إدارة بايدن تفشل في اول امتحان مع روسيا

كريم المظفر
2021 / 2 / 2

لم تكن المكالمة الهاتفية الاولى التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الأمريكي جو بايدن ، في السادس والعشرين من يناير الماضي ، مجرد مكالمة هاتفية لتقديم التهاني ، بل كانت مكالمة مهمة بالنسبة للروس ، الذين ارادوها ان تكون بمثابة " التطبيع " للعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الذي سيخدم مصالح كلا البلدين والمجتمع الدولي برمته، والعلم بمسؤوليتهما الخاصة عن دعم الأمن والاستقرار في العالم ، واعتبروها بانها بمثابة " فاتحة خير " للبلدين ، لان الرؤساء ناقشوا مجموعة واسعة من الموضوعات بشفافية وبصراحة بحسب الكريملين، والاتفاق على تمديد معاهدة تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحد منها (ستارت)، وعلى عكس التصريحات السابقة بأن عملية التصديق ستستغرق وقتًا طويلاً، فقد تم الاتفاق على تسوية جميع الإجراءات الشكلية في أقرب وقت ممكن.
وبشكل عام، كانت المحادثة بين قادة روسيا والولايات المتحدة من وجهة نظر المراقبين، ذات طبيعة تجارية وصريحة، ويلخص بيان الكرملين انه "تم الاتفاق على الحفاظ على الاتصالات"، وبمبادرة منه، كما قالت المصادر لوكالة أسوشيتيد برس، ان المحادثة تمت بعد تواصل موسكو مع واشنطن حيث أيدت الولايات المتحدة فكرة المحادثة، لكن جو بايدن قرر أولاً الاتصال بقادة بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا، وكذلك الأمين العام لحلف الناتو.
الرئيس جو بايدن اتصل بالرئيس بوتين ، لمناقشة رغبة الولايات المتحدة في تمديد ستارت لمدة خمس سنوات ، وللتعبير عن دعمها القوي لاستقلال أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي المستمر ، ولإثارة قضايا مهمة ، وأوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض جينيفر بساكي على الفور نوع القضايا المهمة التي تتم مناقشتها: ( قرصنة SolarWinds والهجوم الكبير للقراصنة في نهاية عام 2020 ، والذي ألقت فيه الخدمات الأمريكية الخاصة باللوم على روسيا) ، حول "الجوائز الروسية لرؤساء الجنود الأمريكيين في أفغانستان" حول "التدخل في الانتخابات" في الولايات المتحدة في عام 2020 ، وتسميم زعيم المعارضة أليكسي نافالني والإجراءات الصارمة ضد المتظاهرين السلميين ، وأكدت ان الرئيس بايدن شدد على أن " الولايات المتحدة ستتصرف بشكل حاسم للدفاع عن مصالحنا الوطنية ردًا على أفعال روسيا الخبيثة " .
المكالمة ، بحسب موسكو ، ركزت على "قضايا الساعة في الأجندة الثنائية والدولية" ، وبحث في إمكانيات التعاون في مكافحة مشكلة حادة مثل جائحة فيروس كورونا ، وكذلك في مجالات أخرى ، بما في ذلك التجارة والاقتصاد ، في الوقت نفسه ، يتم توضيح الكلمات على جدول الأعمال الدولي: موضوع انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الأجواء المفتوحة ، و "الاتفاق النووي" الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة ، خطة العمل الشاملة المشتركة) ، و "التسوية الأوكرانية الداخلية" ، والمبادرة الروسية عقد قمة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي تم التطرق إليها.
وبعد هذه المكالمة الهاتفية تقدمت موسكو بنوايا " حسنة " تختبر بها " النوايا" الامريكية ، وجسدتها في العديد من التصريحات للمسئولين والدبلوماسيين والنواب الروس وعلى كافة الاصعدة، بالإعراب على استعداها لفتح صفحة جديدة من العلاقات والتعاون مع واشنطن ، لحل جميع المشاكل العالقة والقضايا الدولية، والوصول الى تفاهمات مشتركة تخدم مصالح البلدين، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين رحب بتمديد العمل بالمعاهدة الجديدة للحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية "نيو ستارت" لخمس سنوات واعتبرها "خطوة في الاتجاه الصحيح "، ولم يستبعد الكرملين إمكانية أن تراجع روسيا عن قرار الانسحاب من معاهدة "السماء المفتوحة" ، وبعد المكالمة الهاتفية بين الرئيسين .. وافق البرلمان الروسي بغرفتيه (الدنيا والعليا) على مشروع قانون خاص بتمديد المعاهدة، ووصفه بأنه يتوافق مع المصالح القومية الروسية ويتيح الحفاظ على شفافية العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن، خطوة رحبت بها العواصم الاوروبية والصين وسط أمال بأن تفتح الباب نحو توافقات أخرى بين القوتين.
واستمرارا لهذه " النوايا الحسنة " تسعى روسيا تقديم مقترح على الولايات المتحدة التوصل إلى معادلة أمنية دولية جديدة، تشمل جميع الأسلحة الهجومية والدفاعية، النووية وغير النووية، ووفقا لما قاله نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، "أريد أن أؤكد أن أي اتفاقيات مستقبلية ممكنة فقط على أساس التكافؤ المحض والمساواة، ولا يمكن تقديم أي تنازلات أحادية الجانب من الجانب الروسي" ، وتوضح روسيا أن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بين موسكو وواشنطن، التي جرى تمديدها مؤخرا في روسيا إلى سنة 2026 يمكن أن تشمل كذلك منظومة صواريخ "أفانغارد" الروسية ، وان جوهر المقترحات الروسية هو وضع معادلة أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار تطور الجوانب الأمنية العسكرية-التقنية والعسكرية-السياسية، " ونحن في الواقع نقترح توسيع جدول الأعمال الاستراتيجي وإدراج جميع الأسلحة الهجومية والدفاعية، النووية وغير النووية" بحسب ريابكوف
لكن الترحيب الأوربي والصيني بالخطوات الروسية، لم يشبع رغبات واشنطن في اتجاه تحسين العلاقات، وفشلت واشنطن في اول اختبار " لنواياها " في تحسين العلاقات مع موسكو ، التي رأت بأن واشنطن بدأت في التدخل في شؤونها الداخلية ، ونددت بالتصريحات الامريكية و ما قامت به السفارة الامريكية على خلفية تصدي القوات الأمنية للمظاهرات (الغير مرخصة رسميا) ، والتي طالبت بأطلاق سراح المعارض الروسي الكسي نافالني ، وهو ذات المطلب الذي اكد عليه الرئيس الأمريكي في مكالمته مع نظيره الروسي ، الامر الذي اعتبرته موسكو بأنه تدخل " فظ " في شؤونها الداخلية ، وذكرت موسكو نظيرتها واشنطن ، بعكس وضعية الحدث ، وحصول تدخل ودعم روسي للمهاجمين على " للكابيتول " ورسم لهم مخطط سير مسيرات احتجاجهم ، ماذا سيكون ردة الفعل الامريكية ؟ بالتأكيد فان الحديث عندها سيكون بالتلويح لفرض عقوبات شديدة على موسكو لتدخلها بالشأن الأمريكي !!، لذلك نصحت موسكو الأمريكيين بالاهتمام في شؤونهم الداخلية "أحسن لها " من الولوج في شؤون الغير .
أما بشأن أوكرانيا فقد أعترف الكريملين باختلاف وجهات نظر كبيرة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الأمريكي جو بادين، حول الوضع بمنطقة دونباس (أوكرانيا) ، ما عزز توقعات المحللين بأن جو بايدن سيتخذ موقفًا أكثر راديكالية بشأن أوكرانيا ، ويكثف المساعدات إلى كييف ، ويعالج بشكل أكثر قوة قضية حقوق الإنسان في روسيا ، بينما سيضم فريقه العديد من الأشخاص الذين يرون في موسكو منافسًا استراتيجيًا ، ولا ننسى طموحات موسكو في الموضوع الآخر على الأقل لـ "الحوار الانتقائي" بين الولايات المتحدة وروسيا بعد رحيل دونالد ترامب ، وهو خفض تصعيد الأزمة النووية الإيرانية التي نشأت بعد انسحاب واشنطن أحادي الجانب من خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA)) والاتفاق بين طهران والقوى العالمية "الست" بهدف حل مشكلة الذرة الإيرانية ، والتي ترى فيها موسكو انها ( أي خطة العمل المشتركة ) كانت ثمرة الجهود المشتركة لموسكو وواشنطن ، التي حاول دفنها دونالد ترامب ، لكن التصريحات الامريكية والإسرائيلية الأخيرة بشأن صعوبة العودة الى الوراء بشروطها القديمة ، وفقا لمحلل صحيفة " الإزفيستيا" سيرجي ستروان صعبت من مهمة موسكو حيالها .
جلسات الاستماع لمجلس الشيوخ الأمريكي ، التي جرت لتأكيد المرشحين للمناصب الرئيسية في إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن ، هي الأخرى تخللتها لحظات فيها اوجه تشابه مع ما قبلها في الحكومات الامريكية السابقة ، ونسفت " النوايا الحسنة الروسية " - فلا يزال ذكر الاتحاد الروسي والصين هما أصحاب "التهديدات الرئيسية لأمن الولايات المتحدة" ، ووصف المرشحون للمناصب الرئيسية المشكلات المرتبطة بموسكو بأنها "عاجلة" ، وسلطوا الضوء بشكل منفصل على الهجمات الإلكترونية ، وبناء نورد ستريم 2 ، وقضية السياسي أليكسي نافالني ، وهذه الأخيرة شدد وزير الخارجية أنتوني بلينكين على أن "المشكلات المتعلقة بروسيا في عدد من المجالات تمثل أولوية عاجلة" ، وأطلق على اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني ، "إنه لأمر مدهش كم يخاف فلاديمير بوتين من شخص واحد ... محاولة إسكات هذا الصوت وإسكات السيد نافالني أمر ندينه بشدة" في حين حذر بشان قضية وبناء نورد ستريم 2 أنه إذا رفض الشركاء الأوروبيون التعاون في هذا الاتجاه ، فإن واشنطن "ستضطر إلى النظر بجدية في الأدوات التي لم يتم إشراكها بعد" .
ويرى وزير الدفاع لويد أوستن في شأن الخطر العسكري الأكبر بانه " يرتبط بالسلوك العدواني لروسيا" ، والإشارة الى ان الحديث عن روسيا هو أسلحة البعيدة المدى ، وصواريخ كروز ، وأسطول الغواصات للقوات المسلحة الروسية ، ونشر ما يسمى بالأنظمة النووية الجديدة "، فضلاً عن" ترسانة كبيرة ومتنوعة من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية " ، والتركيز على انه سيصبح الاحتواء الكامل نموذجًا جديدًا للعلاقات الروسية الأمريكية خصوصا وأن موسكو برأيه تستخدم القوة الناعمة والقوة الناعمة وتشكل تهديدًا ليس فقط في أوروبا ، ولكن أيضًا في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والفضاء ، والتأكيد على أنه يعتزم "ترك الباب مفتوحًا" لتعاون أوثق بين الولايات المتحدة وروسيا "في المجالات ذات الاهتمام المشترك" ، والحديث يدور وفقا لرئيس البنتاغون المحتمل عن مكافحة الإرهاب ، وضبط التسلح ، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ، وتسوية النزاعات العسكرية.
وخلص الوزراء الرئيسيين في إدارة جو بايدن، وهم وزير الخارجية أنتوني بلينكين ورئيس البنتاغون لويد أوستن ووزير الأمن الداخلي أليخاندرو ماجيكاس ورئيس الخزانة جانيت يلين ومدير المخابرات الوطنية أفريل هاينز إلى أنهم مستعدون "لأعمال عدائية من جانب روسيا" في العالم ولن يتركوا هذه الأعمال دون عواقب، وأن واشنطن لديها "الأدوات التي أعدها الكونجرس" لمواجهة موسكو، وقانون "مواجهة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA) و "قانون ماغنيتسكي".
وبالنظر إلى أن الدبلوماسية تتشبث دائما بالقشة وتحاول رؤية الضوء في نهاية أطول نفق ، وبحسب السياسي ألكسي نوموف ، فإن تصريح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف لوكالة أنباء إنترفاكس لا يبدو متشائمًا للعام الجديد ، والذي قال فيه "ننتقل من سيء إلى أسوأ " ، وأضاف ان "إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب تركت إرثًا ثقيلًا للرئيس الجديد جو بايدن ، وسيستغرق الأمر وقتًا طويلاً للتعامل مع هذا الأمر" ، ووفقا للدبلوماسية الروسية ، التي تشدد على انه بما أن السياسة الأمريكية معادية بشدة لروسيا فانه في العلاقات مع واشنطن ، سيتعين على موسكو التحول إلى نهج ذي مسارين ، ويجب أن يقترن الاحتواء الكامل للولايات المتحدة في جميع الاتجاهات ، و"عند السير على هذه المسارات ، فعلى ما أعتقد ، قد تظهر بعض الأسس لتطبيع تدريجي للعلاقات مع واشنطن" ، وحاول سيرغي ريابكوف مع ذلك النظر في الضوء في نهاية النفق.
ووفقا للمراقبين الروس فانه اذا تم تقييم الضرر الذي ألحقه دونالد ترامب بالعلاقات الروسية الأمريكية على مدار سنوات حكمه، فيمكن القول إنه دمر (أو قوض على الأقل بشكل خطير) ثلاث ركائز لهذه العلاقات: آلية القمم التي لم تعقد ، والقنوات الدبلوماسية المشتركة التي أغلقت ، والإطار القانوني لضبط التسلح الذي ألغي ، وإذا كان دونالد ترامب قد أثرى العلاقات الروسية الأمريكية بمجموعة من التغريدات حول أهمية روسيا ، فقد أوضح جو بايدن مرارًا وتكرارًا أنه لا ينوي الإطراء على موسكو ، ، وإن ترامب أظهر عدم صرامة كافية في الرد على روسيا ، وخصوصا في ما يتعلق الأمر بالهجوم إلكتروني ، زُعم أنه أثر على وزارات الدفاع والأمن القومي والمالية والتجارة ، بالإضافة إلى آلاف الشركات ، وعلى عكس دونالد ترامب ، رأى وزير الخارجية بومبيو والمدعي العام ويليام بار أن هذا على الفور هو "يد موسكو".
ويتوقع الخبراء الأمريكيون أن يعتمد جو بايدن ، إلى حد أكبر بكثير من دونالد ترامب ، على الفريق ويأخذ في الاعتبار رأي مستشاريه ، وبالتالي فإن تعييناته مثيرة للاهتمام ومهمة بشكل خاص لروسيا أيضًا ، لكن النظرة الأولى على أولئك الذين أشرفوا على اتجاه السياسة الخارجية في مقر حملته ، وأولئك الذين يرشحون مناصب عليا ، تجعلك تشك في أن العلاقات الروسية الأمريكية تنتظر حتى ما يشبه إعادة التعيين ، وهذا ما يميز الوضع الحالي عن الحالات السابقة للتغييرات في الإدارات الأمريكية ، لذلك لا تربط هياكل دولة الاتحاد الروسي أي آمال خاصة بوصول جو بايدن إلى السلطة.
على ما يبدو ان إدارة بايدن لم تلتفت الى " النوايا الحسنة " الروسية ، وفشلت في اول اختبار لها بتدخلها ( الفظ ) ، في إدارة هذه الاحتجاجات عن طريق سفارتها في موسكو وبشكل علني ، بحسب الخارجية الروسية التي ترى بان هذا التدخل بات حقيقة ثابتة تماما مثل ترويج الأنباء المزيفة والدعوات للقيام بأعمال غير مرخصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها واشنطن ، واعتبرت دعم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن لهذه النشاطات غير المشروعة، بمثابة تأكيد آخر على الدور الذي تلعبه واشنطن وراء الكواليس ، اذن احداث التدخل في الاحتجاجات وتهديد الامن والاستقرار الروسي هو بمثابة الرد الأمريكي على " النوايا " الروسية ، وان مستقبل العلاقات الروسية الامريكية ، لا تحددها " النوايا " ، فان من مثل واشنطن لا يهمها " النوايا الحسنة " بقدر ما يهمها مصالحها وبأي ثمن .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول