مكانة المرأة في الثورات وتحقيقها للأهداف المنشودة

نساء الانتفاضة
2021 / 2 / 9

يعد العامل الاقتصادي المحرك الأساس لجميع ثورات العالم، فالشرائح المعدومة والمفقرة والمسحوقة من المجتمع، تكون بمثابة قنبلة موقوتة، تنفجر عند وصول الاحداث الى ذروتها، فترفض الجماهير الكادحة التواقة للحرية والمساواة، تحكم فئة رأسمالية جشعة تعمل بمبدأ استغلال الانسان للإنسان، تستغل العمال، لتجني مزيدا من الثروات وتستحوذ على الفائض من العمل لمصالحها النفعية، بالإضافة الى تراكم المال بيد مالكه، والتحكم بمصير الشرائح الكادحة.
كثيرا ما يخبرنا التاريخ، عن انتصار الثورات في بلدان عديدة، بعد مجابهة الجماهير لشتى أنواع القمع والقتل من قبل السلطات الحاكمة، فهكذا هي دائما الثورات، تعمل بحركة مد وجزر، الى ان تنتصر قضيتها.
كان ومازال النضال النسوي في ساحات الاحتجاج، يحدث علامة فارقة في تاريخ الثورات على مر العصور، ويضفي عليها وقع اخر، يقوي الحدث ويزيد من ترسيخه.
عند التمعن بشكل دقيق على اغلب ثورات البلدان التي حققت انتصارات كبيرة، نشهد خلالها بروز دور المرأة الثوري، وعملها السياسي اثناء الحدث، وذلك من خلال التنظيمات النسوية التي تضفي على الثورات صبغة التمدن والاشتراكية، فنجد أسماء القائدات فيها مثل كلارا زيتكين والكسندرا كولونتاي اللواتي ترأسن مسيرة نسوية في ثورة فبراير عام 1917، حيث عملت كولونتاي مع نساء بلشفيات رائدات اخريات منهن: انيسا ارمند وكرويسكاروى لودميلا ستائيل وزنيدا ليلينا، على تنفيذ برنامج اشتراكي للمرأة، رغم ازمة المجاعة والحروب التي تشهدها البلاد آنذاك. نجد عزيمة هؤلاء النسوة واصرارهن على القضية حتى انتصارها ونيل مبتغاها، كاسرات جميع الحواجز التي تعيق تواجدهن في الثورات، متجاوزات نظرة المجتمع الدونية لهن، مطالبات بحقوقهن، رافضات سلطة النظام الابوي الرجعي، الذي يعزز اضطهاد النساء والتمييز على أساس النوع الاجتماعي، ويهمش دورهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كذلك فأن وجود المرأة في الانتفاضات في المنطقة وقيادتها للمسيرات، هي استجابة للظروف الموضوعية التي يفرضها الواقع المأساوي على الشعوب، فيعد تواجد النساء في انتفاضة أكتوبر في العراق مثالا حيا، لإبراز الدور الطليعي الذي لعبته المرأة خلال فترة الانتفاضة، فقد خرجت النساء بمختلف اعمارهن الى الساحات، معتليات المنابر والمنصات، يصدحن بحناجر ذهبية، وبصوت واحد: "صوت المرأة ثورة".
عملن على تعرية وفضح الفاسدين، رافضات لسلطة الإسلام السياسي الطائفي، الذي زاد الواقع بؤسا وخرابا، وقد ساهمن بطرق كثيرة، كالمسعفات والصحفيات والرسامات والمتقدمات الصفوف الأمامية للسواتر، لمواجهة قناني الغاز الذي اخترق الصدور والجماجم، ناصبات خيامهن في الساحات، مرابطات لأشهر عديدة، محطمات الحواجز والقيود التي فرضها المجتمع عليهن، كاسرات الصورة النمطية، التي تحتم على النساء الجلوس في بيتها.
جابهن بنضالهن النسوي المخاطر والعمليات الوحشية، التي مورست بالضد منهن من قبل النظام المحاصصاتي، حيث تعرضن للقتل والخطف والابتزاز وحملات التشهير والاعتداءات اللفظية والجسدية، هن الاتي كشفن الوجه الحقيقي للنظام القاتل، فبالرغم من جميع السلوكيات التعسفية والعمليات اللاإنسانية التي مورست بحقهن، الا انهن بقين صامدات، وجابهن الواقع بنضالهن المستمر وبكل روح ثورية، بعد ان قطعن شوطا من العوائق والتحديات التي كانت في طريقهن.
كما حدث في الثورة السودانية عندما اعتلت ألاء صالح صاحبة المقطوعة الشهيرة "حبوبتي كندانه" منصة الخطاب في ساحة الاحتجاج، حيث وصفت بأيقونة الثورة، لما كان لها من دور أساسي في التحشيد الثوري؛ اما دور المرأة المصرية في ثورة 25 يناير، التي أطاحت بنظام حسني مبارك، فهو لا يقل أهمية عن الأدوار الثورية الأخرى؛ كذلك تواجد النساء في الثورة التونسية، كان بمثابة ركيزة قوية لأسقاط نظام زين العابدين بن علي الدكتاتوري، بعد حكم استمر أكثر من عشرين عاما، وغيرها من الكثير من بلدان العالم.
اثبتت التجارب الثورية في التاريخ، انه لا توجد ثورة او انتفاضة مكتملة في العالم دون الحضور النسوي فيها، ومن مصلحة الجماهير الثائرة التواجد النسوي من اجل انتصار قضاياهم وتحقيق مطالبهم الحقة، وسهولة حصولهم على حقوق متساوية، نساء ورجال، لينعموا بالحياة دون ظلم او قهر.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي