ثقافة التلصص ودس الأنوف والقهر-لماذا نحن متخلفون

سامى لبيب
2021 / 1 / 30

- لماذا نحن متخلفون (77) .

مقدمة :
أعزي التخلف في هذه السلسلة من "لماذا نحن متخلفون” إلى ثقافة الشعوب , ولا أقصد بكلمة الثقافة كما ذكرت مراراً حيازة الإنسان على كم من المعلومات المعرفية , فالثقافة هي منهج تفكير وسلوك وطرق معالجته للأمور والقضايا , معتمداً على إرثه وتراثه وتاريخه الفكري .. من هنا تكون الثقافة هي البوتقة التي تُنتج فكر وسلوك وشخصية وهوية الإنسان , فهي البوصلة التي تحدد مسار الإنسان الفكري والسلوكي بما إكتسبه معرفياً من بيئته ومجتمعه وتراثه وتاريخه .
ثقافة شعوبنا تعتمد على تأثير الفكر الديني الإسلامي في المقام الأول كثقافة مهيمنة لتقوم العادات والتقاليد الشعبية بدور ثانوي غير مؤثر وإن كانت هذه العادات والتقاليد مستمدة أساساً من الدين الإسلامي في الغالب .. من هنا تتنوع كتاباتي عن التخلف معتمداً على التنقيب في مفردات الثقافة الإسلامية ودورها في خلق التشوه الفكري والسلوكي لتجلب التخلف والجمود , وليترسخ هذا الجمود والتخلف بحكم تفرد الثقافة الإسلامية وإنعدام وجود ثقافات بديلة مؤثرة .

التلصص ومسخ حرية الإنسان .
- نحن شعوب تفتقد لمفهوم الحرية والقدرة على التعبير والتفكير والسلوك بحرية لذا لا تأمل في أي تقدم وتطور , ولا يرجع هذا إلى وجود طغمة حاكمة تمارس القمع وكبت الحريات كما يحب البعض أن يبرر غياب الحريات والديمقراطية بل يرجع فى الأساس إلى طبيعة ثقافة هذه الشعوب التي لا تعتنى بالحريات .

- الحرية ليست شعارات جميلة ولا ميل نحو الرفاهية والترف ليمارسها المترفون ,فتخلفنا الحضاري والإنساني نتاج أننا إفتقدنا مفهوم هذه الكلمة السحرية في مفردات حياتنا ووعينا , وبإفتقادنا إياها لا تتوسم أي أمل فى الخروج من شرنقة التخلف .

- الحرية التى نعنيها هي حرية عقل في الأساس قادر أن يعبر عن ذاته ووجوده وفكره وسلوكه بإستقلالية ,كذا قدرته على الفعل والإبداع والحراك بدون قيد يكبله ,لذا أرى أننا في حاجة للبحث عن حريتنا المفقودة , وسبب غيابها عن وعى شعوبنا , و لماذا لا تعنينا , وما سر قبولنا بإنتهاك حريتنا .
علينا أن نخوض بجدية فى البحث عن سبب إختلال جيناتنا الثقافية التى أدت لفقد جين الحرية وإدماننا للإنتهاك , فالأمور ليست قدرية ولا يكون علاجها بتوصيفها والصراخ ولعن حظنا البائس , فمن السهولة بمكان أن نصرخ ونولول وننعت أنفسنا بالتخلف لنتحسر على حالنا وليتماهى البعض في جلد الذات ولكن من الأهمية بمكان الكشف عن فيروس هذه الحالة ووضع أصبعنا على العصب المُلتهب الذي يكمن فى داخل هذه الحالة المزمنة من إفتقاد الحرية فى ثقافتنا وحياتنا .

- لن أكون مغالياً عندما أقول أن سر إفتقادنا لمفهوم الحرية وعدم إدراكنا إياها وضياع أى حرص عليها يأتى من تسلل مفهوم آية سورة آل عمران " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" ليضاف لها حديث محمد "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " لتشكل هذه الآية مع الحديث حجر الزاوية الذى يتأسس عليه منظومة إنتهاك حريتنا وكرامتنا .
لا يكون تقييمي لفعل الآية والحديث نتاج حالة فكرية تناهض الموروث الديني , فمن الغباء عداء تاريخ وفكر إنسان قديم أبدع وأخلص لفكرة تحمل تطلعاته ورؤيته ومعارفه ومصالحه ومنها صاغ مجتمعه ونظامه , ولكن تأتى إدانتنا من إسقاط الموقف التاريخي والحالة الفكرية والنفسية والسلوكية لإنسان هذا الزمان على واقعنا كثقافة حاضرة تسقط بظلالها الكثيفة على واقع مغاير فتصبغه بنفس صبغة القديم بسلوكه ونهجه ورؤيته الحادة .

- تعالوا نتأمل الآية والحديث التى تجد إعتزاز لدى المسلم ككلام يدعو للحث على الفضيلة والبعد عن المنكرات , فالقراءة المُتسرعة العمياء ستصدر معنى الفضيلة والأخلاق ولكن القراءة المتأنية وتأثيرها على الواقع ستدمر الحرية والسلوك الحر فى شخصية الإنسان لتسمح للآخرين بإختراقه فى أموره الحياتية وفرض منظومتهم عليه .

- لاحظ قول " تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ " التى نرددها كثيرا ونستحسنها ونعتبرها من الآيات الثريا في الدين بينما هى تنتهك إنسانيتنا وتصفع أى إنسان يمتلك قسط بسيط من الحرية والكرامة , فمن يفطن هذا فى ظل مجتمعات أُنتهكت وأدمنت الإنتهاك .. انظر لكلمة "تأمرون بالمعروف" فالمعروف يأتي هنا بالأمر وما تحمله كلمة أمر من معاني تعنى الهيمنة والفرض والسطوة , فالآمر يَفرض أوامره بدون جدال ويمتلك السطوة لتجعل كلامه "أمراً" فلا يرده أحد ..فهل يقترب هذا من أي إحترام لحرية وعقل الإنسان أم ينتهكه , الغريب إنصراف مُبدع النص عن صيغ تعبيرية أقل حدة كقول الدعوة للمعروف أو الحث إليه ليعتنى بالأمر فأنت ستفعل المعروف مأموراً رغماً عن أنفك .

- لن تجد من يقف مستنكراً قائلا لا أقبل أن تأمرني بعمل المعروف فليس هذا من شأنك , فالمؤسف عدم وجود أى إحساس بما تحمل كلمة " تأمرون "من مهانه وانتهاك , فهل هذا يرجع لأن جلودنا سميكة أم حجم تاريخ إنتهاكنا كبير ,فإستحساننا لكلمة "تأمرون" تعنى أن هناك خلل فى تركيبتنا الشخصية والنفسيةّ !
تأتى كلمة "تنهون" فى نفس السياق الفارض فلا يكون طلب الإبتعاد عن المنكر بالموعظة والنصح بل بالنهى وما تحمله الكلمة من معنى قاهر , ليأتي الحديث النبوي محدداً الصورة بشكل جلى وفج :"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " فالمُنكر يتغير بالقوة والقهر كأقوى مرتبة من مراتب الإيمان , ثم يأتي فى المرتبة الثانية اللسان والذى يعنى الزجر والتوبيخ وإغلاظ القول لينتهى الحال بالقلب أى يحمل المرء ضغينة وإستياءه من صاحب المنكر .

- إن التلصص على حريات وسلوك الآخرين والتدخل صار شائعاً ليصل لحد الهوس الجمعي ,وليزداد تفحلاً بإستخدام وسائل التواصل الإحتماعي كالفيسبوك لتجد لذة فى حشر الأنوف فى حريات الآخرين ولا مانع من إدانتها والتشهير بها , فمثلا تتناول السوشيا ميديا هذه الأيام مشهد لحفل خاص هزلي لبعض السيدات بنادي الجزيرة وهم يتناولون حلويات وجاتوهات على شكل أعضاء جنسية , فيصير شاغل المجتمع وإستنكاره بالرغم أن الحفل شديد الخصوصية ولم يتم دعوة غريب عنهم ولتستغرب من تفاهة هذا المجتمع وتجذر التلصص والفضول وحشر الأنوف .

- ماذا تعنى هذه الصور.. تعنى أن من حق المسلم أن يخترق حرية الآخر بفعل "تأمرون" و"تنهون" و" تغيرون" فلا تسأل عن حرية شخصية تأبى أن يخترقها أو يتطفل عليها أحد ,فالكل معنيون بإختراقك وفرض رؤيتهم عليك ولعل هذا الفيديو الذى شاهدته يعطى رؤية فى كيفية تأويل الأمور عندما تتفعل "تأمرون" بالمعروف و"تنهون" عن المنكر باليد فى الواقع .
http://www.youtube.com/watch?v=HwEfNMIm3As
الشريط للشيخ صالح الفوزان كبير علماء المؤسسة الدينية بالمملكة السعودية ومن موقعه على اليوتيوب يجيب على سؤال لسائل يسأل عن جواز تهديده لزميل له بالوشاية لرئيسه حتى ينقله من مكان عمله إلى مكان بعيد كونه لا يصلى .. فماذا تتصور رد الشيخ فوزان , فهل تتوقع أن ينهر هذا السائل ويقول له " ما شأنك " أو " إنت مال أهلك " حتى تحشر أنفك فى البحث عن كونه يصلى أم لا , وما الذى خولك أن تؤذيه على فعل ليس لك أن تتدخل فيه , فالصلاة بين الإنسان وربه فيكفيك أن تنصحه وترشده إذا قبل منك هذا , ليجئ رد الشيخ فوزان برفع أسقف الإنتهاك ليعتبر هذا الذى لا يصلى كافر ولا يكفى إضراره بالسعي نحو نقله من عمله بل يجب عزله عن الوظائف كما يجب قتله إذا لم يستتب ولم يصلى !!
ماذا تقول عن هذه الشريعة وتلك الثقافة , فالصلاة رغم أنف اللي خلفوك وليست علاقة خاصة مع الله حيث الحساب لديه , ولا هي فعل يتم بحرية لا ينازعك أحد عليه بل أنت مأمور بالصلاة وإلا نلت حظك من إضطهاد ومضايقة وتكفير وما سيصاحبه من إهدار دمك .
أريد التركيز من هذا المشهد على تلك الرخصة التي سمحت لهذا المسلم السائل ليفتش فى سلوك زميله المسلم كونه يصلى أو لا يصلى ,ولا يكتفى بدس أنفه بل يضغط عليه ويهدده بالوشاية إلى رئيسه ليلحق به الأذى , فمن أين جاءته الجرأة أن يخترق حرية زميله ويسعى إلى قهره وإرغامه على الصلاة في شأن ليس له أن يقترب منه , فأليس هذا من " تأمرون" بالمعروف و" تنهون" و" تغيرون" المنكر باليد .. ألم تأتى من تلك الثقافة .

- مشهد الفيديو الذي إستمعنا له يعطى صورة قاتمة وفجة لواقعنا المُخزي نجد حضوره القوى فى مملكة التصحر ومؤسسته الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولدى أصحاب التيارات الإسلامية السلفية والجهادية والتكفيرية التى تتشوق لهفةً لتطبيق شرع الله , والمؤسف أن هذا يتواجد فى كل الشعوب الإسلامية بدرجة أو بأخرى فلا ينعدم كون ثقافة " تأمرون ,وتنهون ,وتغيرون المنكر" مُتجذرة حاضرة فى الوعى والفكر الإسلامي لتنتج لنا بشر متسلطون ومهترئون لا يجرؤ أحد أن يقول " إنت مال أهلك " فى وجه من يخترق حريته وإنسانيته , فالكل يسمح للآخرين بإختراقه وفرض تطفلهم ودس أنوفهم فى حياته ليفرضوا رؤيتهم فلا تكون الصلاة والصوم حرية شخصية بل سامحة لكل متطفل أن يدس أنفه في حرية وسلوك الآخر .

- هذا الإقتحام والسطوة التى تنتهك حرية الإنسان بكل صلافة تخلق خوف يتغلغل بين الضلوع , لأتذكر مشهد من الفترة الجامعية حينما كان يأتي أصدقائي المسلمون يأكلون ويشربون الشاى ويدخنون السجائر فى بيتى بشهر رمضان لتندهش أمى وتقول : هوا إِنت معندكش اصحاب مسلمون يصومون رمضان أبدا ! .. فى الحقيقة كان أكثر من نصفهم شيوعيين وبغض النظر عن كونهم شيوعيون أم غير شيوعيين فكلهم كانوا حريصون كل الحرص على إبداء أنهم صائمون أمام ذويهم بل ينكرون بشدة إفطارهم لأستغرب هذا السلوك , فأنا لا أصوم الأصوام المقدسة ولا أخجل من إعلان هذا أمام أحد .

- هذا الخوف المتغلغل فى الضلوع من سطوة الآخرين على حريتنا جاءت من رخصة " تأمرون , وتنهون ,وتغيرون المنكر" المتغلغلة فى الأعماق سامحة لكل من هب ودب أن يخترق حريتنا وكرامتنا فلا نقول له "إنت مال أهلك" بل نعمل حساب دس أنفه .

- ظاهرة دس الآخرين أنوفهم فى حياتنا وفرض سخافاتهم وسطوتهم لا تتوقف على الصلاة والصيام بل تمتد لتمظهرات وسلوكيات كثيرة كلنا نعيشها تتنشط بتصاعد الهوس الدينى ولكنها تتفاوت بالفعل من مجتمع لآخر بل داخل المجتمع ذاته ولكن لا تقل انها تلاشت وإندثرت أو فى سبيلها لزوال فهي في داخل الجين الثقافي المجتمعي ليمكن لها ان تتوارى وتخبو حيناً لتتحول فى أضعف مستوياتها إلى الفضول السخيف وإحساسك أنك مراقب من خلال تفعيل دفع المنكر بالقلب واللسان.

- نحن شعوب لديها فضول غريب فتعشق دس أنوفها في شئون الآخرين لتتبع سلوكياتهم باحثه عن أسرارهم والنبش فيها , ويأتي هذا الفضول القمئ بما هو متاح من تفعيل دفع المنكر فقد لا يكون دفع المنكر باليد سانحاً لحدود إمكانياتي وظروفي وإمكانيات الآخر لأستغل ماهو متاح من رخصة "دفع المنكر باللسان والقلب" لأمارس فضول أخترق به حرية الآخرين ولا مانع من الإدانة التي تبدأ بالتقريع والتأنيب والتوبيخ والتحقير لتتدرج إلى المضايقة متى أتيحت الظروف .. نحن شعوب لا تعرف ثقافة " إنت مالك أهلك ".

- الطريف والغريب أن هذا التلصص والفضول وحشر الأنوف لايجد سبيله فى التعاطي مع مشاكل المجتمع العامة والخوض فى الشأن السياسي والإقتصادي والإجتماعي العام ,ففي ظل هذا الخواء والخراب النفسي تتعطل القدرة على المعرفة العلمية ومناقشة الأوضاع السياسية والإقتصادية , فصاحب مقولة : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه" يعاني فى الأساس من حالة خمول فكري أمام القضايا الحيوية كما أنه يدرك جيدا أن الإقتراب من الشأن العلم ستجلب عليه المشاكل فيتماهى في دس أنفه فى شئون الآخرين فهى لن تجلب عليه المتاعب بل ستحسسه بقيمته وقدرته على السطوة والهيمنة .

- لن تجد فى شعوب العالم هذا النهج من المراقبة والتفتيش ودس الأنوف فى أمور شخصية للبشر لتتفرد شعوبنا العربية الإسلامية بهذا النهج .. فلن تجد في الغرب من يسأل عن نوع العلاقة لتلك المرأة التي تسير مع هذا الرجل .. لن تجد من يعتنى بالبحث الدؤوب عن هوية دين وفكر أحد .. لن تجد من يراقب هذا الذي يصلى وذاك الفاطر فى رمضان .. لن تجد من يتلصص ليعرف ماتخفية من خطط ومشاريع .. لن تجد من يبحث عن سر فك خطوبة فتاة من خطيبها ولماذا طلق الرجل الفلاني إمرأته فنحن فقط من نعتنى بهذه الأمور .

- هذه الحالة من ترسيخ " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان" فمنها وبها فتحت المجال لكل إنسان أن يفتش فى أحوال الآخر ليدس أنفه ويُقيم سلوكه ويفرض عليه التدخل في شئونه لتشيع ظاهرة الفضول القمئ التى تكتفى ب" قلبه" و " لسانه" عند أقل مستوى لتتصاعد إلى الصد باليد فى حالة إمتلاك القوة والسطوة وضعف من نقتحم حياتهم .

- ليس من حق أحد أن يأمرنا بالمعروف وينهينا عن المنكر .. ليس من حق أحد أن يُقيم سلوكي , وليس من حق أحد أن يُغير سلوكي طالما لا أضيره بفعلي , فهذا إنتهاك لأبسط الحريات الشخصية , فلا شأن لك إن كنت أصلى أم لا فهذه ليست قضيتك بل شأنى وحريتي الخاصة التى لا تنال منك لذا من حقى أن أصرخ فى وجهك وأقول لك :" إنت مال أهلك ".
ليس من شأنك أن تتطفل وتسأل عن علاقة حب بيني وبين إمرأة لتأمرني بالإنصراف عنها , وليس لك أى حق ان تَسبنى وتتطاول عليّ بيدك لعلاقتي مع تلك المرأة , فهذا إنتهاك يعاقب عليه عند الشعوب المتحضرة بينما لدينا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر !

- الفزاعة التى ترهبنا وتجعلنا نرضخ لكل من ينتهك حريتنا هو التلاعب على وتر أعصابنا المشدودة ومواريثنا المُستبدة , فعندما تعلن إستياءك عمن يدس أنفه فى حريتك وحياتك الشخصية وقبل أن تصده بقولك " إنت مال أهلك " سيباغتك بالقول : أنت إذن لا تقبل النهى عن المنكر فهذا يعنى انك لا ترى غضاضة في ان تقيم أختك علاقة مع شاب بدون أن تنهرها , ليتقزم الجميع أمام هذا الحرج الذي يتلاعب على حرج الجنس والشرف ليخجل أمام حرجه فهو لا يستطيع ان يصرح بحريتها , فداخل كل منا طاغية ووَصى ومُطوع ينهى عن المنكر ليحقق وصايته وقهره وينسى الجميع أن هذه العلاقة ليس لأحد أن يتدخل فيها فهى حياة وحرية رجل وإمراة لا تتم فوق رؤوسهم , كما أن النهى عن المنكر لم يحصن ولم يمنع تلك العلاقات فى المجتمعات التى تدفع المنكر باليد ,فالموبقات والفواحش تنتشر بها بشكل مُسرطن فمن داخل الأسوار المحكمة تنتج منكرات لا تستثنى الشذوذ .

-" أنت ترضى ان تقيم اختك علاقة حب مع شاب" تفضح كل من يتشدق بالحرية ليطفو ما في داخله من منهجية الوصاية والقهر والإستبداد فنتوارى خجلاً ولا نستطيع إستكمال دفاعنا عن الحرية فقد تعرينا أمام منهجية القهر والإستبداد والوصاية الكامنه فى جيناتنا الثقافية .

- نحن شعوب أصحاب ثقافة قهر لا تدرك أى مفردة من مفردات الحرية فلا تعتنى بالمقولة الشهيرة أن حريتي تنتهى عند حرية الآخرين ليتعضد القهر وفرض الإرادة على حرية الآخرين منتجة منهج الوصاية الذى هو الوليد الطبيعى للقهر أو قل الجين الثقافى المستنسخ منه ليتولد داخل كل واحد منا إعتقاد بحق الوصاية على الآخر ,فأنا لن أحترم حريتك عندما لا تصلى أو لا تصوم أو ترتدى ما تريد من ملابس لأعاقبك عليه ولتتدرج مستويات العقاب والإدانه وفق كل مجتمع بدءاً من الإساءة والتجريح إلى دفع المنكر باليد .

- فى القرن الواحد والعشرين ومع شيوع شعارات الديمقراطية وحرية الفكر والإعتقاد وتعدد الأراء وثورات الربيع العربي والهباب الأزرق لن أقبل من أخى ولا جارى أو صديقي ان يرتد عن دين الإسلام لأطالب بالحجر علي حريته وإقامة الحد عليه ولأمهله إستتابة ليرجع فيها للإسلام رغماً عن أنفه وأنف اللى خلفوه وإلا السياف عند باب الغرفة .. لم يجرؤ احد من المثقفين والليبرالين والديمقراطيين المتشدقين بالحريات أن يقولوا و"إنتو مال أهاليكم " كونه يرتد أو لا يرتد بل يطاطأ الجميع الرؤوس من خوف أو من ثقافة حرية عرجاء مشلولة تتلحف فى داخلهم بموروث القهر والوصاية أو قد تكون الحرية لديهم مثل مقاسات الأحذية .
التخريب والتشوه النفسي .

- يسود منهجية الكاهن الذى يمنح صكوك الغفران فى ذهنية كل مسلم فتجد من يعلن أن تلك الفتاة مُلتزمة وهذه غير مُلتزمة , وهذا الرجل مُتدين وذاك غير مُتدين لتصل الأحكام إلى أن هذا مؤمن وذاك كافر , لتجد كل مسلم يمارس هذا المشهد التقيمي بدرجة أو أخري لنصل إلى التدخل السافر فى حرية البشر وخضوع الأمور لتقيماتنا الخاصة وما يصاحب هذا من نفور .

- لقد أنتجت فكرة " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان" حالة من السادية والمازوخية فى نفس الوقت ! فأنت سادي عندما تمتلك القدرة على دس أنفك فى شئون الآخرين ومحاولتك التأثير عليهم بالتوبيخ والتقريع والإزدراء وفرض سلطتك القهرية عليهم .

- نحن ضحايا ثقافة خلقت فى كل واحد منا مُستبد وطاغية ووَصى يتماهى في قهر الآخرين وفرض وصايته عليهم , ليمارس سلوك سادى ومازوخى فى نفس الوقت , فالسادية من الرغبة في التحكم والهيمنه لمن تطوله أيادينا ومن نتلمس منهم ضعفاً , والمازوخية عندما نقبل بأن تدور الدوائر لينالنا قهر ووصاية وإستبداد الآخر فنتقبله ونبلعه بما فيه من مهانه تحت يافطة الحفاظ على الأخلاق والثوابت , لذا نحن شعوب سهلة القيادة فيكفى أن تكون قوياً لتخترق الآخرين بدون أن تجد ممانعه ,فنحن شعوب تعودت على الإختراق وبالروح والدم نفديك يا مُخترقنا وعندما ننصرف عنه نأتى بمُخترق آخر يكون أبشع إختراقاً .
- عند العجز على الإقتحام كذا مع إستعداد نفسي بقبول دور الموصي علينا فإنك تتحول لمازوخي يستمتع بالخضوع والإذعان وهكذا تدور الدوائر.

- تحظى مقولة : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه " بحضور وحيوية في نفوس الشعوب المقهورة , فهي تعطي متنفس للمهمشين بالتواجد والتأثير , فيحس المقهور أن بإمكانك ممارسة سلطة وقهر لمن تطوله يده فلا يكون المفعول به دوماً بل الفاعل أيضا ليحس بوجوده وشخصيته .

- سنظل فى شرنقة التخلف طالما نفتقد لأى معنى من معاني الحرية فنُنتهك ولا ندرك أننا مُنتهكون , ونُخترق فلا نفطن لإختراقنا ليصل الحال بنا أننا إستعذبنا الإنتهاك ونرى منتهكينا أصحاب حق .. عندما يفقد الإنسان حريته ويسلم قيادته للآخرين كرهاً أو طوعاً فلا يصرخ منادياً بحريته فإعلم هنا أنه يحفر قبره كإنسان.

- التخلف لا يسقط من السماء بل نتاج فعل ثقافة تطرح تخلف ليكون التخلف والتداعي الإنساني من طبيعة ثقافة ونهج تفكير وسلوك تجذر فى الأرض ليكون ثماره تخلف , لذا عندما تريد أن تبحث عن سبب تدهور شعب فلتفتش فى ثقافته ومفرداتها الحاضرة التى تكون بمثابة الجين الذي يحمل شفرة سلوكه وحياته .

- عندما نستطيع أن نقف بقوة أمام من يخترق حريتنا لنقول له بصوت عال " إنت مال أهلك " ومن جعلك وصياً على سلوكي فحينها يكون هناك أمل في التحرر من شرنقة التخلف .. حينما لا نمجد "الآمر" بالمعروف و" الناهى " عن المنكر فهناك سبيل للنجاة .. حينما نكسر أنف من يحشر أنفه فضولاً في حياتنا وحريتنا .. عندما نشل يد فخامة من يرى أننا على منكر وعليه أن يغيره بالقوة فهنا نكون قد أدركنا الحرية وكيف ندافع عن حقنا فى الحياة .
لن نرى تحضر ولا إنسانية ولا كرامة طالما نفتقد لثقافة "إنت مال أهلك" .. حينما نستطيع أن نصرخ بقوة وشجاعة لنقول " إنت مال أهلك " فحينها سنعرف طريقنا فى درب التحضر والإنسانية ونودع مجتمع القطيع ومعه القهر والوصاية والإستبداد .

دمتم بخير .
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " - حلم الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين