هل ارتد سحر - نافالني - على الساحر

كريم المظفر
2021 / 1 / 30

إصرار المعارض الروسي الكسي نافالني، للعودة الى موسكو، اكثر ما يمكن تسميته ( بالاستعراض ) ، قادما اليها من المانيا في السابع عشر من يناير من العام الحالي ، بعد " مزاعم " تعرضه في أغسطس /اب الماضي الى محاولة تسميم بمادة " نوفيتشوك " شديدة الخطورة "اعدت " المانيا بانها دست في ملابسه الداخلية ، من قبل جهات امنية روسية ، مع علمه المسبق ، بانه سيتم القاء القبض عليه من قبل سلطات تنفيذ الاحكام القضائية "لورود اسمه في قائمة المطلوبين إثر انتهاكه بشكل ممنهج الإفراج المشروط عنه، ما يقتضي ضبطه وإحضاره " ، جعلني في موقف لا يحسد عليه بسبب كم الرسائل النصية والرسائل التي وصلتنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، والتي تقدم بها الزملاء الصحفيين والمثقفين الذين اجبرتهم الظروف للانتشار في ارجاء المعمورة بسبب الأوضاع في بلدانهم ، ولكوننا مقيمين في روسيا منذ فترة طويلة تصل الى اكثر من (20)سنة ، يستفسرون عما يحدث في روسيا .
واجمعت عندها في الإجابة على تلك الأسئلة، بأن عودة (نافالني ) كانت ليست كما يقول مثلنا الشعبي (لله بالله ) ، وانما بات واضحا منذ اللحظة الأولى ، بان عودته حملت معها سيناريو غربي ، كان قد أعد مسبقا ، وبدايته كانت في المسيرات الاحتجاجية التي تشهدها بيلاروسيا ، والتي بدأت مطالبها أولا بإعادة الانتخابات وتغيير لجنة الانتخابات ، اعتراضا على اعلان فوز الرئيس الكسندر لوكاشينكو في الانتخابات الرئاسية ، وخسارة المعارضة بفارق كبير ، بعدها خرجت "ثلة ممن نصبوا انفسهم بقادة المعارضة " ، وقيامها بجولات غربية ، رغم انها لا تملك حتى أقيام هذه الجولات والفنادق الفارهة التي يسكنون فيها ، لتتغير مطالب المحتجين الى المطالبة اليوم " بإطاحة " نظام لوكاشينكو ، ، عندها اطلق الرئيس البيلاروسي تصريحه " المثير " مخاطبا فيه روسيا ، بأنه يمتلك من المعلومات بأن ما يحدث في بلاده ، هو استهداف لروسيا بالدرجة الأساس عبر البوابة البيلاروسية ، وفي هذا التصريح من المصداقية ، فبعد احتواء اوكرانيا وجورجيا ودول البلطيق من قبل الغرب ، لم يتبقى اما حلف شمال الأطلسي (الناتو) الا مينسك ، التي يتمسك رئيسها "بالإرث التاريخي " بين الشعب الروسي وشعبه .
والسؤال الاخر الذي فرض نفسه، ما إذا كان نافالني بالفعل سياسياً هامشياً؟ ام سياسياً فاعلا، على الرغم من محاولات الدعاية الغربية تقديمه كزعيم للمعارضة الروسية، ومنافساً رئيسياً لبوتين، إلا أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالطبع نعم، أليكسي نافالني هو سياسي هامشي، لكن صورة حجمه السياسي في الخارج، بفضل وسائل الإعلام الغربية، أكبر بكثير من حجمه الحقيقي داخل روسيا، فمن ناحية، يعتبر نافالني قزماً سياسياً، لكن لديه بعض الإمكانات كي يكون سلاحاً ضد روسيا كما يقول المحلل السياسي ألكسندر نازاروف.
وللتذكير، فان ما حدث للمعارض الروسي، هو تعرضه لازمة صحية في الطائرة التي تقله من مدينة تومسك الى موسكو ، عندها لم تكمل الطائرة رحلتها وهبط في مطار أومسك ، حيث كانت تنتظره مفرزة طبية لنقله الى المستشفى ، ووفقا للتقارير الطبية التي قدمها الفريق الطبي لم تسجل تعرضه لأي مواد سامة ، وبسبب رجاء عائلة (نافالني ) للرئيس بوتين لنقله للعلاج خارج البلاد ، وافق الكريملين على سفره لألمانيا ، وهنا وقفة مهمة في مسار أحداث " التسميم " ، فلو افترضنا جدلا بان الحكومة ضالعة في هذا الحادث ، فلماذا اذن وافقت على سفره للعلاج في المانيا ؟ ، وهنا تسقط تهمة ضلوع الحكومة في مرضه .

وفيما يتعلق بقضية التسميم المزعومة، ووفقا للاستطلاعات الراي فان 30% من الروس يعتقدون أن ما حدث لم يكن سوى مسرحية مفتعلة من السياسي المعارض نفسه، و19% يرون في ذلك استفزازاً متعمداً من أجهزة الاستخبارات الغربية ، و15% يرون فيها محاولة من السلطة لإزاحة أليكسي نافالني ، في الوقت نفسه، يثق ما يصل إلى 34% من الفئة العمرية 18-24 عاماً من عينة الاستطلاع في تورط السلطة في عملية "التسميم" ، وعلى خلفية أغلبية المواطنين الروس الذين لا يهمهم مصير نافالني ، وجد استطلاع الرأي أن 17% فقط من المواطنين يتابعون عن كثب تطور هذه القضية.
وهنا نستذكر مثال روسي قديم يتداوله الروس بشكل كبير «تكرار كلمة حلوى لن يجعل مذاق اللسان حلواً"، وعلى ما يبدو ان الغرب، الذي لا يكل ولا يمل من تنظيم سيناريوهات " التآمر " ليس ضد روسيا فحسب، بل أيضا ضد أي دولة تقف عائقا ضد مصالحها، حتى تلك الدول التي تعتبرها " حليفة لها "، ولنا في التاريخ القريب الكثير من الشواهد سواء في ليبيا والعراق وسوريا وكوري الشمالية والصين.. والقائمة تطول، مستخدما آلة إعلامية ضخمة لا توازي لا من قريب ولا من بعيد ما تمتلكه الدول المستهدفة، وللأسف تتبعها وسائل الاعلام العربي (كالببغاء) ما يبثه الاعلام الغربي، و " محلليها الفطاحل" ممن باتت مصالحهم تتعارض مع روسيا، وهذا ما حدث بالضبط عند عرض فيلم مفبرك حمل اسم (قصر بوتين) وبلغة ركيكة غير موجودة في اللغة الروسية.
ووفقا للسيناريو المعد فقد لجأ نافالني الى تهييج مشاعر الشباب والقصر ، عندما نشر فيلما " زعم " أنه بني كمقر سري فاخر للرئيس فلاديمير بوتين ، بناه " الأوليغارشية " المقربين منه ، والذي كتب سيناريو الفيلم هي غرفة أطلق عليها نافالني اسم "غرفة الطين" mudroom ، وترجمها حرفياً عن الإنجليزية دون معرفة ، بعد أن قدمها له شخص ما، باللغة الإنجليزية ، إلا ان هذه الجولة افشلتها مانشرته قناة Mash على موقع "يوتيوب" من تقرير مصور من داخل القصر قيد البناء، موضحة أن فريقها صور هذه اللقطات بموافقة من ممثل عن الهيئة المشرفة منذ ست سنوات على أعمال بناء الموقع العقاري.
وكشفت اللقطات المعروضة للموقع ان البناء في مراحله الابتدائية وإنه من المتوقع أن تستكمل أعمال بناء القصر بعد خمس-ست سنوات فقط، وانه ليس كما عرض في فيلم نافالني الذي صور " القصر " من عجائب الدنيا " الثامنة " وفيه مواقع مختلفة منها غرف فاخرة بشكل مفرط وكنيسة، وتبيّن أن صورة إحدى الغرف في "قصر بوتين" كانت في الواقع صورة لقاعة مكتبة براغ، وإن القيمة المعلنة للـ "قصر " المزعوم لا تساوي حتى تقريباً تكلفة يخت واحد من اليخوت التي يمتلكها الأوليغارشي الروسي أبراموفيتش ، وأن الفيلم أقرب للعمل الدرامي منه إلى الوثائقي، فهناك كثير من الأكاذيب.
أما قناة "دوشد" التلفزيونية المعارضة ، فقد أفشلت هي الأخرى بنفسها " مزاعم " الزخم الكبير للمظاهرات وان تباينت الآراء بشأن عديدها ، فما بين 4000 الاف بحسب الإعلانات الرسمية و20000 الفا كما يقول الغرب مسافة كبيرة، واخذنا اوسطها، فان من اجرت معهم القناة من المشاركين في الاحتجاجات في مقابلات مباشرة، اجمعوا ان خروجهم ليس تأييدا لنافالني كما يروج له ، بل غضبا من " القصر " ، لذلك فإن صغر حجم الاحتجاجات وغياب الدعم الشعبي الواسع لها، يتركان طريقاً واحداً أمام منسّقي تلك الاحتجاجات لتحقيق زعزعة الاستقرار، وهو تنسيق إراقة للدماء، بحيث يموت أثناء الاستفزازات عدد من الأشخاص، من المفضّل أن يكونوا أطفالاً في المدارس، حتى تنتفض روسيا غاضبة من تصرفات "النظام الدموي"، وعندها يبدأ تصعيد الاحتجاجات ، لكن حنكة قوات حفظ الامن وتعاملها بشكل مهني وخلق حالة من العلاقة الإنسانية مع المشاركين من توزيع " الأقنعة الطبية " لهم وحثهم على التباعد الاجتماعي ، أفشل جزء مهم من اهداف هذه التظاهرات .
لقد بات واضحا ان المعارض الروسي ، ما هو الا تجسيد لقوى سياسية لا يهمها شعب روسيا اكثر من همها ثروات بلاده ، وان نافالني الذي لا يتمتع الا بدعم 2% فقط من المواطنين الروس، ويراهن أعوانه على الإطاحة بالحكومة باستخدام العنف والشارع واستغلال أطفال المدارس كدروع بشرية لهذا الغرض ، في وقت حصل الرئيس بوتين وفقا لاستطلاعات الراي ومنهم الذي اجراه المركز الروسي لأبحاث الرأي للفترة من 11-17 يناير ،أظهر أن حوالي 66% من سكان روسيا يثقون برئيس البلاد، فلاديمير بوتين، بينما أبدى 29.7% عدم ثقتهم بالرئيس الروسي ، وان 60.3% من المستطلعين، حسب المركز، يتوافقون مع أنشطة بوتين، فيما لم يوافق عليها 29.7 % ، ما هو الا " كومبارس " في فيلم معروفة نهايته " كالأفلام الهندية " ، التي تجمع نهايتها على ان عروسة البطل تظهر " فجأة " انها اخت العريس .
اذن ماذا يريد نافالني ومناصروه في الوقت الذي ينادي فيه كل الناس في روسيا ضد ظواهر الفساد؟ هل لديه برنامج سياسي واضح؟ هل يقترح حلولاً فعالة للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطنون؟ ولماذا تستجدي مكاتب نافالني الشباب القاصرين للخروج بهم إلى الشارع؟ لقد ارتد السحر على الساحر على نافالني، حتى ان معظم أحزاب المعارضة في روسيا نأت بنفسها عن نافالني، وكشف نفسه على انه أداة غربية بامتياز.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول