصل الحياة، اذ في كلا الحالين نواجه وجود الجينات الناشئة والغنية بالمعلومات، سواء من حيث النشأة الاولى للحياة او تطورها.
الفايروس عملة بوجهين
بحسب نظرية الكون الجرثومي، ثمة حاجة دائمة الى جينات من خارج الارض لقيادة العملية التطورية. وهو امر يقع على عاتق الفايروسات والبكتيريا، بل ان لهذه الجراثيم مسؤولية مزدوجة، احداهما تتعلق بمصدر الوباءات والامراض الجديدة التي نصاب بها، فيما تتعلق الاخرى بالقوة الرئيسة الدافعة للتطور، لا سيما الفايروسات الفضائية التي يُعزى اليها ذلك العمل المزدوج المتشابه الآلية.
ومعلوم انه عندما عرض هويل وويكراماسينج هذه الفكرة خلال الربع الاخير من القرن المنصرم تعرضا الى انتقادات قوية تتهمهما بالميل الى الخرافات البدائية.
الوجه الوبائي للفايروس
في ورقة بحثية نشرت في مجلة الطبيعةNature عام 1956، أبدى الفيزيائي ادوارد جورج بوين Edward George Bowen وجود صلة بين تواتر نوى التجمد في السحب التروبوسفيرية وزخات النيازك، وان هذه الزخات تحدث في أوقات منتظمة من العام عندما تعبر الأرض في مدارها البيضوي حول الشمس، حيث يواجه مسارها الغبار المتبخر من المذنبات، ومن ثم يسقط هذا الغبار من دوامات النيازك ويصل الى طبقة التروبوسفير خلال ثلاثين الى اربعين يوماً، وعندها يمكن توقع تساقط أمطار غزيرة. وقد اعتمد هويل وويكراماسينج على هذه المعلومة، فاعتبرا ان البكتيريا والفايروسات التي تحملها النيازك المذنبة الساقطة في طبقة التروبوسفير تكون بمثابة نوى تجميد للمطر، وان قطراته الساقطة تصبح مليئة بهذه الجراثيم.
ووفق هذين الباحثين ان كل الاوبئة الجديدة مصدرها الفايروسات الفضائية وبعض البكتيريا. فعندما تعبر الأرض درب جزيئات المذنبات المصابة تحدث الوباءات فجأة. فثمة حوالي 100 طن من المواد المذنبة تصل الى الارض يومياً، وانها تحمل الكثير من الفايروسات والبكتيريا التي تسبب الاوبئة. وتعتبر العدوى الاولية الصادرة من غبار هذه المذنبات اقوى فتكاً من العدوى الانتقالية عبر الاشخاص. فهذه الاخيرة تنخفض ضراوتها بالتدريج حتى تفقد مفعولها تماماً.
ان الفايروس هو جسيم صغير يشكل قطعة من الحامض النووي الدنا DNA او الرناRNA ، وفي معظم الحالات يكون محاطاً بغلاف من مادة بروتينية مزدوجة الطبقات. وله أشكال هندسية منتظمة، الشائع منها يمتاز بمادة صلبة لها عشرون وجهاً مثلثياً، وتبرز من زوايا هذه المادة مسامير هي امتدادات لقشرة البروتين التي تساعد الفايروس على التشبث بالخلايا المناسبة لانواع محددة ضمن علاقة شبه تآمرية. اذ يعلق الفايروس نفسه بمواقع محددة على سطح الخلية المضيفة، ثم يتم غمره وامتصاصه داخل الخلية. وبعد ذلك تشرع الخلية المضيفة في تجريد الفايروس الغازي من غلافه البروتيني الخارجي، ثم تأخذ تعليماتها منه كما في الشكل التالي: “أوقفي ما تفعلينه وأنتجي المزيد من الفايروسات مثلي!”. وتنصاع الخلية لهذه التعليمات على الفور. وأخيراً، تنفجر الجسيمات الفايروسية فتدمر الخلية ويتسبب الحال باصابة الخلايا المضيفة الأخرى بالجزيئات الفايروسية التي يتم إطلاقها.
وسبق ان تم وصف سلوك الفايروس عندما يصيب خلية المضيف في كتاب (نزلات البرد The Common Cold) لكريستوفر أندروز عام 1965. فجاء فيه: ما يحدث عندما يصيب الفايروس خلية هو ان جزءاً من بروتين الفايروس يقوم بإجراء اتصال محدد مع شيء ما على سطح الخلية. ثم تبتلع الخلية الفايروس أو تحمله داخلها. وقد يتم ابتلاع الفايروس بالكامل، كما قد يحافظ على الحامض النووي الاساسي مع ترك الغلاف البروتيني خارج الخلية. وفي كلتا الحالتين يكون جزء البروتين من الفايروس قابلاً للاستهلاك ولا يلعب أي دور آخر. في حين يعمل الحامض النووي الفايروسي على ارشاد الخلية بطريقة شريرة. فمثلاً لو أن الفايروس مختص باصابة خلية بطانة الأنف؛ فسوف يحدد تعليماته على النحو التالي: “توقفي عن تجهيز المكونات اللازمة لصنع المزيد من خلايا الأنف. من الآن فصاعدًا، استخدمي ادواتك الكيميائية لصنع المزيد من نسخ الأحماض النووية الخاصة بي”. وحينها ليس بمقدور الخلية ان تفعل شيئاً سوى الانصياع لهذه التعليمات والاوامر المستحدثة. وتؤدي العملية الى انتاج الكثير من الفايروسات مع استنفاد الخلية تماماً حتى الموت. وعندها تنطلق الفايروسات لتصيب المزيد من خلايا المضيف؛ فيحدث الالتهاب وسكب السوائل والعطاس حتى يحين وقت آليات الدفاع ان تقوم برد فعل معاكس.
وتتصف الفايروسات بالانتقائية بشأن نوع الخلايا التي تهاجمها، وهو ما جعل المؤسسة العلمية ترى ان هذه الميزة دالة على انها ذات منشأ ارضي. والا كيف يتاح للفايروس ان ينتقي ما يراه مناسباً من الانواع والخلايا دون غيرها اذا ما كان خارجي المنشأ؟!. في حين طبقاً للتفسير التآمري الذي تتبناه نظرية الكون الجرثومي ان ذلك يحصل بالتوافق الحميم بين الفايروس والخلية.. اذ يختار فايروس معين، مثل فايروس الانفلاونزا، ليهاجم عدداً قليلاً من انواع الكائنات الحية، وكذلك مجموعة فرعية من الخلايا داخل النوع الواحد. ويجري التعرف ليس فقط من قبل الفايروس ذاته، بل من الخلايا المضيفة التي يهاجمها الفايروس ايضاً. فإذا كانت جيناتنا تحتوي على فايروسات من نوع مماثل فهذا يشير الى وجود تفاعل طويل ومتواصل مع فايروسات تاريخنا التطوري الممتد على مدى مليارات السنين. فمثلاً يأتي فايروس الانفلاونزا ليبحث عن الأنواع التي سبق لسلالات اجدادها ان دمجت جوانب معينة من نفس الفايروس منذ ملايين السنين. في حين ان هذه العملية تعتبر لدى النظريات القائمة على النشوء الارضي امراً محيراً.
لكن ما الذي يجعل جهاز المناعة يسمح بدخول الفايروسات الى اعماق الكائن الحي رغم انها مضرة؟
هذا ما اجاب عنه ويكراماسينج من حيث اعتبار ذلك مطلباً تطورياً، فجهاز المناعة يقوم بالمسح الدائم للوافدين الجدد وفقًا للاحتياجات الخاصة لغرض استيلاء الجينوم على أي شيء قد يكون ذا قيمة تطورية، فإذا كان الفايروس يحمل وعداً بأنه مفيد للمضيف فسوف يُسمح له بالولوج داخلاً، في حين يتم استبعاد ما لا تبدو فيه فائدة.
لقد منح هويل وويكراماسينج اهتماماً خاصاً بمرض واحد هو الانفلاونزا، حيث يرتبط بها العديد من الجوانب المحيرة التي لم تجد تفسيراً لدى العلماء. ومن وجهة نظرهما هو ان هناك ما يدل على انها لا تنتقل في الاساس بالعدوى، بل بالغزو الفايروسي القادم من الفضاء عبر الرياح والضباب الشتوي. واستشهدا على ذلك بما اكده عالم الاوبئة تشارلز كريتون خلال القرن التاسع عشر، كما في كتابه (تاريخ الأوبئة في بريطانيا) عام 1891، بان الانفلاونزا هو (ضباب خانق miasma) ينزل من فوق الأرض وليس مرضاً يلزم انتشاره من شخص لآخر، بدلالة الاصابة به عند الجماعات المتباعدة في الوقت ذاته. وبحسب ويكراماسينج انه إذا استبدل المرء عبارة (الضباب الخانق) بعبارة (الغزو الفايروسي من الفضاء)، فسيصبح الوضع مماثلاً لتلك التي توصل إليها مع هويل عام 1977. لكن ما ساد فعلاً لدى المؤسسة العلمية الرسمية هو اعتبار الانفلانونزا - وغيره من الامراض المعدية - مجرد حوادث ارضية.
ان ما يؤيد الفكرة السابقة لنظرية الكون الجرثومي اجتياح الانفلاونزا لمناطق شاسعة من العالم خلال فترة وجيزة قبل حدوث السفر بالطيران الجوي، كالذي حدث خلال عامي (1889-1890) والتي استقطبت اهتمام كريتون، ومثل ذلك جائحة الانفلاونزا الاسبانية خلال عامي (1918-1919)، وهي من اقوى الحوادث الدالة على قدوم الفايروسات المرضية من الفضاء، وقد علق عليها الكاتب لويس وينشتاين قائلاً: على الرغم من انتشارها من شخص لآخر في المناطق المحلية، فإن ظهور المرض برز في أجزاء متفرقة من العالم في نفس اليوم، وتم اكتشافه في بوسطن وبومباي في الوقت ذاته. في حين استغرق انتشاره بين أيام إلى أسابيع في مسافات قصيرة نسبياً، ومن ذلك انه استغرق ثلاثة أسابيع قبل أن يصل إلى مدينة نيويورك.
كذلك هو الحال مع فايروس وباء الجدري الذي تم الاستدلال على قدومه من الفضاء لكونه يختفي ثم يظهر خلال فترات زمنية طويلة، وليس من تفسير معقول لذلك سوى تكرر دخوله من الفضاء، حيث من الصعب القول بانه قد انقرض ثم اعيد تحوله الى شكله الاصلي بدقة من بعض الاجداد المجهولة بعد مئات السنين. وكذا هو الحال مع الطاعون الدبلي Bubonic plague الذي تسببه بعض البكتيريا، وغيره من الوباءات التقليدية المتعلقة بهذه الجراثيم.
كما وجد هويل وويكراماسينج ان هذه الحالة تنطبق على مرض جنون البقر الذي انتشر خلال التسعينات من القرن العشرين في بريطانيا ومن ثم تحول الى سائر الدول الاوروبية وغيرها. وفي عام 2000 كانت هناك ازمة تتعلق باستفحاله، فكتب الباحثان المشار اليهما رسالة الى صحيفة الاندبندنت، كشفا فيها كيف تظهر الامراض الجرثومية الجديدة غير المفسرة، ومنها هذا المرض، واشارا الى ان ذلك هو نتاج الضخ المتواصل لكائنات دقيقة بفعل المواد المذنبة التي تصلنا بعشرات الاطنان يومياً عبر طبقة الستراتوسفير.
وكان اول ظهور لهذا المرض عام 1986 في بريطانيا قبل ان يظهر في بقية الدول الاوروبية بسنوات عبر العدوى - على ما يبدو - دون ان يحمل ما يدل على ان سببه قادم من الفضاء الخارجي.
وعادة ما تكون امراض الجهاز التنفسي، ومنها الانفلاونزا، ذات طابع موسمي. وبحسب نظرية الكون الجرثومي فان فايروسات هذه الامراض تظل معلقة عالياً في طبقة الستراتوسفير لفترات طويلة ما لم يتم سحبها إلى أسفل الغلاف الجوي. وفي بلدان خطوط العرض المرتفعة يحصل هذا الاختراق بشكل موسمي، حيث يختلط الهواء العلوي والسفلي خلال أشهر الشتاء. لذلك فان موسم الإنفلاونزا النموذجي في البلدان الاوروبية يحدث بين ديسمبر ومارس، ويكون للرياح العاتية والثلوج والأمطار فعالية لمسببات الأمراض الفايروسية بالقرب من مستوى الأرض. وأن الضباب المستمر في فصل الشتاء ينذر بموجة من هذه الأمراض، نظراً لأن الطقس الضبابي يوفر للفايروس القادم أفضل فرصة للتشتت في شكل هباء جوي يمكن استنشاقه بسهولة بالقرب من مستوى الأرض. في حين لا تتوفر مثل هذه الفرصة عندما تكون البكتيريا والفايروسات نواة مكثفة ضمن قطرات المطر الساقطة.
وحيث تتعلق الفعالية الاقوى لهذه الامراض بالمناطق المرتفعة، لذا يكون لجبال الهملايا دور استثنائي في استقبال مثل هذه الجراثيم والامراض. وان اكثر بلد معرض لها هي الصين وجنوب شرق اسيا، فهي الاسرع والاسوء منطقة متضررة في العالم بسبب الارتفاع ووقوعها في اتجاه الريح. وهذا ما قد يفسر ظهور فايروسات الجهاز التنفسي الجديدة، مثل متلازمة التنفس الحاد المسمى بالسارس (SARS-CoV-2) عام 2002، فضلاً عن فايروسات الإنفلاونزا التي تظهر لأول مرة في الصين.
ان السارس هو احد الفايروسات التاجية المعروفة بالكورونا، وبينه وبين كوفيد-19 (Covid-19) الذي نعاني منه اليوم تشابه كبير. والاخير مثل الاول يعتبر لدى نظرية الكون الجرثومي ذا مصدر فضائي، وليس منبعه اسواق ووهان او مختبراته في الصين. وقد يكون منشأ حدوثه متعدداً لدى مناطق كثيرة من الارض كما يشير البعض الى ذلك رغم ان اكتشافه لأول مرة كان في ووهان.
وكان ويكراماسينج مع مجموعة من الباحثين قد استدلوا بعدد من الادلة على ان مصدر هذا الفايروس هو الفضاء، وان اصابة بعض مناطق الصين به لأول مرة لا علاقة له بما شيع من ان ذلك عائد الى الخفافيش ومنها الى الانسان عبر وساطة الثعابين التي يتغذى عليها الصينيون، بل لأن الصين معرضة اكثر من غيرها بالفايروسات الجديدة تبعاً لموقعها الجغرافي المرتفع، وهو ما سبق التأكيد عليه قبل الحادثة بسنوات طويلة.
وكان من اهم الادلة التي ذكرها الباحثون على المصدر الفضائي لجائحة الكورونا المستجد ما نشره الصحفي الفلكي طارق مالك من رؤية نيزك على هيئة كرة نارية ساطعة في سماء مدينة سونجيوان شمال شرق الصين يوم 11 اكتوبر عام 2019، اي قبل اكتشاف اول الاصابات بشهر تقريباً، وقد سجلت كاميرات المراقبة هذا الحادث، وقام طارق بنشر فيديو التسجيل بعد يومين من الحادث.
مع هذا فقد تم نفي وجود اي دليل يدعم فكرة ان يكون لمرض الكورونا او اي وباء اخر مصدر فضائي، خاصة مع استبعاد ان ينجو الفايروس من الإشعاع الذي سيتعرض له في مثل هذه الرحلة الطويلة عبر الفضاء. ووفقاً لعالم الأحياء الفلكي غراهام لاو، الذي يستضيف سلسلة (اسأل عالم فلكي) التابع لوكالة ناسا، ان هذه الحالة هي “واحدة من تلك الحالات التي تتطلب فيها الادعاءات غير العادية أدلة غير عادية.. وأنه سيكون اكتشافاً فريداً ورائداً بشكل لا يصدق إذا كان ما يقوله ويكراماسينج بهذا الصدد صحيحاً، لكنه ببساطة ليس لديه دليل يدعم ادعاءاته”.
بل اعتبر البعض ان افكار ويكراماسينج في هذا الشأن هي الى حد كبير تمثل علماً زائفاً او سيئاً.
الوجه التطوري للفايروس
يتخذ التطور الذي تتحدث عنه نظرية الكون الجرثومي طابع القفزات، كالذي تنبأ به هويل وويكراماسينج منذ عام 1982. فالجينات الجديدة لا تتطور عن سابقاتها كالذي تدعيه الداروينية، بل هي مستمدة من الفضاء، وعند تراكمها تحصل قفزة تطورية كبيرة. لذلك تم الاستعانة جزئياً بنظرية التوازن المتقطع العائدة الى عالمي التاريخ الطبيعي ستيفن جاي جولد ونايلز ايلدردج، حيث تمر فترات طويلة من الركود او التغير البطيء المفسّر تبعاً للتصور الدارويني والموصوف بـ (الصندوق المغلق). اذ تخضع العملية للتوارث الطويل الامد من دون توارد جينات خارجية، ثم بعد ذلك يتبعها تطور سريع مفاجئ لا يفسره هذا الصندوق، فهو قائم على ادخال مجموعات جديدة من جينات الفايروسات والبكتيريا الفضائية المفضية الى الطفرات المولّدة لانواع جديدة وانقراض انواع اخرى. ويعود الدور الرئيسي في قيادة هذه العملية الى الفايروسات.
ومن حيث التفصيل تجري عملية التطور عبر النقل الناجح للمعلومات الجينية من كائن حي إلى آخر، وهو لا يتحقق ما لم يحصل تعايش بين الدخيل والمضيف. وقد يكون الدخيل عبارة عن بلازميدات كقطع حلقية جينية من الاحماض النووية المنفصلة عن الكروموسوم البكتيري، كما قد يكون فايروسات أو بكتيريا. ومن ابرز الامثلة المفترضة على التعايش بين الدخيل والمضيف ما تمتاز به حقيقيات النوى الممتلكة للمايتوكوندريا أو البلاستيدات الخضراء، حيث اُفترض ان الاخيرتين كانتا من الكائنات الحية بدائية النواة قبل عملية الدمج التعايشي. كذلك ان للجينات الفايروسية قابلية على الاندماج في الكائنات الحية حقيقيات النوى، وقد افضت هذه العملية الى التطور المتسلسل حتى نشأتنا نحن البشر.
وبهذا تشكل الفايروسات الفضائية مصدراً رئيسياً لديناميات التطور الحيوي، مثلما انها المسبب الرئيسي للوباءات الجديدة. فهي مسؤولة عن الحالتين، ومفتاح لفهمهما معاً للتشابه بين آليتيهما، حيث يمثلان وجهين مختلفين لعملة واحدة، مثلما جاء في تعريف كتاب (الكون الذكي).
ورغم ان الغالب في عملية اندماج الفايروسات يفضي الى الامراض وعدم التأثير، إلا انها يمكن ان تعمل على تطوير الانواع من خلال الاضافة الجينية المناسبة بما تختزنه من معلومات لا تنضب. فهي تغزو كل مكان في الفضاء، وقد يصادف ان تعمل في حالات نادرة جداً على تغيير الكائنات من نوع الى اخر. فالكثرة الواردة في الكون تسمح بان تتحد بعض جينات الفايروسات بجينات الخلايا الحية فتجعل منها عاملاً للتطور. هذا بالرغم من ان عملية الاتحاد غالباً ما تؤدي الى اخفاقات واضحة، كما يفسر ذلك ان تاريخ الحياة البالغ حوالي اربعة مليارات سنة لم يحظ بالتطور الواضح الا منذ نصف مليار سنة ماضية فقط.
وكمثال نموذجي على العملية التطورية عبر الفايروسات الفضائية ما قدّمه هويل من تفسير لتحول الزواحف الى الثديات، كما في كتابه (الكون الذكي) عام 1983. فقد استعان بالمعلومة التي تفيد بان الحامض النووي (الدنا DNA) في الزواحف مجزّء الى قطع صغيرة أكثر بكثير من تلك الموجودة في الثديات، لذلك إذا تطورت الاخيرة من الاولى، فهذا يعني انه قد حدث تنظيف كبير للحامض النووي وتحويله إلى قطع أكبر أثناء هذا الانتقال، وهو تحول جائز ان يحصل بفعل التعليمات الواردة في جينات الفايروسات القادمة من الفضاء، مع اخذ اعتبار ان العملية قد اقترنت بالكثير من الكدح والاحباط. صحيح ان اغلب الفايروسات ليس بوسعها تأدية مهام التطور، وان الكثير منها ممرض، لكن منها ما يمكن ان يؤدي الى مثل ذلك التغيير الكبير عند التحام الفايروسات بجينات الزواحف، وتعمل العدوى الفايروسية على المساعدة في هذا التحول.
وثمة ما يدعم فكرة دور الفايروسات في التطور. ففي عام 2000 اكتشف فريق من العلماء جيناً غير مألوف في الجينوم البشري. وهو الجين المشفر لبروتين خاص يسمى سينسيتين syncytin، والذي يتم تصنيعه بواسطة بعض الخلايا في مشيمة الثديات، وضمن منطقة محددة هي المكان الذي تتصل فيه المشيمة بالرحم، حيث يندمجان معاً لتشكيل غشاء حيوي لنمو الجنين. والأمر اللافت للنظر هو ان هذا الجين ليس جيناً بشرياً نموذجياً، فهو يحمل كل السمات المميزة للجين الفايروسي. ومن ثم أظهرت دراسات حديثة أنه موجود في جميع الرئيسيات وليس البشر فقط. الامر الذي جعل ويكراماسينج يستنتج بأن الفايروس الناقل لهذا الجين قد أدى إلى ظهور الثديات المشيمية على كوكبنا.
وفي عام 2001 تم فك شفرة الجينوم البشري باكمله، ومن ثم أُكتشف العديد من اثار الاقدام الفايروسية القديمة في الجينوم. وقد يكون حوالي 5% من الجينوم مرتبط بطريقة ما بالتسلسلات الفايروسية. وترتبط مجموعة فرعية من هذه النسبة بالفايروسات القهقرية retroviruses الخاصة بالانواع . وبحسب ويكراماسينج ان الايدز هو أحد نماذج هذه الفايروسات، حيث يُظهر خط أجدادنا الذي قاد - من خلال الرئيسيات والثديات إلى الإنسان العاقل على مدى مئات الملايين من السنين - بقايا الهجمات الفايروسية المتكررة التي يُفترض أنها مشابهة للإيدز. وبقيت مجموعة صغيرة منها على قيد الحياة مخبأة في الجينوم البشري، مع التطور المناعي لتحمل هذا الشكل من بقايا الفايروس.
هكذا فنحن بحسب هذه النظرية نكون صنيعة فايروسات المذنبات، فلولاها ما وُجدنا. وقد ذكر ويكراماسينج مفاجئتين بهذا الصدد، احداهما أن العدد الإجمالي للجينات المشفرة للبروتينات في حامضنا النووي صغير جداً، فهو حوالي (20000-25000). ومن الغرابة ان اكثر من 90 بالمائة من هذا الحامض خامل لا يستخدم في صنع البروتينات ، وهو يُستنسخ من جيل الى اخر ومن خلية الى اخرى. ومعلوم انه منذ بداية السبعينات ولمدة اربعة عقود كان يُعتقد بأن هذه النسبة الكبيرة من الجينات هي بقايا أثرية من دون فائدة، وشاع وصفها ابتداءاً من عام 1972 بجينات الخردة، حتى تبينت أهميتها ووظائفها المختلفة عام 2012، حيث كشف مشروع انكود ENCODE (موسوعة عناصر الدنا DNA) عن وجود 80% من الجينوم يمتلك فوائد هامة متنوعة.
وكانت المفاجأة الثانية هي أن جزءاً كبيراً من الجينوم غير المشفر يتكون من مصفوفات ومتواليات واسعة تنتمي إلى الفايروسات القهقرية داخلية المنشأ، وهي فايروسات RNA التي تعكس نسخ حامضها الرايبي في DNA الخاص بالخلية المضيفة. لذلك تعتبر الفايروسات بمثابة مخزن للامكانات التطورية طويلة الامد.
لكن نتساءل اذا كانت الفايروسات ومثلها البكتيريا قادرة على السفر والوصول الى الارض، الى درجة انها تمثل اساس التطور البايولوجي، فلماذا لا نفترض ان بعض الكائنات التي لها قدرة على تحمل الظروف الجوية الصعبة هي الاخرى كان مصدرها الفضاء؟ بمعنى انها لم تتطور في الارض وانما في الفضاء الخارجي. وابرز مثال عليها حيوان بطيء المشية المعروف بدب الماء Tardigrade، ويصنف بانه شعبة يحتوي على اكثر من 1000 نوع. ويعود تاريخه الجيولوجي الى العصر الكمبري، منذ اكثر من 550 مليون سنة. وهو حيوان شبه مجهري تصل عدد خلايا بعض انواعه الى 40000 خلية، ومقسم الى رأس وثلاثة اجزاء جسدية، كما له اربعة ازواج من الارجل. ويقال انه الحيوان الوحيد الذي يتحمل الظروف المتطرفة، فقد تم العثور عليه في كل مكان في المحيط الحيوي للأرض، من قمم الجبال إلى أعماق البحار والبراكين الطينية، ومن الغابات الاستوائية المطيرة إلى القطب الجنوبي. كما انه قادر على البقاء في الظروف القاسية، مثل التعرض لدرجات الحرارة القصوى، والضغوط الشديدة (العالية والمنخفضة)، والحرمان من الهواء، والإشعاع والجفاف والمجاعة، كما انه يتحمل التعرض الى الفضاء الخارجي.
ولعل من الممكن حل مشكلة الانفجار الكمبري عبر هذا الحيوان وما شاكله دون التعويل على ربط تطور هذه الحقبة بما قبلها. ولو تم العثور على عدد من الحيوانات التي تتحمل الظروف المتطرفة لكانت فرضية الاصل الفضائي لتطور الحيوانات مدعمة بهذه الحجة.
ومن ذلك لو ان الباحثين وجدوا في المستقبل ما يدعم قدرة جملة من الحشرات والمفصليات على العيش في الفضاء، لكان ذلك مؤشراً على تفسير ظهورها في بعض المواسم واختفائها في مواسم اخرى وهكذا باستمرار. ومعلوم ان التفسير المعول عليه هو الهجرة عبر الرياح او الاختباء والسبات.. وبلا شك ان بعضها قادر على السبات بالفعل.
ويؤيد هذا المعنى ان بعض الحيوانات يمكنها ان تحمي نفسها ببدلة النانو كدرع آمن في الفراغ التام لبعض الوقت، كالذي يتبين عندما تتعرض حشرات البق bugs الى الالكترونات الصادرة عن المجهر الالكتروني واشعة البلازما. اذ عادة ما تفرض عينات التصوير بهذا المجهر ظروفاً مميتة للكائنات الحية، مثل الفراغ العالي. لكن الإلكترونات المستخدمة في إنشاء الصور قد يكون لها تأثير وقائي. اذ وجد الباحثون أن شعاع المجهر الإلكتروني الماسح يمكن أن يحول طبقة رقيقة تحدث بشكل طبيعي على يرقات بعض الحشرات، كذبابة الفاكهة والذبابة الزرقاء (Protophormia terraenovae) ونحل العسل الياباني (Apis cerana japonica)، وحتى يرقات الخنفساء والقراد.. يحولها إلى نوع من بدلة الفضاء المصغرة التي يمكن أن تبقي الحيوانات على قيد الحياة في فراغ لمدة تصل إلى ساعة.
لذلك ما يدرينا، لعله يأتي يوم يتبين ان للكثير من الحيوانات طريقاً آمناً للانتقال من الفضاء الى الارض بسلام عبر بعض الدروع الواقية، مثل تلك التي سبق ذكرها!
ويدعم هذه الفكرة انه في عام 2013 اعتقد فريق من الباحثين البريطانيين من جامعة شفيلد أنهم وجدوا أول دليل على وصول الحياة إلى الأرض من الفضاء، فقد ارسلوا منطاداً الى طبقة الستراتوسفير وعند العودة شاهدوا كائنات حية كانت أكبر من أن يمكن نقلها من الارض الى تلك الطبقة. وقال البروفسور ميلتون وينرايت، الذي قاد الفريق، إن نتائج هذه التجربة يمكن أن تكون ثورية، بحيث تغير نظرتنا الى علم الاحياء والتطور تماماً. اذ يمكن استنتاج أن الكيانات البايولوجية نشأت من الفضاء، ومن ثم فالحياة تصل باستمرار إلى الأرض من الفضاء دون ان تقتصر على هذا الكوكب.
ولعدم قدرة تحمل الحيوانات للظروف المتطرفة عادة؛ قد يكون من السابق لأوانه القول بان فرضية قدومها من الفضاء يمكنها ان تفسر ما يعرف بمطر الحيوانات، كصغار الاسماك والضفادع، وهي من الظواهر الغريبة المحيرة. فالفرضية المرجحة حالياً ترى ان الاعاصير المائية هي من تقوم برفعها الى فوق ومن ثم تسقط بعيداً. وقد نُقدت بانها لا تفسر لماذا يقتصر الاعصار الواحد على نوع واحد فقط من المنطقة التي تحتوي على انواع كثيرة من الحيوانات المائية المماثلة له في الصغر والخفّة؟ فقد يقتصر المطر على الاسماك الصغيرة فقط، او على الضفادع الصغيرة فقط.. علاوة على ذلك، ان الاعصار لا يقوم بحمل الاشياء الى فوق لتسقط فيما بعد، وانما يقوم بقذفها الى الجوانب المختلفة.
الجمع بين الخلق والتطور
يحمل هويل وويكراماسينج نزعتين متضادتين، فهما يجمعان بين الخلق والتطور، وبذلك خالفا مزاعم كل من التطوريين والخلقويين، ورأيا ان وحدة الخلق تتمثل في الجينات التي مصدرها الفضاء، وهي ما تمثل اصل الحياة التي يرتكز عليها التطور القفزي. فامكانات الحياة تعتبر كونية فضائية فيما ان تحقيقها ارضي.
إن الحياة بالمعنى السابق تختلف عن تلك التي يتصورها الباحثون عن الذكاء خارج الأرض (SETI). فالاخيرون يعتقدون ان الحياة الارضية ذات منشأ أرضي، وانها تتشابه مع اي حياة غيرها تتحقق في كواكب اخرى من الكون، وهي عملية مستقلة ضمن جيوب معزولة بين النجوم. في حين تعبر الحياة لدى نظرية الكون الجرثومي عن كل متماسك تم تطويره من مجموعة واحدة من الجينات الكونية. فالحياة ظاهرة شمولية قد تكون اكثر جوهرية من الكون نفسه، فهي منتشرة بكائناتها الدقيقة من البكتيريا وما شاكلها في كل مكان. اما اصلها فلا يفسر طبيعياً من خلال البداية العشوائية والقوانين المادية المألوفة، بل لا بد من وجود ذكاء خارق. ومن المحتمل – كما يرى هويل - انه تم التعرف عليه من قبل الغريزة الدينية المسكونة فينا جميعاً.
ان اصل الحياة لدى هويل معني غالباً بمسألة ترتيب الذرات في هياكل وتسلسلات محددة للغاية، الامر الذي يستدعي الذكاء، اذ يعبر الاخير عن توليد النظام من الفوضى، خلافاً للعمليات الفيزيائية التي تذهب الى العكس، اي تحويل النظام الى الفوضى عبر القانون الثاني للثرموداينمك. لذلك لم يقدّم هذا الفلكي اي آلية تفصح عن تكوين الجينات ونشأة الحياة الفضائية، والامر مبرر اذ اوعز العملية الى عنصر الذكاء والتخطيط الغائي. ومعلوم انه عند اسنفاد البحث في الآلية يبدأ البحث في الغائية.
والحياة بهذا المعنى تتطلب كميات ضخمة من المعلومات، ومصدرها الذكاء لا العمليات الفيزيائية والكيميائية. ومن ثم لا يستبعد ان يكون محتواها مدفوناً بعمق في بنية المادة الجسيمية دون ان يتم اكتشافها بعد.
وسبقت الاشارة الى ان هويل قد تنبأ خلال الخمسينات من القرن العشرين برنين الكاربون وفق حساب دقيق بدونه لا يمكن للحياة ان تنشأ، ووظّفت هذه الحالة ضمن ما اطلق عليه فيما بعد (المبدأ الانثروبولوجي الضعيف).
لقد ميز هويل بين نوعين من الذكاء: خارق ومفارق. واعتبر الاخير هو ما تتبناه الاديان التوحيدية المعروفة كاليهودية والمسيحية والاسلام، والتي تجعل الاله خارج نطاق الكون، في حين تتبنى الاول اديان اخرى مختلفة قديماً وحديثاً، حيث لا ترى الاله مفارقاً للكون والطبيعة، مثل إله براهما في الهندوسية الحديثة، وينطبق هذا الحال على آلهة اليونان وغيرهم منذ قرون طويلة. وكان موقف هويل مؤيداً للفكرة الاخيرة التي ترى ان الإله يقع داخل الكون لا خارجه، بل واتهم العلماء المناهضين بانهم متأثرون بالتقاليد اليهودية والمسيحية في جعل الإله مفارقاً، الامر الذي يفسر اقبالهم على تبني نظرية الانفجار العظيم. لذلك شاع عنه قوله: لطالما اعتقدت؛ ان من الغريب في الوقت الذي يطالب فيه معظم العلماء بتجنب الدين فإنه يهيمن على أفكارهم أكثر مما يهيمن على أفكار رجال الدين.
أما ويكراماسينج فقد ساوى بين الإله والكون ذاته، مثلما سبق للفيزيائي جيمس جينز ان اكد هذا المعنى المغلق. وهو موقف يتناسب مع اعتقاده بأزلية الكون وعدم تناهيه.
ويمتاز الإله وفق الاطروحة الاصلية لهويل وويكراماسينج بكل من عدم المفارقة واللاطبيعانية. وهما من خصائص اثير الذكاء، فهو محايث للكون، لذلك لا يعتبر مفارقاً رغم تجاوزه لنطاق الكون بالمعنى المادي الطبيعي وما شاكله.
وسواء في الاديان التوحيدية او غيرها؛ نجد كلا المعنيين للإله المحايث والمفارق، تارة الاقتصار على الاول، واخرى على الثاني، وثالثة من خلال الجمع بينهما. ولتوضيح هذه الاشكال المختلفة نتبع ما يلي:
1ـ تتضمن الاديان التوحيدية بعض الافهام المشيرة الى الإله المحايث، حيث تصف الإله باوصاف لا يخرج عن المجال الكوني، ففي الاسلام مثلاً يوصف بانه جالس على العرش وفوق السماوات السبع، وهو ينزل الى السماء الدنيا، كما له صفات كالوجه والعينين واليدين اليمينين والأصابع والمجيء والإقتراب، لكنها بلا تكييف ولا تمثيل، حيث ليس كمثله شيء، وهو من هذه الناحية لاطبيعاني. ويشيع هذا الاعتقاد لدى الاتجاهات البيانية في الاديان التوحيدية. كذلك تتضمن هذه الاديان افهاماً مضادة تجعل من الإله خارج الكون بما يتجاوز المكان والزمان، وهو لا يوصف باي شيء مما توصف به الاجسام، وبالتالي فهو مفارق وغير محايث، كالذي تراه الاتجاهات العقلية. واحياناً نجد في الاديان التوحيدية ما يجمع بين الإلهين المفارق والمحايث، كالذي تتبناه الرؤية الرسمية للمسيحية، حيث يمثل الاب الإله المفارق، فيما يمثل الابن (عيسى) الإله المحايث. ومثل ذلك النزعات الصوفية والفلسفية في هذه الاديان الثلاث، والامر واضح لدى فلاسفة وعرفاء الاسلام.
2ـ كما نجد ذات المعاني الثلاثة للإله حاضرة لدى الاديان الاخرى والفلسفات القديمة. فاالاديان القديمة غالباً ما تعتقد بالآلهة المحايثة المتعددة الاشكال، وتُجسدها في الكثير من الكيانات والظواهر الطبيعية، وعلى رأسها الاجرام السماوية، وقلّما تجعل من الإله مفارقاً. ويمكن ان نجد صورة الإله المفارق لدى عدد من الفلاسفة اليونانيين، لكن الغالب فيهم هو الجمع بين المفارق والمحايث، او بين الذات المتعالية والفعل الصادر عنها. ورغم ان الفلاسفة يجعلون من الاخير مفارقاً، لكن بعض الشروحات المتأخرة جعلت منه ما يحمل الازدواج، فهو مفارق ومحايث، كالذي نقله ابن رشد عن القدماء اثباتهم للفعل المطلق الواحد الساري في سلسلة الوجودات، فهو قوة روحية تمسك بأجزاء الموجودات الممكنة كلها والتي بفعلها ظهر وجودها. وان هذه القوة تسري في الكل سرياناً واحداً، وانها على وحدتها تتنوع بحسب ما عليه طبائع الموجودات، فتكون في القديم قديماً وفي الحادث حادثاً وفي العقل عقلاً وفي الجسم جسماً، وأنها مفارقة مع كل مفارق، وملابسة للمادة مع كل مادة، فهي مفارقة وملابسة؛ كل بحسب رتبته الخاصة في سلسلة الوجود، ولولا حضورها فيها بنحو ما من الانحاء ما كان لها من أثر ولا وجود. وهي ذاتها التي تحدث عنها صدر المتألهين كوجود منبسط يطلق عليه العقل الأول، حيث انه فائض عن المبدأ الحق بإعتبارين مختلفين، إذ يمثل هذا العقل من جهة صدارة وكمال ذلك الفعل أو الوجود وتمامه، كما يعتبر من جهة أخرى سارياً في جميع أرجاء ما دونه.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا