منظومة الحكم ليست هي الدّولة. وشباب تونس ليس ضيفًا في دار الحكومة.

عزالدين بوغانمي
2021 / 2 / 9

هنالك خلط كبير في أذهان الناس بين الدولة ومنظومة الحكم. وهذا الخلط يعاني منه أنصار المنظومة وأنصار التغيير على حدّ السّواء. وفي أحيان كثيرة يؤدّي إلى نظرة خاطئة وبالغة الضّرر لدى الفريقين: بحيث يعتقد رجال الحكومة والأمنيين والأحزاب الحاكمة بأنّهم هم الدّولة وهم البلاد، وبقيّة الشعب مجرّد مشاغبين. ويعتقد المتظاهرون أنّ المنظومة هي الدّولة، وتتحوّل معركتهم الأصلية من حيث هي معركة تخليص للدّولة من اللصوص والفاسدين إلى هجوم على الدولة بِرُمتِها.

أولا، الدولة هي ذلك الكيان الذي انبثق إلى حيز الوجود منذ قرون، من اجتماع السكان والإقليم والنظام السياسي.
أما منظومة الحكم فهي مجموعة من المسؤولين المنتخبين أو المنصّبين الموزّعين في جميع فروع الإدارة ومراكزها، لإنفاذ مجموعة القواعد والقوانين التي تنظم السلطات العامة في الدولة، وتحدد اختصاصاتها ووظائفها لخدمة الصالح العام، ضمن فصول دستور البلاد. ويمثل هؤلاء الأشخاص كل ضمن مسؤوليته السلطة الإلزامية للنهوض بأهداف المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية

صحيح أن كل عمل يقوم به النظام السياسي ينسب للدولة، فعندما نقول إن الدولة الفلانية قررت الحرب أو وقعت اتفاق سلام، فإن النظام السياسي الحاكم هو الذي شن هذه الحرب أو أبرم ذلك الاتفاق. وعندما نقول إن الدولة اختارت النظام الاشتراكي أو الرأسمالي، فإن نظامها السياسي، في الواقع، هو الذي فعل ذلك لكي يحقق أهدافا معينة. أما الدولة فلا تعتنق أي مذهب. وإنما النظام السياسي الممثل لها هو من يقوم بهذه الأفعال. ولا يمكن اعتبار النظام السياسي هو الدولة. وبالرغم من سطوة النظام السياسي وقدرته على التدخل في حياة المواطنين، فإن هذا لا يكفي لكي يصير هو نفسه "الدولة". ففي آخر المطاف ما النظام إلا مجموعة أفراد يمارسون السلطة باسم الدولة، ومن ثمة فإن مساءلته تُعتبر أمر معقول. على عكس الدولة ككيان مجرد غير مشخصن.

ثانيا، وبناء على ما تقدم، يُمكن طاعة النظام أو عصيانه، كما يمكن تأييده أو معارضته. ولعلّ تمييز النظام السياسي عن الدولة، هو ما يُتيح محاسبته عن أفعاله، وجبره على احترام تطبيق القانون والتزام حدوده. وهذه هي الفكرة الرئيسية التي تحكم أي دولة تتمتع بنظام شرعيّ. على خلاف أنظمة الاستبداد التي تندمج بالدولة وتتطابق معها وبالتالي تستهجن محاسبة الناس لها. ويبدو أن وسائل الحد من تغوّل الأنظمة الحاكمة كالدساتير، والقوانين المؤكّدة على حرية الأفراد، ومبدأ الفصل بين السلطات، هي أساليب أوحت بها الخبرة التاريخية للحيلولة دون إساءة الأنظمة لاستخدام سلطاتها. وتقييد نفوذ ممثليها الذين يدعون على الدوام أن مصالحهم الخاصة هي مصالح الدولة. بل هي مصلحة المجتمع ككل.
ثم إن الأهمية الكبرى للتفرقة بين الدولة والنظام، تكمن في إتاحة إمكانية تغيير النظام عندما لا يستطيع القيام بمسؤولياته باعتباره ممثلا للدولة. وهنا وجب التأكيد على أن طاعة السكان لنظام الحكم وتأييده، أو حتى تمجيده، إنّما هو أمر يرتبط بمدى تحقيق النظام أهداف عامة تتعلق بحياتهم. بمعنى أنهم يخضعون للأوامر على ضوء تمتعهم بالخدمات التي يوفرها النظام. وعليه يصبح من حقهم أن يرفضوا هذه الأوامر عندما يُحرمون من العيش على نحو يليق بهم كآدميين. ولا يمكن لنظام سياسي فاشل أو عاجز، كمنظومة الحكم القائمة على شؤون الدولة التونسية اليوم، أن يثني الأفراد عن تقييمه أو محاسبته، بحجة أنه يمثل الدولة، أو أن يقنع الناس أن مطالبتهم برحيله أو سقوطه تعني أنهم يُهدّدون الدولة أو يطالبون بسقوطها.

إن مبرّر السلطة الإلزامية التي يتمتع بها أي نظام سياسي هو خدمته للناس. ولا معنى لوجود نظام يدعي أنه يحافظ على الدولة فيما هو يهدر حاجات الأفراد ومقدرات البلاد أو لا يقيم وزنا للمرفق العام وصيانته، أو لا يسعى لحل قضايا التشغيل والسكن والصحة والتعليم والنقل ... فالحكومات لم تنشأ إلا لتحفظ حق الناس في الحياة والحرية والمساواة والسعي لنيل السعادة. وهي قبل ذلك وبعده تستمد سلطانها وشرعيتها من رضا الشعب المحكوم. فإذا قامت أي حكومة لتقضي على هذه الغايات، وكرّرت سوء استعمال السلطة، وتبين أن الغرض الذي ترمي إليه من ذلك هو وضع الشعب تحت نير الاستبداد، مقابل خدمة فئة أو حزب أو بطانة، فمن حق الشعب، بل من واجبه أن يسقط مثل هذه الحكومة، ويُغيّرها بِحكومة جديدة يراها أجدى وأصلح في صون سلامته وسلامة بلاده ومستقبل أجيالها.

ثالثا، حول الحراك الشبابي الجاري منذ مدة في تونس، يتكلّم أنصار المنظومة بانحراف كبير وبجحود لا يُطاق. وأحيانًا بكثير من الوساخة. فحتى أولائك المختصين في القانون يتكلمون وهم غافلون عن حدثٍ هائل بحجم الثورة. ولا يجب على الشباب أن ينخدعوا بمحاولات اللغة القانونية إخفاء الخيارات السياسية التي يقوم بها هؤلاء القانونيين المأجورين تحت مسميات مختلفة، في محاولة سيّئة لإظهار القانون منفصلاً عن السياسة، لأنّ القانون المنطوق على ألسنة هؤلاء هو آداة السياسة وجوهرها. ولكم أن تتخيّلوا على سبيل المثال، التوجهات القضائية المتعلقة بالخوصصة، حيث يمكن لحكومة المشيشي، إن استمرّت، أن تلجأ إلى القضاء لتبيع عن طريقه مؤسسات القطاع العام بأبخس الأثمان، وبصفقاتٍ فاسدةٍ لكناطريّة في هيئة رجال أعمال، وبدون أدنى اعتبار للصالح العام. ففي هذه الحالة يجب على الشعب أن يتصدّى لمثل هذه الجرائم. ولا جدوى من الاختباء وراء شعارات مجرّدة، مثل سيادة القانون أو استقلال القضاء .

رابعا، على السياسيين سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة، أن يدركوا أن الشباب عندما يثورون على المنظومة الفاسدة، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على المجتمع الذي جعل هذا النظام ممكناً. أي أنهم يثورون على أنفسهم، بمقدار ما يثورون على نظام الحكم. وعندما يحاولون تغيير النظام، فإنما هم يسعون إلى تغيير أنفسهم، ذلك أن الفصل ما بين الدولة والمجتمع، أو المجتمع السياسي والمجتمع المدني، هو فصل فهم لأغراض تحليلية فقط. ومن الخطأ أن تروا الدولة جسماً قائماً خارج المجتمع، فهما وحدة لا انفصام بينهما، حتى لو كان للدولة نظامٌ منتخب. وحتى لو نسينا تقرير محكمة المحاسبات. ذلك أن أي نظام لا يوجد في الحكم، ولا يستمر، إلا بناء على تأييد أغلبية الشعب المستفيدة منه. فنظام الحكم هو، إلى درجة ما، محصّلة مجموع إرادات الناس. وليس شيئا مقدّرًا ومنزّلا من ربّ العالمين. ولهذه الأسباب، يصبح السؤال الأكبر في اللحظات الثورية: هو ما هو المجتمع الذي نصبو إليه؟ وما هو الاقتصاد الذي نريده ليخدم المجتمع؟
وحول هذه القضية تدور كثير من النقاشات بشأن القانون والدستور... فإذا كان للثورة أن تكون أكثر من مجرّد تمرّد وإسقاط لمنظومة فاسدة، وأن تتحوّل إلى ثورة حقيقية، فإن عليها أن تؤسس لنظام اجتماعي اقتصادي وسياسي جديد في القلب منه، سيادة الشعب.
المسألة الأخيرة التي يجب التأكيد عليها. هي أنّ الشعب ليس ضيفًا عند الدولة. وقيادات حركة النهضة عليهم أن ينتبهوا إلى عنجهيّة خطابهم البائس، الذي يشير باستمرار إلى خلل عقليّ أصابهم جميعًا، إذ يعتقدون أنّ البلاد والدّولة صارت على ملكهم، والشعب مجرد كتل بشريّة برّانية تُشاغبهم وتُقلق راحتهم.
كلكم تتذكرون أيام الثورة، أو حتى خلال الأيام الأولى لانتخاب الرئيس قيس سعيّد، كيف قام المتظاهرون بتنظيف الشوارع وتزيينها. في حينه فسّرنا الظاهرة، ولكن السياسيين الحمقى كالعادة لا يفهمون الظواهر على نحو صحيح، ويجنحون لتفسيرها تفسيرا أخلاقويا مبتورًا. الشباب الذين يلتجؤون في كلّ مرّة للقيام بأعمال غير اعتيادية كتنظيف الشوارع، إنما قيفعلون ذلك لأنهم بدأوا يتماهون مع الحيّز العام، بعد أن كانوا مغتربين عنه، ذلك أن النظام كان يقمعهم، ويخمد أنفاسهم في مربع ضيق، وعندما يثورون، يصبحون أسياد هذا الحيز، ويعيدون سيطرتهم عليه بتلوينه كما يشتهون لإعلان افتكاكه. في هذه اللحظات، يبدو النظام السلطوي الأبوي مترنحاً، وعلى وشك الانهدام. ولكن بعد فترة قصيرة، يستعيد أنفاسه ويعود من جديد ليتحكم في الساحات ومداخل الشوارع لمنع الشباب من التجمهر.

في نفس السياق، تشهد تونس منذ مدة تزايد المظاهرات والاعتصامات من الموظفين والعمال وأصحاب المهن في قطاعاتٍ مختلفة. ولا يجب على القيادات الأمنية غير الموالين للأمن الموازي، اختزال هذه التحركات في الانفلات الأمني، أو عدم الاستقرار أو الفوضى، فهذه التظاهرات تعبير عن صراعاتٍ اجتماعية. وهي بالتالي تستدعي التفكير في توزيع الثروة في المجتمع، من أجل تطبيق شعار العدالة الاجتماعية، وسعياً نحو مجتمع جديد. بدل مواجهتها بالعنف تحت مسميات الاستقرار والأمن. ومحاولات منع المظاهرات والاحتجاجات، وتقييد حرية التعبير، والالتجاء إلى الحلّ القضائي لكسر حركة شعبية عارمة ستستمرّ مادام الجوع مُستمرًّا. ولن يكون بالإمكان احتواء هذا المارد الذي أطلقته الثورة عن طريق المشاركة الشعبية والتنظم خارج المؤسسات الرسمية، فتلك بذرة بُذرت، فنبتت، ووزعتها الرياح في عقول جيل كامل، موجود كل قرية، وفي كلّ حيّ. وسينجحُ في بناء تونس الجديدة التي تتّسع للجميع، إن آجلا أو عاجِلًا.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية