ماذا أرادت البرجوازية، وماذا تريد جماهير تونس ومصر؟!

احمد عبد الستار
2021 / 2 / 1

بعد مرور الذكرى السنوية العاشرة لانتفاضة جماهير تونس ومصر خلال الايام القريبة من الشهر الجاري كانون الثاني.... اللتان أديتا الى هرب ابن علي وسقوط حكومة مبارك، كما اشعلتا فتيل انتفاضات جماهيرية عارمة في المنطقة برمتها. وانتقال أثرها إلى مناطق مختلفة من العالم.
إن انتفاضة جماهير تونس وبعدها جماهير مصر كانت بحق حدث عالمي مميز وانعطافة في تاريخ الصراع الطبقي المعاصر. رغم محاولات الاعلام الرأسمالي العالمي والمحلي التخفيف من شدتها، على الانظمة البرجوازية الحاكمة، واطلاق نعوت شاعرية فارغة مثل (الربيع العربي) او ثورة (الياسمين) في تونس او (اللوتس) في مصر.
أيَّ شيئا مستلطف يؤدي بمحمد بوعزيزي لقتل نفسه حرقا، ولحقه حسب ما تشير بعض التقارير والدراسات الاجتماعية والنفسية ما يقارب الخمسين شابا أحرقوا انفسهم كذلك في دول المنطقة، لنفس اسباب، فيما اطلقوا عليه ظاهرة "بوعزيزي"، وذهاب مئات الضحايا والاف الاصابات. في معظم البلدان التي تحركت جماهيرها، ضد ناهبيها.
وبدلاً من الخبز والحريات وتوفير فرص العمل لملايين غفيرة من الشباب، شرعت البرجوازية في المنطقة، وفي هذين البلدين بالتحضير للهجوم على السلطة، واستعادة المبادرة من يدي الجماهير العفوية وغير المنظمة.
بعد أن خسرت الجولة في الشارع، بدأت القوى المضادة للثورة بالعمل على استعادة سلطتها، فهم مازالوا موجودين في جهاز الدولة القديم، في الشرطة والبيروقراطية الادارية وفي مسارب التجارة ومؤسسات المال، والجيش كما في حالة مصر، ووجود الاحزاب الاسلامية المنظمة جيدا، في الشارع، متأهبة للانقضاض على الانتخابات بالتزوير أو عن طريق التحالف مع خونة الثورة. الذين يتحالفون في كل مرة مع اعداء الجماهير، من اجل مصالحهم الخاصة، ومن وراء ظهر الجماهير.
استطاع الجيش في مصر، بعد الاطاحة بمبارك الدخول الى ساحة الانتفاضة، وفرض سيطرته، على الشارع تحت شتى الذرائع والحجج، لقمع الجماهير المنتفضة (بحجة التهدئة) وسحب البساط من تحت اقدامها، وفي الجهة المقابلة استعد الاخوان المسلمون، ضباع الانتفاضات العمالية والجماهيرية، بتنظيمهم المحكم والجاهز، من الدخول في الانتخابات والفوز، بنتائجها. بمساعدة امريكية واضحة للعيان ودفع غربي، خشيةً من ذهاب الحركة الجماهيرية الى أيدي جماعات، ليس لها نصيب في حسابات الفائدة الامريكية. انتفضت مجددا الجماهير المصرية، رافضة حكم الاخوان الذي لا يختلف عن حكم سابقيه، ويزيد عليه تخلفه ولا مدنيته. مما شجع المؤسسة العسكرية بقيادة السيسي، من الهجوم على السلطة وانتزاعها من يدي الاخوان ورئيسهم (مرسي). تحت حجة التلبية لمطالب (الشعب) المصري لرفضه حكم الاخوان.
وفي تونس بعد ابن علي، حرصت الرأسمالية العالمية، وفي اوروبا القريبة أن تتدخل بالتوجيه، الى اللجوء الى الديمقراطية والانتخابات التشريعية، واختيار الرئيس ديمقراطيا، والدفع بهذا الاتجاه لتمكين الاسلاميين المنظمين، في حركة النهضة والقائد السبسي وحركته، للسيطرة على السلطة، من خلال مراحل مرت بها الديمقراطية البرجوازية في تونس. انتهت حاليا في سيادة الاسلاميين على معظم ادارة البلاد ومؤسساتها بالشراكة مع تنظيمات صغيرة، تشاركها السيطرة، في المجلس التشريعي وفي الادارة. باستثناء الرئاسة، لقيس سعّيد، الذي يدعي الاستقلال الفئوي والحزبي، لكنه أمين للرأسمالية العالمية ومؤسساتها المالية وشروط صندوق النقد الدولي، أي إنه لم يكن مستقلا عن الطبقة البرجوازية التونسية الحاكمة، وإن كان بلا حزب سياسي يمثله حسب ما ادعى خلال ترويجه لنفسه في الانتخابات التي جاءت به لهذا الوظيفة.
الطبقة البرجوازية تستعيد سلطتها السياسية، بالوان جديدة، ديمقراطية او عسكرية، للحفاظ على مكاسبها الطبقية، مع تقديم بعض التنازلات تحت الضغط الهائل من الجماهير المنتفضة، فالبرجوازية تعرف كيف تعمل فهذه الطبقة صاحبة خبرة في التنظيم، والوعي الطبقي، بالإضافة الى الشيء الاساسي الحاسم في دوائر الصراع السياسي؛ ملكيتها للثروة التي تمنحها ميزة خاصة في عالم كل شيء فيه يتحرك على اساس المال والثروة.
ولما استعادت برجوازية تونس ومصر سلطتها الطبقية، عبر الوان الخداع والتظليل والقمع؛ أخذت بالعمل على استعادة مكاسبها وامتيازاتها الطبقية، وسلب الجماهير العمالية والفلاحية في هذين البلدين وعموم فقرائهما من كل مكسب نالته بنضالها وتضحياتها خلال الانتفاضة. وهو كقاعدة عامة لا تقبل الجدل وجود البرجوازية في السلطة يعني في الجهة المقابلة حرمان الآخرين من الخبز وحق العمل وضمان الحياة الانسانية الكريمة.
حسب تقارير منظمة العمل الدولية ( تقدم بيانات متساهلة بطبيعة الحال عن الاعداد الحقيقة للعاطلين ومستويات الفقر)، تشير قبل عام الى تنامي مستوى البطالة في الشرق الاوسط، وشمال افريقيا، الى ما نسبته 30% من مجموع الشباب؛ غير قادرين على ايجاد فرص عمل، وإن الاوضاع الاقتصادية المتردية التي اشعلت (الربيع العربي) اصبحت أشد سوءً من ذي قبل.
سياسة نظام السيسي المرتبطة بمؤسسات المال العالمية، أدت الى ارتفاع مديونية مصر، الى ثلاث اضعاف ما كانت عليه قبل عهد حكمه، سواء الدين الخارجي الذي ارتفع من 43 مليار دولار إلى أكثر من 123 مليار وكذلك ارتفع الدين المحلي من 1.2 تريليون جنيه إلى أكثر من 4.2 تريليونات جنيه حتى منتصف عام 2020، مما يؤدي الى التقشف في الانفاق الحكومي، وتعطيل التوظيف في قطاعات الدولة العامة ورفع الدعم عن المواد الغذائية الاساسية، واسعار الوقود وهبوط قيمة العملة، وبالتالي سيخلف ايقاف اي انتاجية في الاعمال العامة، وتسبب الكساد وتوقف كل عمل خاص أكان ام حكومي، وبعدها العجز عن سداد الديون، والاضطرار مرة اخرى الى الاقتراض، والدوران في دائرة مفرغة، لا تكون نتيجتها إلا إفقار وتجويع جماهير مصر وتدمير اقتصادها ورهنها عند صندوق النقد الدولي.
وفي تونس، ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية بعد عشر سنوات على التغيير، لا زال اوساط اجتماعية تشكو من تردي أوضاعها المعيشية ومن تفشي البطالة والفقر والفساد والظلم، و تردي الخدمات العامة في الوقت الذي تشير دلائل مؤكدة الى الاقتراب من شبه افلاس في الدولة. وذلك باعتراف الغنوشي رئيس البرلمان خلال ندوة بمناسبة الذكرى العاشرة (للثورة) قائلا" أن الشعب لم يعد يهتم بهذا المنجز (الحرية)، وأصبح لا يريد سوى المنجزات الاقتصادية والاجتماعية، التي لم تعد تستطيع الدولة تحقيقها نظرا لأوضاعها المتأزمة".
هذا الاعتراف سيد الادلة كما يقال في القانون، على تفاقم الاوضاع المعيشية سوءً لجماهير تونس، تحت سلطة مجاميع من الاحزاب والكتل السياسية، عبر الديمقراطية، التي لا تريدها الجماهير، إن لم تعد عليها بتحقيق مطالبها، وهذا الاعتراف يدلنا، مما لاشك فيه إن الديمقراطية بشكلها السائد، لم تعد سوى تقاسم للسلطة بين الاجنحة والاطراف البرجوازية لخدمة مصالحها الطبقية.
وبسبب بقاء نفس الحال المعيشي وسوء إدارة الاقتصاد، سواء تحت ظل دكتاتورية ابن علي او تحت ظل الديمقراطية الجديدة، انفجرت جماهير تونس مجددا، مرددين مضامين نفس الشعارات لقبل عشرة اعوام "حرية وكرامة للأحياء الشعبية"، وضد الحكومة الجديدة وحزب النهضة الاسلامي بزعامة الغنوشي صاحب اكبر كتلة برلمانية، مثله مثل الصدر وكتلته في البرلمان العراقي، و"فليسقط النظام البوليسي" على اثر القمع الدموي الذي تعرض له المحتجون التونسيون، وسقوط احدهم صريع رصاص الشرطة.
في لقاءات إعلامية لا حصر لها، مع المحتجين المصريين، والتونسيين، يؤكد جميعهم، بأن (الثورة) متواصلة ولم تمت، ويحرصون على متابعة النضال حتى تحقيق المطالب. يظهر بكل وضوح من مشاهد المد والجزر العنيف هذا في تونس او في مصر العسكر بين السلطة والجماهير، إن الاخيرة تطمح الى تحقيق مطالبها، لكنها لا تملك القوة اليها، بسبب غياب القيادة الواعية لأهداف مطالب العمال والجماهير المحرومة، وسيادة العفوية وتغلغل المندسين الانتهازيين من برجوازية صغيرة واسلاميين، كانت هذه من أهم اسباب توقف الانتفاضة حتى الآن عند هذا الحد من مواجهتها للسلطة.
تقول القاعدة التي ارشدنا اليها كارل ماركس؛ قائلا" لن تكون ثورة جديدة ممكنة إلا عقب أزمة جديدة . والأولى مؤكدة تأكد الأخيرة". ويمكن شرحها بشكل مبسط، إن النظام الرأسمالي هو عبارة عن نظام أزمة متواصلة تتجدد تلقائيا من وسط آلية عمل هذا النظام وواحدة من نتائجه الحتمية. في افقار المجتمع وتجويعه والمثابرة التي لا تهدأ في تهميش كل طبقات وفئات المجتمع الكادحة، والاخيرة لا يمكن أن تهدأ ولا يلين لها جانب في المطالبة، والسعي لتحقيق العدالة.
إن تجدد الاحتجاجات في تونس وانتقال صداها الاخير، الى كثير من الاماكن في المنطقة وفي العالم، مع تجدد الازمة الاقتصادية وبقاء نفس اسباب البؤس، قد ألهم المحتجين دروسا وعبر، تنقلهم الى حلقة نضالية جديدة ومتقدمة في ميدان الصراع الطبقي، مثال ذلك بدأ الكلام عن قطع الصلة مع الاحزاب البرجوازية، وتوجيه اللوم الى حزب النهضة (الرجعي) حسب تعبير المتظاهرين امام البرلمان، وباقي الاحزاب داخل هذه القبة. ويبدو إنها قد ترسخت لدى الثوريين قناعة بخيانة البرجوازية للمطالب الجماهيرية، وهناك افكار أخذت تتبلور داخل صفوف العمال والشباب العاطلين اصحاب الجرأة في المواجهة، لضرورة الاعتماد على النفس وتنظيم صفوفهم الطبقية بوجه عدوهم الطبقي الواحد. فالمسلمة تقول ليس من مصلحة العمال وجود الرأسمالية الطبقة التي تستغلها وكل اوجه الاستغلال، مصلحتها تكمن في قيادة من لدنها ترسم بوعي وسائل تحقيق غاية التاريخ، الى محو كل اوجه الاستغلال والغاء كل طبقة. وهذا يستوجب خوض نضالٍ ضارٍ من مد وجز وارتقاء حلقة ارفع من اخرى في سلّم الصراع الطبقي وتجاربه الاجتماعية.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية