التطرف الديني : مقاربة سيميائية

أحمد عمر النائلي
2021 / 2 / 7

جهد مميز قام به الدكتور عبدالله بريمي Abdellah Berrimi ، استاذ السيميائيات والتأويلات بجامعة مولاي اسماعيل بالكلية المتعددة التخصصات - الرشيدية بالمغرب ، وذلك لقيامه بترجمة كتاب
"" سيميائيات الأصولية الدينية : خطاباتها ، بلاغتها ، وقوتها الاقناعية ""
الصادر عن دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع ، والذي جاء في 160 صفحة من القطع المتوسط، لمؤلفه السيميائي البرفسور الايطالي ماسيمو ليوني Massimo Leone، الاستاذ بجامعة تورين Turin الايطالية و جامعة شنغهاي Shanghai الصينية ، وصدر هذا الكتاب باللغة العربية عام 2016 .
وهو اضافة مهمة للمكتبة العربية والتي تفتقد مثل هذه الدراسات السيميائية المعنية بالتطرف الديني ، والتي عاشتها المنطقة العربية منذ عشرات السنين, وخاصة بعد فشل التوجه القومي بانتهاء المشروع الناصري ،وظهور الثورة الايرانية وحرب أفغانستان ،والتي شحذت الفكر المتطرف ووظفته لهذه الحرب .
حيث حاول المؤلف معرفة كيفية إنتاج المعنى الاصولي لحظة انبثاقه وتداوله وتلقيه ، و اعتمد في منهجه السيميائي على السيميائيات التوليدية والتأولية والثقافية وسيميائيات الكون ؛ لتفحص صيرورة المعنى في البناء الأصولي ، سواء أكان ديناميا أو تأوليا ، مستخدما الاستنباط والاستقراء (وأعتقد أن الإبعاد Abduction كان حاضرا أيضا ، بما أنه اعتمد فعل التأويل) .
لقد استطاعت الاصولية الدينية أن تقدم عالما معنويا كونيا بديلا ، يتضمن اقتراح أسلوب حياة يقوم على التآصر والتضامن ، لم تستطع الحياة العصرية أن تقدمه ، ويجعل من الحياة ممكنة خارج بعدها النفعي والبيولوجي ، حيث توصلت هذه الدراسة السيميائية الى أهم نتيجة بحثية (وكما أزعم) ألا وهي :
أن الاصولية الدينية لاترتبط بلغة أو دين ما ، بل هي ظاهرة تخص كل الشعوب ، وليس كما يسوق المخيال الجمعي الغربي بأن الاصولية هي ظاهرة اسلامية فقط وليست ظاهرة بروتستانتية أو يهودية مثلا ؛ فرغم أن الادبيات الغربية تعود بالاصولية الدينية الى المسيحية إلا أن المخيال الجمعي يربطها بالاسلام ؟ وهذا أمر خطير كما يرى المؤلف ؛ لانه سيزيد من إنكفاء المسلمين في الغرب على أنفسهم وزيادة العنف ضدهم .
والأصولية الدينية ليست معنية بالدين فقط ، فهي متمثلة في أنساق أخرى مثل الشيفونية الوطنية العرقية .
ونشير ومن خلال هذه الدراسة إلى أن السيميائيات الاصولية الدينية تقوم على تبني استراتيجية التكرار ضد استراتيجية البروز ، وتعمل على إيقاف التاريخ عند الزمن الماضي وتقديم أنموذج تاريخي ما ، يتم إنتقاؤه وتكراره ، كما تؤمن بإيقاف واحتكار حركة التأويل لصالح جماعة ما ، وادعاء امتلاك خطاب الحقيقة ، ونبذ الاحتمال ، فهي تدعي اليقين الذي يعتمد على القراءة المباشرة الحرفية للنصوص المقدسة ، بعيدا عن أية تأويلات غير مباشرة ، لذلك فهي تنبذ التوجهات العرفانية الصوفية لاعتمادها التأويل المتعدد ، فيتحول الانسان الاصولي بذلك وبعد ترسخ وشيوع خطابه عبر الزمن وبشكل غير واعي (حالة اللاوعي) إلى أن يكون متحدثا باسم الإله ونائبا عنه ،فلا يناقش كل مسلماته التي انتقل منها ولا يؤمن بالعيش المشترك مع الآخر ، فيدخل في صراع مع كل جديد لا ينتمي للحظة الماضوية ، والتي تمثل قمة الطهرانية والتعالي ، بمقارنتها مع كل اللحظات التاريخية اللاحقة بعدها ، حيث يتم رفض إخراج الخطاب الديني من سياق لحظة انبثاقه التاريخية ليكون خطابا مستداما يتضمن كل ماهو عام وأخلاقي
فتقل التفاصيل الآنية( المتعلقة بلحظة انبثاق الخطاب) لصالح العموميات القليلة المستدامة .
إن خطاب الاصولية الدينية وانطلاقا من تبنيه للحظة الماضوية والتي انبثق منها الخطاب ينبذ التكنولوجيا والديمقراطية ، فهي بالنسبة إليه خطاب مغاير ومعادي ، وكذلك ينطبق ذات الشئ على اللغة والمفردات المستخدمة والملابس ، حيث تصبح اللغة والملابس المتعلقة بلحظة انبثاق الخطاب أكثر طهرانية وقداسة .
والسيميائية الاصولية تقوم على بلورة المعنى عبر الافعال، وعندما تعجز عن إقناع الأخر بهذا البناء الكوني المعنوي الاصولي تذهب الى ممارسة العنف لافتقادها الحجة .
وهي لا ترتبط بالمحيط المعرفي الكهنوتي فقط ، بل بالجانب الانفعالي والتداولي .
ورغم أن المعاجم والمصطلحات والممارسات العلمية في الغرب والتي تناولت الاصولية الدينية لم تنسبها للاسلام واللغة العربية ، إلا أن المخيال الجمعي الغربي ربط مفهوم الاصولية بصفة عامة بالتطرف الاسلامي ، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، هذا وقد لاحظ مؤلف هذا الكتاب (ماسيمو ليوني) أن أغلب الكتب والدراسات التي أنجزت حول الاصولية الاسلامية كانت عام 2013 ، أي بعد أكثر من عشر سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، فهل هذا النتاج العلمي مربوط بحدث الربيع العربي ، والذي كان في أحد وجوهه اصوليا .
ونشير هنا الى أن الخطاب الاصولي امتلك البلاغة والإقناع الى المستوى الذي جعل الشباب الغربي يذهبون الى الموت بكل ثقة واقتناع، فيتحول المجرد (الشهادة) لديه من جانبه النظري إلى المتحقق (الاستشهاد) في جانبه العملي ، فالخطاب الاصولي يحسن الاختزال في الطرح والتبسيط ، ويطرح الحقيقة المطلقة ويستجيب لحاجات وجودية انثربولوجية لم تقدمها الحياة المعاصرة ، فهو يخلق علائق أخرى ، غير علائق الدم أو السياسة ، ألا وهي علائق الاخوة الدينية ، لتخلق بنيوية الجماعة الدينية دفء وطمأنينة وامتلاكا للحقيقة الوجودية المطلقة .
هذا وقدمت الاصولية رؤية متعالية عامة في تبنيها لرؤية الكون المعنوي المحيط .
و ظاهرة الاصولية الدينية قد تكون نتيجة للتطرف والمغالاة في حالة اللاروحية التي يعيشها الانسان المعاصر ، حيث تم استبعاد الانسان الروحي لصالح آتون الرأسمالية والربح والمادة والاستغراق في اللذة الحسية ، لذلك يرى ماسيمو ليوني أن مواجهة الاصولية الاسلامية لا يمكن أن يكون باستخدام العنف والقوة ضدها ، بل بالبحث عن خطاب الاصولية الروحية الايجابية في الدين الاسلامي واستعادتها وترويجها وترسيخها ؛ لتكون رادعا لخطاب الكراهية والعنف لدى جماعات هذه الاصولية ، فتتحول الاديان الى خزان روحي يتم استخراج كل شئ منه ويتم توظيفه في العيش الانساني المشترك القائم على قيم الخير والسلام.
والدراسة السيميائية لظاهرة الاصولية تسعى إلى معرفة كيفية بناء المعاني وتداولها وتلقيها في كل الظواهر الاصولية ، أي البحث عن البناء المعنوي المشترك بينها مما يؤهلنا إلى تفسيرها والتنبؤ بها وربما التحكم بها .
لذلك نطرح في الختام السؤال المهم وهو :
ماهي البنية العميقة المشتركة لكل فعل اصولي ، سواء أكان دينيا أو غير ذلك؟ ، وماهي ظروف انتاجه؟ ، فهل هو حالة وجودية يقتضيها وجود الجماعات باعتبار أن أية جماعة هي حالة إنكفاء ؟، وهذا مايسعى إليه الدرس السيميائي وهو إقتفاء بناء المعنى الاصولي وبلاغته وإقناعه عبر غرف التواصل الاجتماعي ، والتي استطاع من خلالها انجاز فعل الاقناع مقارنة بألات الاعلام الضخمة المغايرة له .
ولا ننسى أخيرا أن نشكر الدكتور بريمي على هذه الترجمة ، والتي ستساهم في زيادة تفهم السيميائيات الثقافية وخاصة ظاهرة الاصولية الدينية ، ونتمنى أن يمنح اللسان العربي ترجمة أخرى تقع في ذات السياق ..

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي