التراث اليهودي في القدس حقيقة أم وهم

أشرف عبدالله الضباعين
2021 / 1 / 29

*يتضمن هذا المقال مقتطف من كتاب لعالم الآثار زيدان كفافي
في البداية وقبل أن أضع النص كما هو بين قوسين لعالم الآثار والخبير زيدان كفافي الوارد في كتابه دراسات ومقالات في التراث الثقافي الأثري فإنني أطلب من القارئ أن يتجرد من أي عصبية أو فكر مسبق إن شاء، وإن لم يشأ فحق الاختلاف مصان ولكن ضمن حدود اللياقة العلمية والأدبية والذوق العام.
سأبدأ بما ورد بمقال الأستاذ الدكتور زيدان كفافي فيقول: " وخلال فترة الإنتدابين البريطاني والفرنسي، على بعض البلدان العربية، أي بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، صال الغربيون وجالوا في أرجاء البلاد وقاموا بإجراء العديد من الدراسات الميدانية. ولم ينبشوا الأرض فقط، بل حاولوا الدخول إلى عقول الناس. وبدأ التحضير وبشكل منظم لإنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين، إسرائيل عام 1948م. وحيث أني لا أرى أي غبار في القول بأن النتاج الحضاري لمملكة إسرائيل الأولى التي (مملكة شاؤول وداود وسليمان)، التي لم تعمر أكثر من سبعين عامًا، ما هو إلا نتاج تراثي لثقافة شرقية، هي ملك المشرق، ولا دخل ليهود روسيا، أو أمريكا، بها. لذا من واجبنا الحفاظ على هذا التراث لأنه ملك لنا. لكن، ولأسف إننا نرى أن هناك أمرين نتجا عن تأسيس دولة إسرائيل الصهيونية:
1- أصبح هناك حساسية لدى العرب والمسلمين تجاه ما هو يهودي، وبهذا تخلّو عن تراث يخصهم. بل أصبحنا نصفق لمن ينكر وجود داود وسليمان.
2- نجحت دولة إسرائيل الصهيونية في كثير من الحالات في تجيير الأمور والأحداث التاريخية لصالحها وتبنت الكثير من الثقافات الشرقية والتي لا دخل لليهود الغربيين بها. فأصبحت المطرزات الشرقية والفلافل تراثًا يخص إسرائيل، الغربية الطابع. وارتكزت في تجييرها لهذا التراث على نصوص توراتية كتبت بعد وفاة سيدنا موسى بمئات السنين، وتقول أن فلسطين هي الأرض الموعودة لهم."* ( انتهى الإقتباس من كتاب البروفيسور زيدان).
إن ما ورد في هذا النص للبروفيسور زيدان يُشير إلى رأي علمي محكم وقدير قائم على حقيقة تاريخية ودينية من قبل مرجعية أكاديمية لا يشوبها شائبة. لكن هل هناك حقيقة آثار يهودية في فلسطين المحتلة؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال لا بد للقارئ أن يعرف أن الشعب اليهودي قبل وأثناء مملكة داود كانوا شعبًا بدويًا متخلف في الحضارة عن باقي شعوب المنطقة كالفراعنة على سبيل المثال وبالتالي لا يمكن وصف التراث اليهودي في نهاية العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي بأنه متحضر كما كان مثلا في الحضارة البابلية في العراق أو الحضارة المصرية الفرعونية، بل كان أكثر بدوية " متجولة" يعتمد على الرعي وإهمال تام للعمارة والفنون والآداب، وعندما وجدت مملكة شاؤول وداود وسليمان فإن العمارة الوحيدة ذات القيمة كانت على ما يعتقد قصر داود وهيكل سليمان وسور مدينة القدس ويختلف الكثير من علماء الآثار حول مكان وجودهم بينما يتفق في المنطق بأن بيوت اليهود في تلك المنطقة كانت إما مغار طبيعية في الجبال أو بيوت من طين سقفها من قش ويؤكد ذلك الكثير من النصوص التي وردت في الكتاب المقدس ( العهدين القديم والجديد) وهذا النوع من البناء لا يمكنه الصمود أمام الزمن والمتغيرات في الطبيعة ناهيك عن الأحداث والحروب المتعاقبة على جرت على المنطقة والتي غيرت في معالمها بشكل كبير وضخم وأهمها الحرب التي جرت سنة 70 ميلادية والتي حطم فيها تيطس الروماني الهيكل عن بكرة أبيه ونزع حجارته حجر حجر من الأساس ودمر القدس كلها بما فيها الأسوار المحيطة بالمدينة وأن الأسوار الموجودة حاليًا حول القدس بنيت بأمر من السلطان العثماني سليمان الأول في القرن السادس عشر الميلادي، عندما كانت القدس جزء من الإمبراطورية العثمانية.
فما التاريخ الحقيقي للآثار الموجودة حاليًا في القدس؟
معظم الآثار الموجودة في القدس حاليًا آثار رومانية -بيزنطية - إسلامية وبعض الآثار الصليبية منها على سبيل المثال:
1- منطقة الحرم ( المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة ) وما حولهما جميعها تعود للفترة الإسلامية من فترة خلافة عمر بن الخطاب والفترة الأموية فقبة الصخرة بناها عبد الملك بن مروان عام 691م مع المسجد الأقصى وأتم الخليفة الوليد بن عبد الملك البناء خلال فترة حكمه ويختلف بناء المسجد الحالي عن بناء الأمويين، حيث بني المسجد عدة مرات في أعقاب زلازل تعرض لها على مدى القرون الماضية، بدءًا من الزلزال الذي تعرض له أواخر حكم الأمويين عام 747م ومروراً بالزلزال الذي حدث في عهد الفاطميين عام 1033م أما المصلى المرواني ففي أثناء الاحتلال الصليبي استعمله الصليبيون اسطبلا للخيول ومخزناً للذخيرة وأطلقوا عليه اسم إسطبلات سليمان، وأعاد صلاح الدين الأيوبي فتحه للصلاة بعد عودة القدس للمسلمين وبالنسبة للسقف الحالي للمصلى فإنه يعود إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، أما الأعمدة والأقواس الموجودة في المصلى فإنها تعود إلى عهد عبد الملك بن مروان. أما حائط البراق فهو جزء من السور المحيط بالمسجد الأقصى من الناحية الغربية، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من الحرم، وسمي بهذا الاسم لأنه المكان حسب المعتقد الإسلامي المتأخر الذي ربط عنده الرسول براقه ليلة الإسراء والمعراج، ويسميه اليهود حائط المبكى لاعتقادهم أنه من بقايا الهيكل.
2- كنيسة القيامة والكنائس الأخرى، ففي بداية المسيحية كان موقع صلب المسيح وقبره محفوظ في ذاكرة المسيحيين الأوائل كذلك المواقع المهمة الأخرى ولكن لم تقم على هذه المواقع أية كنائس بسبب الإضطهاد اليهودي للمسيحيين وبعد طرد سكان القدس منها عام 70 م وتدمير القدس تغيرت معظم معالم المدينة، وفي عام 135م بعد الثورة اليهودية تم طرد سكان المدينة مجددًا ولكن لا يذكر التاريخ أن المسيحيين بنوا كنائس على المواقع المقدسة بسبب الإضطهاد وبقيت الأمور كذلك إلى القرن الرابع الميلادي حيث بني فوق الجلجثة كنيسة وكنائس أخرى في مواقع أخرى إلى أن جاء الفرس سنة 614م وتم حرق وتحطيم كنيسة القيامة وكافة كنائس القدس، ثم أعاد هرقل بناء الكنيسة بعد تحرير القدس من الفرس وعندما جاء الفتح الإسلامي للمدينة لم يمس المسلمون الكنائس بما فيها كنيسة القيامة وفي عام 1044 جرت صيانة على كنيسة القيامة، ثم جرى تحطيم الكنيسة وكافة كنائس فلسطين في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي، وفي عام 1099 جرى إعادة بناء كنيسة القيامة على يد الصليبيين وبناء كنائس أخرى ثم نال حريق ضخم من كنيسة القيامة في القرن التاسع عشر الميلادي فجرى عليها ترميم وصيانة وتلت أعمال الصيانة والترميم على هذه الكنيسة ومعظم الكنائس في مراحل لاحقة.
يشير ذلك أن لا آثار يهودية ملموسة في القدس وأن معظم الآثار الموجودة في القدس تعود لفترات رومانية أو بيزنطية أو إسلامية أو صليبية.
أخيرًا لا بد لنا أن نعترف أن التراث اليهودي موجود وهو شيء لا يمكن إنكاره دينيًا لأنه ورد في الكتب المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود. كما أن وجود مملكة لليهود ذات طابع بدوي متخلف موجود لكن يستحيل الوصول إلى آثار تلك المملكة بسبب الدمار الذي حل عليها وقصر المدة الزمنية التي بقيت فيها هذه المملكة على قيد الحياة، وإن إنكار هذه الحقائق هو إنكار لمعتقدات وردت في الكتب المقدسة لأصحاب الديانات الثلاثة.
المرجع:
* كفافي، زيدان، 2009، دراسات ومقالات في التراث الثقافي الأثري، تقديم عقل بلتاجي، الطبعة الأولى، متحف الأردن، عمان.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير