يوم داروين العالمي

فيصل طه
2021 / 2 / 9

بمناسبة يوم داروين العالمي
ان القاعدة الاساسية التي ترتكز عليها نطرية التطور، هي الحركة والتغيير، وتشمل هذه القاعدة مكنونات ومكونات الطبيعة التي تتواجد جميعها دوماً في حالة من الحركة الابدية المستمرة التي لا تعرف مطلقاً الثبات والسكون.
يمثل مفهوم التطور رؤية ونهجاً فكرياً علمياً شاملاً لمجمل التغييرات في مكوِّنات الطبيعة والأكوان عبر العصور. لا ينحصر التطورفي مجال علم الأحياء، بل يتعداه ليشمل كل مجالات علوم الطبيعة وغيرها، إن جميع المكونات في الطبيعة مَرَّت، أو قادرة أن تمر بمسارات تطورية متعددة الاشكال والاتجاهات، تسير بخطوات بطيئة، عشوائية دون هدف اوغاية مرسومة مسبقا، وذلك وفق احكام وقوانين الطبيعة والكون، وبهذا يمكن اجمال التطور البيولوجي بأنه تغيُّر وتحوُّل الكائنات الحية وأنواعها عبر الأزمان.
فكرة تكون انواع الكائنات الحية وتطورها، لم تكن وليدة فكرالعالم الانجليزي "داروين" فحسب، بل سبقه الفيلسوف اليوناني "امليدوكليس" بحوالي 2300 عام، (433-493،ق. م)، هو الذي حدد، وبشكل مدهش، مبادئ التطور الى درجة تقارب جداً ما نعرفه الآن عن علم التطور، لقد افترض ان المادة الجامدة هي مصدر الحياة، وان الكائنات الحية الحالية قد انحدرت وتفرعت من كائنات أبسط، وأقل تطورا منها، وأن هذه الكائنات قد مرّت بعمليات تغيير عشوائية، وجوبهت بصعاب وعوامل ابادة غير عشوائية، سمحت فقط ببقاء الكائنات الأكثر ملاءمة لبيئتها.
فرض ارسطو ( 322-384 ق. م)، والتي بقيت اراؤه مقبولة حتى القرن السابع عشر ميلادي، وجود ثلاث امكانيات لنشوء الحياة، الأولى: أنه بإمكان كل كائن حي أن يولد من كائن حي اّخرمن نفس نوعه، والثانية، باستطاعة كائن من نوع معيَّن ان يتحول الى كائن من نوع آخر، وتشيرالامكانية الثالثة الى امكانية نشوء وتوالد كائنات حيَّة من مواد غير حيَّة، او مايسمى بنظرية "الخلق التلقائي". لقد وجدت نظرية ارسطو حول "الخلق التلقائي" تفنيدا لها في القرن السابع عشر الميلادي من قبل الباحث ريدي(1626-1697)، الذي اثبت من خلال تجاربه العلمية بان الكائن الحي يتولد فقط من كائن حي آخر من نفس نوعه.
كذلك ساهمت ابحاث لينة (1707-1778) في اواسط القرن الثامن عشر باستحداث طريقة علمية لتصنيف الكائنات الحية تعتمد على وجود صفات مشتركة لمجموعة الكائنات المختلفة، مما مهَّد الطريق أمام الباحثين لاقرار مسألة اصل الانواع.
في اوائل القرن التاسع عشر، عام 1809 عرض الفرنسي لامارك ( 1744-1829) نظرية التطور التدريجي، ضمن كتابه "فلسفة علم الحيوان"، والتي تتحدث عن وراثة الصفات المكتسبة، موضحا ان التغيرات البيئية تؤدي الى تغييرات بحاجات الكائنات الحية، مما تساهم لاحقا باحداث تغييرات في فعاليات ونشاط الكائنات الحية ، مثلاً، وحسب نظريته " الاستعمال والاهمال"، فإن الاستعمال المتكرر لاعضاء معينة في الجسم يجعلها تتطور، وان اهمالها، وعدم استعمالها يجعلها تضمحل وتتلاشى، وأن هذه التغييرات والتطورات المكتسبة تنتقل بالوراثة للابناء، وتعمل على نشوء وظهور صفات جديدة، وحتى انواع جديدة.
وقد أتى لامارك بأمثلة تؤكد نظريته هذه " الاستعمال والاهمال "، كتفسيره لصفة استطالة عنق الزرافة عبر العصور، لقلة الغذاء على الارض، مما اضطرها اإلى تكرار رفع عنقها لتتمكن من الوصول الى الاوراق في أعالي الاشجار، وبهذا، ومع مرور الزمن واستمرار الضغط التطوري، اكتسبت الزرافة تدريجيا صفة استطالة العنق، ومن ثم نقلها وراثيا الى ابنائها. كذلك، وحسب هذه النظرية، يمكن مثلا تفسير ظهور، وتوريث صفات مكتسبة عديدة، كوجود عضلات قوية جدا لارجل الغزال، وانياب حادة جداً للنمر.
تعتمد نظرية لامارك على الدافع الداخلي للكائن الحي نحو الكمال، وعلى قدرته للتكيُّف لبيئته، وكذلك على توريث الصفات المكتسبة، من االوالدين للابناء.
لم تتلاءم أفكار لامارك الجريئة مع الأفكار السائدة في حينه، ولم تجد لها تجاوباً عند علماء تلك المرحلة، خاصة لدى العالم كوبير، الذي ادعى بان التحولات لا تتم ببطئ، انما تتم بشكل فجائي ومتقطع، وهذا الادعاء يناقض نظرية لامارك، التي تقول، بان التحولات هي تدريجية، بطيئة ومتواصلة. وبهذ اتكفي افكار لامارك الجريئة حول التطور التدريجي، وأهمية البيئة كعامل مؤثر للتأقلم والتغيير، لأن تكون قد مهدت الطريق لقبول نظرية داروين فيما بعد.
يحتفل العالم في هذه الأيام بيوم داروين العالمي الذي يصادف في الثاني عشرمن فبراير من كل عام، وهو يوم ميلاده.
ولد داروين عام 1809 في انجلترا، وهو المؤسس لعلم التطور، وصاحب النظرية العلمية التي أحدثت ثورة علمية ( ثورة داروينية)، وتغييراً جذريا في فهم كيفية عمل الطبيعة، وفهم طرائق التنوع الإحيائي بها. اثارت نظرية التطور الداروينبة نقاشات فكرية واسعة وحادة لدى المفكرين ورجال الدين، وفي المجتمع عامة، كما أحدثت انقلاباً في المفاهيم السائدة حول الطبيعة والكائنات الحية, وجعلت داروين رمزا للبيولوجيا الحديثة.
لقد درس تشارلز داروين موضوع الطب في ادنبرة، تلبية لرغبة والده الطبيب، لكنه سرعان ما ترك دراسة الطب، أي بعد سنتين، وانتقل الى جامعة كمبريدج لدراسة اللاهوت، رغبة منه ليصبح راهبا،ً وهناك قابل داروين علماء وباحثين في علوم الطبيعة، ونجح عام 1831 بمرافقة طاقم السفينة الملكية للابحاث العلمية " بيغل" التابعة لاسطول البحرية البريطانية في جولتها العالمية، والتي امتدت لخمس سنوات متواصلة، جابت بها مناطق عديدة ، كالبرازيل، تشيلي، بيرو، جزرجلاباغوس، تاهيتي، نيوزلندا واستراليا. لقد استطاع داروين الشاب ابن ال 22 عاماً، ومن خلال هذه الجولة، أن يدوِّن يوميا، وبدقة متناهية مجمل ملاحظاته ومشاهداته في مجالات ومواضيع البيولوجيا، الجيولوجيا والانثروبولوجيا.
بدأ داروين وبعد عودته مباشرة من رحلته العلمية الى بيته في لندن، بتحليل ودراسة ما تم جَمَعهُ من عيِّنات ومواد، وبهذا التحليل بدأ يفهم كيفية حدوث التغيير والتنوع للكائنات الحيَّة، وكيفية تطورها، مما ساعده لاحقا في صياغة المباديء الاساسية لنظرية التطور.
ترتكز نظرية داروين حول التطور البيولوجي على ثلاثة مباديء اساسية، الوراثة، التباين، والانتخاب الطبيعي. إن غياب إحدى هذه المباديء يُبطل امكانية التطور.
الوراثة ( نقل الصفات بواسطة المادة الوراثية) وتعني ان الأبناء تشبه اباءها، وان ابناء جيل النوع الواحد يرثون صفات الجيل السابق، وبهذا تضمن الوراثة استمرارية وحفظ اشكال وصفات الكائنات الحية.
يشير مبدأ التباين الى عدم وجود تشابه تام في الصفات الوراثية بين ابناء النوع الواحد، بل توجد فروق واختلافات ناجمة عن تراكم الطفرات الوراثية ( تغييرات في المادة الوراثية)، وعن التكاثر الجنسي (تزاوج بين جنسين، ذكر وانثى، من نفس النوع)، ونتيجة لهذا التكاثر الجنسي تظهرتراكيب وتصاريف جديدة للصفات وراثية.
يؤكد داروين، ان هذا التباين في الصفات الوراثية، هو الشرط لعمل المبدأ الثالث،وهو "الانتخاب الطبيعي" وهو المحرِّك الأساس لآلية عمل هذا القانون، وبدونه ينعدم الانتخاب، ويتوقف التطور، لو كانت هذه الكائنات متشابهة تماما لما تمت عملية الانتقاء بتاتا، فاما أن يتم اانتقاء الجميع، اوعدم انتقاء أحد. اي نظام الكل او لا شيء، لذلك فان وجود تشابه تام في الصفات الوراثية بين افراد النوع الواحد يؤدي الى عدم امكانية التمييز بين الافراد، وتصعب امكانية اختيار الأفراد الأكثر ملاءمة لبيئتها ، وعليه تبقى الكائنات الحية ثابتة على حالها، دون أي تغيير.
بقي ان اشير الى ان عملية الانتخاب الطبيعي تتم بشكل عفوي وعشوائي ودون غاية معينة تسعى اليها ، فهي عملية طبيعية لا غائية محكومة لقوانين الطبيعة وشروطها، ووجود هذه الآلية ساهم في بقاء وتطور كائنات حية معينة، كما ساهم في عدم ظهور وبقاء غيرها من الكائنات، وبما ان البيئات مختلفة في ظروفها كذلك الكائنات المنتخبة تكون مختلفة، هناك تباين داخلي واسع في ظروف كل بيئة مهما كبرت او صغرت رقعتها، وهذا يفسر التنوع، وكذلك الملاءمة بين الكائن الحي والظروف البيئية.



اعتمادا على نظرية التطور للباحث داروين فان جميع انواع الكائنات الحية تطورت على الكرة الأرضية من مصدر واحد، اي من أصل (ام أوأب) مشترك قديم واحد. وبهذا، تعود جميع الأنواع المختلفة لمجموعة معينة، لاصل مشترك واحد، مثلاً : كل الأنواع التابعة لمجموعة الحشرات انحدرت من اصل مشترك واحد، كما ان جميع انواع مجموعة الطيور نشأت من اصل مشترك واحد، كذلك باقي انواع مجموعات الاسماك، البرمائيات، الزواحف، الثدييات وغيرها من الكائنات الحية، إن هذا الاتجاه العلمي بالتفكير يقودنا الى الاستنتاج بأن جميع انواع الكائنات الحية الحالية والسابقة، في عالمنا هذا، قد انحدرت وتسلسلت من اصل قديم (ام أوأب) مشترك واحد.
تملك جميع الكائنات الحية، نظريا، قدرة فائقة على التكاثر، بامكان خلية حية واحدة، وفقط خلال يوم واحد بعد انقسامها الأول أن تثقل الكرة الارضية بأعداد خيالية لا يمكن استيعابها من الكائنات الحية، لكن هذه الصورة الخيالية لا تعكس بتاتا حالة التكاثر في الطبيعة ، لكون الكائنات الحية تواجه شروطا طبيعية عديدة تحد من هذا التكاثر المنفلت، وتبقي القليل جدا، مثل: محدودية الطاقة بكل أشكالها، وحدّة الموارد الغذائية، والمكان، وصعوبة الظروف البيئية المتنوعة، الفيزيائية، الكيميائية، الحياتية وغيرها من الظروف القاسية، لهذا، فان احتمال بقاء الفرد وتكاثرة مرتبط ومتعلق بمدى ملاءمته لبيئته الخاصة، وبمدى نجاحه اكثرمن غيره بالحصول على موارده الطبيعية، وعلى قدرة احتمائه من اعدائه والمفترسين.
لقد فسّر داروين ظهور أنواع جديدة من الكائناب الحية اعتمادا على العوامل الجغرافية والجيولوجية ايضا،
بقوله بأن سلاسل جبلية مرتفعة او بحورمائية واسعة وعوامل جيولوجية أخرى كالحركة، أو زحزحة قارات بامكانها احداث انقسام وفصل مجموعة حيَّة معينة الى مجموعتين اثنتين منفردتين لا تواصل او احتكاك بينهما ، الامرالذي ومع مرور الزمن، ونتيجة لحدوث طفرات وراثية، وضغوط تكيُّف للبيئة الجديدة ولآليات الانتخاب الطبيعي، تؤدي معا الى اكساب كل مجموعة من هاتين المجموعتين صفات وراثية مختلفة جدا لدرجة تكوين نوعين تنعدم بينهما امكانية التزاوج المثمر.
نظرية داروين التطورية تجاوزت الشكوك بصحتها الى حقيقة علمية مسندة بأدلة قاطعة أثبتتها علوم الأحافير المقارنة، والتأريخ الجيولوجي الاشعاعي الراديواكتيفي، وعلوم التشريح، الأجنة، المورفولوجية، الفيزيولوجية، وعلوم الوراثة، وخاصة البراهين الحديثة جدا من ابحاث الكروموزومات والأحماض النووية، (DNA) التي حددت علميا مدى نسبة التقارب الوراثي بين الكائنات الحية، كما حددت ايضا تسلسل الأنواع وتأريخها الوراثي بدقة زمنية لافتة، والتي ساهمت كثيرا في رصد تطورالانسان منذ قدرته للسير على قدميه الاثنتين منتصبا، قبل ما يقارب ستة ملايين سنة حتى يومنا هذا.
تضيق عجالة هذه المقالة الموجزة بشرح كل جوانب وتفاصيل هذه البراهين العلمبة، والتي تحتاج لاحقا لسلسلة مقالات واسعة.


بقلم
صفورية- الناصرة

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية