من أجل نيو ديل إسرائيلي – فلسطيني أخضر

حزب دعم العمالي
2021 / 1 / 25

حزب دعم – البرنامج الانتخابي – مارس 2021: من أجل نيو ديل إسرائيلي – فلسطيني أخضر

تجري الانتخابات المقررة في يوم 23 آذار/مارس القادم في ظل ظروف استثنائية، حيث تعيش البلاد أزمة غير مسبوقة من جراء تفشي وباء كورونا (فيروس كوفيد-19) من جهة، وحدوث تحول مهم جداً في السياسة العالمية نتيجة هزيمة دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية ومجيء الرئيس الديمقراطي الجديد جو بايدن، الذي قدم برنامجاً إصلاحياً جذرياً في المجال السياسي والاقتصادي وفي محاربة أزمة المناخ وفي المعركة ضد العنصرية.

على ضوء ما حدث في الولايات المتحدة واستلهاماً من التصورات الجديدة التي يحملها برنامج بايدن يتبنى حزب دعم برنامج “نيو ديل إسرائيلي – فلسطيني أخضر”، ويطرح على الجمهور في الجولة الانتخابية الحالية تصوراً جديداً للبديل المطلوب.

فقد كشف وباء كورونا الحاجة الملحّة لإعادة الحسابات في كل ما يتعلق بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية، التي كانت بمثابة أمراً مقدساً في ظل النظام الاقتصادي النيو ليبرالي، الذي يراعي مصلحة الشركات الاحتكارية والقطاع الخاص على حساب القطاع العام. أما على الصعيد السياسي يركز الحزب الديمقراطي الأمريكي على أولويات جديدة، تتمثل في محاربة الفقر وتحقيق المساواة للأقلية السوداء ومحاربة الاحتباس الحراري، وهي أولويات أصبحت تشكل البوصلة لبقية دول العالم وعلى رأسها الدول الصناعية المتطورة.

وتماشياً مع هذه الأحداث يرى حزب دعم أن برنامج “نيو ديل إسرائيلي – فلسطيني أخضر” هو الحل الأنسب لمعالجة الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها إسرائيل، وهو مرتكز أساسي لبناء شراكة إسرائيلية فلسطينية حقيقية لإنهاء نظام الفصل العنصري “الأبرتهايد” الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين في المناطق المحتلة. هذا الحل مبني على أساس “العدالة المدنية”، ما يعني منح الفلسطينيين كامل الحقوق المدنية ووقف كل أنواع التمييز والتفرقة بين اليهودي والعربي ضمن دولة واحدة من النهر إلى البحر.

مجرد دخول إسرائيل إلى معركة انتخابية رابعة في غضون سنتين يشكل دليلاً قاطعاً على عمق الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد. ويأتي فشل الحكومة الإسرائيلية في معالجة أزمة كورونا كنتيجة مباشرة للسياسة التي تبنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ ثلاثة عقود، والتي كانت بمثابة تطبيق حرفي للنظرية الاقتصادية القائمة على تجفيف القطاع العام وإطلاق يد القطاع الخاص. ويتجلى ذلك فيما شهدناه من آثار سلبية من جراء سياسة التقليص في ميزانيات الخدمات الحكومية، حيث كشفت أزمة كورونا تراجع الجهاز الصحي وتبين أن هذا القطاع الحيوي والمهم عاجز وأن المستشفيات ليس لديها عدد كاف من الأسِرة، الأمر الذي أجبر الحكومة على فرض الإغلاق ثلاث مرات وازدياد عدد الوفيات بنسبة 25% بسبب عدم إمكانية تقديم العلاج الملائم للمصابين. في المقابل وبينما فرضت الحكومة إغلاق المدارس منعاً للاختلاط بين الطلاب وانتقال العدوى بسبب النقص في غرف التدريس والمعلمين، إلا أن القطاع التكنولوجي استمر في عملية الإنتاج من دون تأثر، لذا فقطاعات كثيرة أصابها الشلل وخرجت عن العمل مما يكشف الفجوة الكبيرة بين شريحة ضيقة من العاملين في قطاع التكنولوجية التي تستفيد من النظام الاقتصادي وبين الأغلبية التي فقدت مصدر رزقها وأصبح وضعها الاقتصادي على كف عفريت.

المجتمع العربي في إسرائيل هو الأكثر تضرراً من أزمة كورونا كونه الأكثر فقراً. فنسبة الإصابة في أوساط العرب مقارنة مع النسبة العامة عالية جداً، وتجدر الإشارة إلى أن طبيعة المجتمع العائلي والاعتماد على العادات والتقاليد بدلاً من العلم وضعف السلطة المحلية العربية وفسادها – كلها مجتمعة تعتبر من الأسباب التي فاقمت الأزمة الصحية. وعلاوة على الأزمة الصحية يتعرض المجتمع العربي لموجة عنف غير مسبوقة إذ أصبح الأمن الشخصي للمواطن أهم مشكلة وموضوع رئيسي في حملة الانتخابات الحالية.

وبعد عشرين عاماً من حالة القطيعة المتبادلة، التي كانت حصيلة مباشرة لأحداث انتفاضة أكتوبر 2000، أصبحت اليوم العلاقة بين الجمهور الإسرائيلي والعربي “شرعية” بعد الاتفاق السياسي بين الحركة الإسلامية ورئيس الحكومة نتنياهو. وإذ نرى بالتحالف بين نتنياهو وبين أطراف عربية كذبة لا أساس لها على أرض الواقع، ويجب علينا أن نؤكد موقفنا المبدئي الداعم لمبدأ العلاقة بين القوى الديمقراطية في كلا الشعبين، إذ أننا نناضل من أجل شراكة إسرائيلية فلسطينية، يهودية عربية، تقوم على أساس برنامج مشترك يتأسس على مبدأ المساواة الكاملة في إطار فكرة “نيو ديل إسرائيلي – فلسطيني أخضر”.

إن تغيير الأولويات الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الاحتباس الحراري لإنقاذ البشرية من الانقراض ليس مهمة “صهيونية” فحسب أو “فلسطينية”، بل هي مهمة كونية وأممية في جوهرها. ومثلما لا يمكن تطبيق الأجندة الخضراء في أمريكا من دون معالجة العنصرية ضد السود، كذلك لا يمكن تحقيق برنامج أخضر في إسرائيل بمعزل عن إنهاء نظام الأبرتهايد والقضاء على التمييز العنصري تجاه المواطنين العرب في إسرائيل.

أسس النيو ديل الأخضر

السياسة المالية

منذ ثمانينيات القرن الماضي اعتمدت السياسات المالية في كافة دول العالم ومن بينها إسرائيل على مبدأ يحرم تجاوز العجز في الميزانية السنوية نسبة الـ 3% من إجمالي الناتج المحلي في البلاد. كما كان هناك إجماع رأسمالي على ضرورة تخفيض نسبة الضريبة على الشركات، الأمر الذي أدى إلى خفض المدخولات من الضرائب ما انعكس نحو تجفيف ميزانيات القطاع العام وذلك بناء على المقولة أن “الحكومة هي المشكلة وليست الحل”.

العالم بعد أزمة كورونا وتحديداً بسبب المعاناة التي أصابت الطبقات الفقيرة والوسطى لا يمكنه الاستمرار بهذه السياسة. فالمطلوب اليوم وباعتراف الجميع هو سياسة مالية مرنة تسمح بزيادة الميزانيات والاستثمار في البنية التحتية وتغيير السياسات الضريبية مما يعني فرض المزيد من الضرائب على الشركات والطبقات الغنية، وذلك من أجل توزيع الثروة الاجتماعية بشكل عادل ومكافحة الفقر وردم الفجوات الاجتماعية باعتماد المثل القائل: “خذ من الغني وأعطي للفقير”.

البرنامج الاقتصادي

يعتمد البرنامج الاقتصادي لحزب دعم على تشجيع زيادة تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد وتشجيع المشاريع الاقتصادية العامة (عكس ما تدعو إليه نظرية “اليد الخفية”) وإيقاف الإعفاءات الضريبية للأغنياء وفرض المزيد من الرقابة على الشركات الرأسمالية. لأن بيع المنشآت الاقتصادية العامة، مثل المطارات والموانئ ومشروع البحر الميت ومشاريع الغاز والكهرباء، يسبب مخاطر اجتماعية وسياسية واقتصادية، أولاً زيادة الفجوة بين الأقلية الغنية التي تملك كل شيء وبين الأغلبية التي لا تملك شيء، ويؤدي إلى تدني الأجور والإضرار بحقوق العاملين وإلى غلاء المعيشة ثانياً، وفي النهاية يؤثر هذا النهج الاقتصادي سلبياً على المشرع في البرلمان وعلى الأحزاب بسبب ما يعرف بعلاقة تزاوج “رأسمال والسلطة”.

الصحة

كان للنقص الحالي في عدد الأسِرة في المستشفيات وفي الطواقم الطبية من أطباء وممرضين تأثيراً سلبياً على إمكانية مواجهة كورونا. لذا فإن عدم الاستثمار في مجال الطب العام والأجهزة الطبية لمواجهة الأوبئة قد كلف الإنسانية ثمناً باهظاً في الأرواح وفي المجالين الاقتصادي والنفسي على المدى البعيد. إن بناء المزيد من المستشفيات ورفع من مكانة العاملين في القطاع الصحي أصبح ضرورة ملحة للحفاظ على سلامة المواطن الصحية والاقتصادية والنفسية. مع الإشارة إلى أن الاستثمار في تكنولوجيات جديدة مبنية على الإنترنيت هو بلا شك الطب المستقبلي. وفي المقابل تجد الإشارة إلى أن الجهاز الطبي العام وتحديداً ما يسمى الطب الأهلي (صندوق المرضى) أثبت جدارته في مواجهة الأزمة الحالية، حيث استطاعت إسرائيل إجراء أكبر حملة تطعيم في العالم في الوقت الذي فشلت فيه دول متقدمة في أمريكا وأوروبا.

الصحة النفسية

كشفت أزمة كورونا عجز الدولة في معالجة الأمراض النفسية وتحديداً الاكتئاب نظراً لشح الموارد المخصصة لهذا الموضوع. وبحسب جهاز الطب النفسي الحالي يستحيل على المواطن الذي ليست له إمكانيات مادية جيدة من الحصول على الإرشاد النفسي. أما في الوسط العربي يبقى مجال الصحة النفسية مهملاً بسبب طبيعة المجتمع المحافظ، حيث يلعب الشيخ دور الإخصائي النفساني مما يبقي الكثير من النساء يعانين من حالة اكتئاب دائمة وكذلك الأطفال من دون أي اهتمام بمشاكلهم داخل العائلة أو في المدرسة. إن موضوع الصحة النفسية في المجتمع العربي لن يحل إلا من خلال ثورة اجتماعية عميقة ونهضة فكرية وثقافية حقيقية. والمطلوب هو الاعتراف بأن العلاج النفسي هو حق أساسي للمواطن في المجتمع العصري ويجب أن يكون حق كل مواطن ولمن يطلبه.

التعليم

وفيما يتعلق بقطاع التعليم فقد كشفت أزمة كورونا عيوب الجهاز التعليمي في إسرائيل والنقص الكبير في الموارد، مما أدى إلى تضييع جميع الطلاب من أصغرهم إلى أكبرهم لسنة دراسية كاملة. ويعتبر اكتظاظ الصفوف بـ 40 طالب نتيجة النقص في عدد الغرف التدريسية سبباً في عرقلة العملية التعليمية في زمن جائحة كورونا، وقد وصت وزارة الصحة على تقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة عددها لا يزيد عن 15 طالباً، كإجراء وقائي، فكانت النتيجة إبقاء الطلاب في البيوت لفترات طويلة جداً. كما أن أجور المعلمين المتدنية والنقص في عدد المعلمين وطريقة التعليم القديمة ألحقت الضرر بجهاز التعليم وبالطلاب، وقد أدى هذا الوضع إلى حدوث فجوة كبيرة في مستويات تلقي التعليم بين الطلاب الذين ينتمون إلى الطبقات الغنية التي تلحق أبناءها بصفوف إضافية ودروس خاصة وبين طلاب أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، علماً بأننا نشهد منذ عقود تعميق الفجوات من جراء فتح المدارس الخاصة وازدياد نشاطها في وقت أهملت فيه المدارس العامة وتراجع دورها.

هذا الوضع أدى بشكل تلقائي إلى تعميق الفجوة بين الطلاب في المدن الأكثر تطوراً وبين مدن الهامش، وخاصة التجمعات السكانية العربية التي تعاني من شح الميزانيات والتمييز الواضح من ناحية توفير الموارد للطلاب. وانعكس هذا الأمر في عدم قدرة غالبية الشباب في مواجهة متطلبات سوق العمل لأنهم غير جاهزين لمواجهة تحديات الاقتصاد الجديد، لذا يضطرون للعمل في الأعمال البسيطة وأغلبها في مجال البناء والمهن المتعلقة فيه. كما أن طريقة تعيين المعملين في المدارس العربية والمناهج التدريسية القديمة تشير إلى أن هناك عدد قليل نسبياً من الجيل الشاب الذي يلتحق في إطار مؤسسات التعليم العالي، ورغم التقدم الذي حصل في العقد الأخير في هذا المجال خاصة في صفوق النساء العربيات، إلا أن ذلك لم يغير الصورة العامة الصعبة التي تخلق شعوراً من الإحباط وبالتالي اللجوء إلى العنف في العلاقة الأهلية.

إن الاستثمار في بناء الغرف التدريسية ورفع مكانة المعلم وتحديث المناهج التعليمية وإدخال تكنولوجيات جديدة مثل التعليم عن بعيد وإدخال الحاسوب إلى كل بيت، وبالأخص تأهيل الطلاب للانخراط في الثورة الصناعية الرابعة المؤسسة على الروبوت والإنترنيت وإنترنيت الأشياء والمهن المرافقة لها ليس مهمة عربية أو يهودية بل هي مهمة مشتركة لإلغاء الفجوات بين المجتمعيين وبناء مجتمع عادل وديمقراطي يجمع كل أعضائه على أساس المساواة.

عمال من دون عمل أو ضمان تشغيلي

أفرز النهج الرأسمالي النيو ليبرالي في العقود الأخيرة نمطين من العمال: فمن ناحية هناك عاملين يستفيدون من أجور عالية في مجال التكنولوجيا المتقدمة وفي المقابل هناك جيش كبير من العمال يعملون بأجور منخفضة أو يعملون بما يعرف كـ “اقتصاد غير الرسمي” (Gig Economy). كما أن غالبية العمال في الوظائف الموسمية والعمال المقاولين يعملون من دون حماية من قبل النقابات العمالية وليست لهم حقوق اجتماعية، مثل صندوق التقاعد والإجازات المدفوعة وإلخ. هكذا تشكلت شريحة من العمال الفقراء عديمي المستقبل الاقتصادي. وفي المجتمع العربي بإسرائيل تنتمي الأغلبية الساحقة من العاملين إلى هذه الشريحة مما يفسر نسبة الفقر العالية رغم قيام العمال العرب بوظائف تتطلب ساعات عمل طويلة وشاقة.

ويتعرض العمال الفلسطينيون للقمع والاستغلال الخطير ويعملون في ظروف غير إنسانية من دون حقوق اجتماعية، كما أن نظام التصاريح يجعل هؤلاء العمال خاضعين تماماً لتعسف أصحاب العمل الذين يتهرب جزء منهم من التزاماته حتى في دفع الحد الأدنى للأجور وفي حقوق أساسية أخرى منصوص عليها في القانون. في المقابل يستفيد المشغلون الإسرائيليون في هذا المجال من نسبة البطالة العالية في الضفة الغربية ومن الغياب المطلق للرقابة على ظروف العمال من قبل المؤسسات الحكومة (دائرة حقوق العمال في وزارة العمل).

على ضوء ما طرح هنا، تولّد حاجة ماسة لخلق عدد كبير من فرص العمل عن طريق الاستثمارات في القطاع العام وتوفير فرص متطورة للتأهيل المهني وشبكة أمان اجتماعية تشجع المواطنين للحصول على التعليم والبحث عن سبل التقدم المهني. كما يجب أن يشمل برنامج حقوق العمال تغييراً جذرياً في كل ما يتعلق بالعمالة الفلسطينية في إسرائيل بحيث تتم إزالة نظام التصاريح الجائر ويتم فرض الرقابة الصارمة على أصحاب العمل للالتزام بحقوق العمال والتقيد بقوانين العمل.

مفتاح الحل في هذا المسألة يكمن في تشجيع العمال الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء إلى تنظيم صفوفهم في نقابات عمالية بالاعتماد على مبادئ التضامن وذلك في سبيل خوض المعركة من أجل مجتمع متساو وعادل. والنموذج الذي تقدمه “معاً – نقابة عمالية” في هذا المجال، وهي تنظيم نقابي ينتظم في صفوفها عمال إسرائيليون وفلسطينيون، يعتبر الدليل القاطع للإمكانية الواقعية لبناء حركة اجتماعية ثورية على أرض الميدان كوسيلة لتحقيق التحول الاجتماعي والسياسي المنشود.

التأهيل المهني

فقد مئات الآلاف من العمال فرص عملهم نتيجة إغلاق الاقتصاد بسبب انتشار وباء كورونا، ومن المتوقع ألا يعود جزء مهم من هذه الوظائف التي شطبت أو أغلقت في زمن الوباء بعد أن لجأ الكثير من أرباب العمل إلى التكنولوجيات المتطورة لتقليص عدد القوى العاملة. لذا لا يرى العاطلون عن العمل أي مستقبل لهم، لا سيما وأن مجال التأهيل المهني قد تم تصفيته بسبب تقليص الميزانيات الحكومية التي فرضتها المعادلة المالية النيو ليبرالية. إنه وفي ضوء الثورة الصناعية الرابعة لا بد من إعادة تطوير مراكز التأهيل المهني لتجهيز العمل للمهن الجديدة في مجال الطاقة المتجددة والمهن التي تعتمد على التكنولوجيا، وتحديداً في مجال الحاسوب والإنترنيت.

شبكة الأمان الاجتماعي- ضرورة ملحة في ظل الاقتصاد الجديد

تعتبر مؤسسة التأمين الوطني في إسرائيل الجهة المسؤولة عن شبكة الأمان الاجتماعي للمرضى والمسنين والعاطلين عن العمل ولكل من ليس بإمكانه تأمين لقمة العيش من عمله. ولكن في ظل سيطرة النيو ليبرالية على كل مجالات الحياة جرت تقليصات صارمة وأحياناً شرسة في قيمة المخصصات التي يدفعها التأمين الوطني للمسنين والعاطلين عن العمل وللمعاقين. فما تدفعه مؤسسة التأمين الوطني للمسنين كمخصصات هو مبلغ قليل وزهيد لا يتجاوز 2400 شيقل للفرد في الشهر بينما تصل مخصصات المعاقين في أحسن الحالات إلى 5300 شيقل، أضف إلى ذلك تقليص حق العاطلين عن العمل بمخصصاتهم إلى شهور قليلة، ومنعهم من إمكانية الانخراط خلال فترة البطالة في دورات التأهيل المهني.

في المقابل هناك إجحاف كبير فيما يستحقه العمال الفلسطينيين الذين يعملون في الشركات الإسرائيلية والذين تحرمهم مؤسسة التأمين الوطني من كافة حقوقهم باستثناء حقهم في التعويض في حالة إفلاس صاحب العمل وتغطية التأمين في حالة التعرض إلى إصابات العمل.

هذا الفشل في تقديم شبكة أمان حقيقية لكافة المواطنين بغض النظر عن عملهم أو جيلهم أو مستوى ثقافتهم أو جنسياتهم يبرز اليوم أكثر على ضوء التحولات السريعة الناتجة عن الثورة الصناعية الرابعة والتي تقضي على كثير من المهن القديمة، على سبيل المثال لا الحصر، كمهنة السياقة (قيادة المركبات) التي ستحل محلها السيارة ذاتية القيادة وكذلك الأمر للشاحنات والحافلات والقطارات. إضافة إلى ذلك من المقرر أن يتم خلال السنوات المقبلة تبديل الكثير من المهن والمهارات اليدوية التي ستختفي بسبب الروبوت. حيث يحل العقل الاصطناعي محل الكثير من الوظائف، من مثل مساعدة المحامين وحتى جزء من عمل المحامين نفسه. أما المتجر الذكي فسيلغي وظائف الصرافين، وينسحب الأمر على كل ما يتعلق بالخدمات البنكية والتأمينات.

إن هذا التغيير الذي يخلق “عالم من دون عمل” لا بد أن يقودنا إلى إعادة التفكير بإمكانية العيش في ظروف لم نختبرها من قبل، ومن هنا فقد جاءت فكرة الدخل الأساسي الشامل (Universal Basic Income) كمصطلح مبني على مخصصات مالية تصرفها الدولة لكل مواطن من دون شروط بحيث يغطي الدخل الأساسي الشامل حاجيات العائلة الأساسية ويخلق الثبات الاجتماعي الشخصي والمرونة في اكتساب مهن جديدة ويفتح المجال لتطوير المشاركة الجماهيرية في برامج رياضية وثقافية ويساهم في تطوير روح التطوع في المجتمع وبالتالي يسهل عملية تأهيل المواطنين للانخراط الإيجابي في المجتمع والاقتصاد في القرن الـ 21 .

تقليص ميزانية الجيش

اتفاقات السلام والتطبيع بين إسرائيل وبين أربع دول عربية (الإمارات والبحرين والمغرب والسودان) تثبت بأن الميزانيات الضخمة التي تصرفها إسرائيل على الأمن ليس لها أي مبرر. أضف إلى ذلك زوال خطر الجيش السوري الذي كان يشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل. فبعد قيام النظام السوري بشن حرباً ضروساً على شعبه، بات من الواضح بأننا أمام جيش انهارت قدراته العسكرية. وعلى الرغم من الحملة المسعورة في إسرائيل حول الخطر الإيراني فإن الحقيقة هي أن إيران والتنظيمات التابعة لها التي تمتد من اليمن إلى لبنان لا تشكل خطراً على الأمن الإسرائيلي.

رغم كل ذلك تستمر الحكومة الإسرائيلية بتخصيص ميزانيات ضخمة للجيش على حساب ميزانيات أساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية. الميزانيات الضخمة المخصصة للجيش لا تخدم فقط قطاع التسليح وإنتاج السلاح والصواريخ بل تنفق أيضاً مخصصات تقاعد سخية بقيمة عالية للضباط الذين يتم تسريحهم من الخدمة في عمر 45. من دون شك فإن تقليص ميزانية الأمن بشكل كبير مرهون في اعتماد سياسة السلم ووقف كل أنواع القمع والتنكيل بالفلسطينيين وتوفير المليارات لحاجات المجتمع الحقيقية.

المواصلات

شبكة المواصلات الذكية هي من دون شك أحد أهم مستلزمات المستقبل، وإن الاعتماد على السيارة الخاصة لا يساهم في تلوث البيئة فقط بل يشكل عائقاً كبيراً أمام تطوير الاقتصاد ورفع الإنتاجية. في الوضع القائم اليوم يتم إضاعة ساعات طويلة أثناء السفر إلى أماكن العمل بسبب الازدحام في الشوارع والطرق الرئيسية والاكتظاظ في المدن الكبرى.

في إسرائيل تعتبر المواصلات العامة غير كافية وبطيئة في المدن اليهودية لكنها شبه معدومة في المدن والقرى العربية رغم الاستثمار الحكومي في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. هذا الاستثمار جاء على خلفية إدراك الحكومة بأنه هناك ضرورة لتحسين وضع المواصلات في الوسط العربي ولتسهيل انخراط الجمهور وخاصة النساء في سوق العمل.

ومن أجل الحفاظ على البيئة من ناحية وعلى رفاه المواطن لا بد من تغيير العقلية التي تعلي من شأن اقتناء السيارة الخاصة حيث تعتبر رمز للمكانة الاجتماعية، ومن هنا فلا بد من تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة واستبدالها بشبكة مواصلة سريعة وكهربائية وذاتية إلى جانب الميترو والقطارات.

المرأة تحتل مكانة مهمة في المجتمع

أصبحت الحركة النسائية في العالم عموداً فقرياً في النضال من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي. وقد نجحت الحركة النسائية في الأرجنتين في إجبار البرلمان على سن قانون الإجهاض، وفي تشيلي كانت الحركة النسائية عنصراً أساسياً في النضال من أجل إلغاء دستور الديكتاتور بنوشيه وكتابة دستور ديمقراطي جديد. أما الحركة النسائية الأكثر تأثيراً هي حركة “مي تو” (me too) في الولايات المتحدة والتي رفعت قضايا التحرش الجنسي ونجحت في محاكمة الكثير من الرجال من ذوي النفوذ الكبير في شتى المجالات على مستوى العالمي وإسرائيل أيضاً. كما شكلت النساء عنصراً أساسياً في فوز بايدن بالانتخابات الأخيرة وقد عيّن بايدن نساء في مناصب مهمة جداً في حكومته مثل وزيرة المال واختار كاملا هاريس نائبة له وهي أول امرأة سوداء تشغل مثل هذا المنصب المرموق.

ومن هنا فالتغيير الاجتماعي الذي نناضل من أجله ينظر إلى حق المرأة في العمل والأمن داخل بيتها ومكان عملها ودورها في السياسة والمجتمع كأمر أساسي ومن دونه لا يمكن إحداث أي تغيير ذو قيمة. إن معاناة النساء من التمييز ضدها هي قضية مشتركة إسرائيلية فلسطينية، حتى وإن كان لها تعبيرات مختلفة في كلا المجتمعين. وإسرائيل هي بالأساس دولة ذكورية وعلى الرغم من أن القانون يقر بحق المساواة الكاملة للمرأة ولكن في الواقع فإن المجتمع يمارس التمييز ضد النساء في كل المجالات من البيت إلى العمل والحيز العام.

أما في المجتمع العربي فوضع المرأة أسوأ بكثير بسبب سيطرة الدين والعادات والتقاليد التي ترى في المرأة إنساناً متدن وثانوياً عند مقارنتها بالرجل. كما تعتبر نسبة النساء في سوق العمل نسبة متدنية جداً الأمر الذي يؤشر على مكانتها في المجتمع وطرق معاملتها في البيت إضافة إلى قضايا التحرش الجنسي والاستغلال في مكان العمل، وحرمانها من حقوقها الأساسية ابتداءً من حرية اختيار اللباس حتى ممارسة الرياضة. كل هذه الأمور تثبت بأن المجتمع العربي يعاني من مرض خطير. كما إن العنف ضد النساء بكل أشكاله هو بلا شك جزء من مشكلة العنف المستشرية. لذا فمن دون تحرر المرأة لن يتحرر المجتمع العربي من عيوبه، وإن تحرر المرأة يستوجب التحرر من الإكراه الديني ومن المجتمع الأبوي ومن العائلية التي تدفع المجتمع نحو التخلف.

المثليّون جنسياً

المبدأ الإنساني أولاً والديمقراطي ثانياً يحتمان دعم حقوق المثليين جنسياً على اختلاف قومياتهم أو دينهم أو لونهم. ونعتبر حرية الاختيار الجنسي هي حرية مطلقة وهي من سمات المجتمع الحضاري والتقدمي. والموقف من المثليين وحقوقهم المدنية وحقهم في الزواج ومكانة الأزواج بين المثليين يعتبر خطاً فاصلاً داخل المجتمع الإسرائيلي الذي لا تزال قطاعات يمينية ومحافظة منه تعارض حرية الاختيار الجنسي.

في المجتمع العربي تبقى هذه المسألة بمثابة القنبلة الموقوتة، وهناك قوى كبيرة تصرّ على إنكار وجود المثليين والأسوأ من ذلك هو السعي لقمعهم وفرض التصرف “اللائق” عليهم عبر الإرهاب. واللافت في الأمر هنا، إن معارضي حقوق المثليين في المجتمع الإسرائيلي هم من يعارضون أيضاً حق الفلسطينيين في المساواة والحرية، بينما معارضي المثليين في المجتمع العربي منهم عدد كبير ممن يدّعون بأنهم ضد القمع وضد الاحتلال ومع حرية الإنسان.

موقفنا في هذا المجال يتمثل باحترام مبادئ حقوق الإنسان وبأن هذا الحق هو ملك للإنسان نفسه وهو من يمتلك حرية اختيار هويته الجنسية، ويعتبر هذا الموقف ركن أساسي من أركان المجتمع العصري، وإذما أراد العرب بأن يكونوا جزءاً من الحضارة الإنسانية وأن يتحرروا من الاستبداد والقمع فعليهم أن يتحرروا أيضاً من كل الأفكار الظلامية والمسبقة عن المثلية الجنسية. من يطلب الحرية وحقوق الإنسان، ويناضل ضد الاحتلال ونظام الأبرتهايد الإسرائيلي، عليه أن يكون في طليعة النضال من أجل حرية الاختيار الجنسي. فلا يمكن تحرير الأرض من دون تحرير الإنسان، ولا يمكن للإنسان أن يتحرر ما دام سيبقى أسيراً لمجتمع محكوم بعادات وتقاليد لا تتماشى مع أبسط مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تتمثل في احترام حق كل إنسان -ذكر أو أنثى- في اختيار نمط حياته وآرائه.

الثقافة

إن مجتمعاً من دون ثقافة مستقلة ونقدية ومن دون انفتاح ثقافي وفكري يحتّم على نفسه السير نحو مستقبل مظلم. في المجتمع الإسرائيلي تتكثف الدلالات بأن الثقافة تفقد مكانتها بسبب سيطرة رأس المال على كل مجالات الحياة وكذلك في أعقاب ارتفاع أصوات اليمين العنصري الذي يتنكر للعلم وللحقيقة ويسعى إلى تكميم أفواه المعارضين بأي ثمن. ومع غياب التمويل الحكومي الكافي (الميزانية المخصصة للثقافة في إسرائيل تشكل نسبة 0.18% من الميزانية مقابل ما يزيد عن 1% في الدول الصناعية الغربية) أصبح الربح المادي هو المقياس لبقاء أو زوال أي إنتاج فني، وفي هذا السياق ازدادت في عهد وزيرة الثقافة ميري ريجف الضغوطات لتكميم الأفواه وخلق جو من الإرهاب لمنع الإنتاج الفني النقدي والمثير للفكر.

أما في المجتمع العربي فهناك أزمة عميقة بخصوص الإنتاج الفني إذ أنه وبالإضافة إلى شح الميزانيات والفرص المتاحة للفنانين، هناك حالة من الإرهاب الذي تفرضها الحركات الإسلامية على الحيز العام. هذا الجو من التخويف يفرض الرقابة على كل إنتاج فني يمس بما يعرف بـ “العادات والتقاليد” وهي رديفة لتعليمات الشريعة الإسلامية.

إن مجتمعاً منغلق على نفسه، لا يعلي من قيم التسامح والانفتاح على ثقافات أخرى، هو مجتمع فقير ثقافياً وبالأحرى يؤثر على العلاقة بين أبناء المجتمع أنفسهم ويقوي من ظاهرة العنف بكل أشكاله. وإن مجتمعاً من دون سينما ومسرح ومتاحف هو مجتمع متخلف منقطع عن الحضارة الإنسانية يدفع أبنائه وبناته الموهوبين للهرب إلى الخارج ويفرض على بقية المجتمع حياة مظلمة.

السلطة المحلية العربية

السلطة المحلية العربية هي الحلقة الأضعف في المجتمع العربي. وبحسب النظام الديمقراطي في إسرائيل يتم انتخاب رئيس ومجلس السلطة المحلية كل 5 سنوات من خلال ورقتين – الأولى لانتخاب مباشر لمنصب رئيس السلطة المحلية والورقة الثانية لاختيار أعضاء المجلس. ولكن في حقيقة الأمر فقد تم تشويه العملية الديمقراطية تماماً في المجتمع العربي، حيث حلت بدلاً من الأحزاب السياسية قوائم تنتمي إلى العائلات الكبيرة مما يجعل الانتخابات معركة بين الحمائل والقبائل بدلاً من أن تكون صراعاً سياسياً وفكرياً بين توجهات مختلفة. والنتيجة هي ترسيخ نمط سلطة محلية تابع تماماً لانتماء رئيس السلطة العائلي، مما يمنع إدارة عصرية لاقتصاد وحياة البلدات العربية التي تبقى فيها حياة المواطن محكومة بسلطة محلية تفتقر للشفافية وتسيطر عليها المحسوبية وسوء الإدارة والفساد.

وحتى في حالات إصرار الأحزاب العربية للحصول على مزيد من الميزانيات لتطوير المجتمع العربي إلا أن هذه الأموال تصب الزيت على نار الفساد وتموّل جهاز الأقارب على حساب الكفاءات في كل القطاعات وأولها جهاز التعليم. لذا فالتغيير في المجتمع العربي يبدأ أولاً في التخلص عن العائلية والانتقال إلى العملية الديمقراطية ليس في الشكل فقط بل في المضمون. المطلوب هو اجتثاث هذا النظام الفاسد المسؤول عن التخلف في المجتمع العربي.

وفي ظل فشل القائمة المشتركة في تغيير موقف السلطات الإسرائيلية من المواطنين العرب أصبحت تعلو أصوات تنادي لكسر المحظور وفتح الطريق للائتلاف مع الحزب الحاكم في سبيل الحصول على مزيد من الميزانيات. غير أن هذا التوجه لا يحمل فائدة للمواطن إذ أنه لن يغير من وضع المجتمع العربي بل على العكس سيعتبر رشوة للحزب العربي وللعائلات المتحالفة معه، وبالتالي سيؤدي إلى ترسيخ الوضع القائم.

فالمطلوب ليس أقل من ثورة سياسية اجتماعية داخلية في المجتمع العربي كشرط مسبق لإحداث التغيير الحقيقي. وظهور قوى سياسية وشعبية جديدة تلتزم بموقف ديمقراطي عصري وتكفل الاستخدام الموضوعي والشفاف للميزانيات ويفتح المجال لتطوير التجمعات العربية.

العنف في المجتمع العربي

ظاهرة العنف التي تحصد يومياً أرواح الشباب والنساء العرب انتشرت في السنوات القليلة الماضية في المدن والقرى العربية ولا يمكن حصرها بنشاط العصابات الجنائية. فعندما يقتل رئيس مجلس محلي مواطناً في بلده على خلفية خلاف مبهم، وعندما يقتل ابن رئيس بلدية عربي زوجته في الوقت الذي يمشي فيه والده في مظاهرة ضد قتل النساء، وعندما تشتعل الخلافات على خلفية مناقصات تم منحها إلى الأقارب، وعندما تبدأ الشجارات ليلة يوم الانتخابات إثر فوز عائلة على حساب خصومها، وعندما يُقتل شاب بسبب خلاف حول حق المرور في الشارع، إذن هناك مشكلة اجتماعية عامة وحقيقية.

وعندما يلتزم المجتمع الصمت خوفاً من الانتقام حيال جريمة قتل حدثت في الشارع ويحجم الشهود والمارة عن الإداء بشهادتهم وتقديم الإفادة للشرطة حول هذه الجريمة، إذن هناك مشكلة اجتماعية خطيرة.

وعندما يتم الاعتداء على حفلة غنائية، أو على عرض مسرحي أو عرض أعمال فنية فنحن نعرف أن المرض في المجتمع قد تفشى ولا يمكن علاجه من خلال إقامة مراكز شرطة إضافية.

وتكمن جذور المشكلة في فساد المجلس المحلي، وهكذا يستمر العنف من داخل المدرسة ضد المعلم أو طالب آخر، وصولاً إلى عدم التسامح وتكفير كل من يخرج عن القاعدة، ومروراً بالعنف العائلي وإلى العنف بكل أشكاله ضد النساء. إذن نحن أمام مجتمع أصبح السلوك العنيف اليومي بمثابة عادة مقبولة ومنفلتة العقال، ومن المؤسف أن من يسيطر على الحيز العام يدعو إلى تكفير العلمانيين والمثليين واليهود المسيحيين والفنانين والغرب وكل من لا ينتمي إلى ما يسمى بـ “الشعب الفضيل”!

لمحاربة هذه الأزمة الخطيرة لا بد من ظهور حركات وطاقات داخلية تضع يدها على الخطأ وتسميه باسمه وتعمل على تحدي الانتماءات العائلية وتتجرأ وتتخذ زمام المبادرة نحو اتخاذ موقف في وجه القوة الدينية القمعية. والنساء والرجال الذين سيقودون هذه النهضة سيكونون مسلحين بفكر متنور يعتمد على العلم ويتبنى المبادئ العصرية التي تعترف بمساواة المرأة وحريتها.

طاقة متجددة

تحتل الطاقة المتجددة وتحديداً الطاقة الشمسية موقعاً مهماً في صلب برنامج النيو ديل الأخضر الذي تبنته إدارة بايدن الجديدة في واشنطن وتماشياً مع التزامه بمحاربة الاحتباس الحراري للوصول إلى صفر انبعاثات الكربون حتى سنة 2050. أما موقف الحكومة الإسرائيلية في هذا الصدد فيعتبر متأخراً بدرجة كبيرة مقارنة بالدول الأوروبية والولايات المتحدة. إن الطاقة المتجددة هي طاقة المستقبل لاعتبارات عديدة فهي نقية ورخيصة وتحول المواطن من مستهلك إلى منتج مما يشكل ثورة اقتصادية وإيديولوجية. فبدل أن تكون الطاقة أداة احتكارية بيد للدولة والشركات الخاصة فهي تتحول ولأول مرة إلى ملك المجتمع مما يقوي الديمقراطية والتضامن بين الناس.

إن الطاقة الشمسية لا بد أن تتحول إلى مصدر طاقة أساسي بنسبة للمجتمع العربي بسبب طبيعة البناء في البلدات العربية مما يسمح بنشرها على نطاق واسع. وهذه فرصة لإدخال التغيير في البلدات العربية ولكن يتم تضييعها بسبب سلبية السلطة المحلية، وبسبب العقلية المحافظة التي تقف عائقاً أمام التحول المهم الذي من شأنه تمكين المجتمع العربي للانتقال إلى القرن الـ 21. مشروع الطاقة المتجددة لو تم تنفيذه على نطاق واسع في البلدات العربية كان من شأنه توفير آلاف الشواقل لكل بيت. لذا على المجتمع العربي أن يكون مشاركاً أساسياً في الثورة الخضراء وأن ينضم إلى الحضارة البشرية من أجل إنقاذ نفسه وإنقاذ الكرة الأرضية في آن معاً.

التنمية المستدامة

أثبت وباء كورونا أن مبادئ الاستدامة والإنتاج والاستهلاك على أساس الحفاظ على البيئة هي مبادئ لا بد من تبنيها في حال أرادت البشرية منع الكوارث الصحية من ناحية، والكوارث الناتجة عن الاحتباس الحراري من الناحية الأخرى. ونحن في حزب دعم نعمل على تطبيق هذه المبادئ من خلال تشجيع الزراعة الحضرية وزراعة المدن التي تعوض عن الاستخدام المكثف للثروة الطبيعية من الأراضي، وتضع حداً لاستخدام الأسمدة الكيمائية كما تحد من عمليات النقل المكلف والملوث للمنتجات الزراعية من الريف للمدن.

كما نشجع تقليص استهلاك اللحوم التي تعتمد على احتكارات صناعية تتعامل بوحشية مع الحيوانات، ناهيك عن أن تربية الماشية مسؤولة عما يصل إلى 14% من انبعاثات الغازات المُسببة للاحتباس الحراري الناجمة عن أنشطة بشرية أو حيوانية. فالأنشطة الزراعية توّلد – إلى جانب ثاني أكسيد الكربون – نوعين آخرين من هذه الغازات بكميات كبيرة؛ وهما الميثان وأكسيد النيتروز.

ومن باب اللحاق بالركب العصري وتماشياً مع تكنولوجيات البناء الحديثة ندعو إلى استخدام البناء الأخضر الذي يعتمد على مواد خاصة تضمن تكييف البيوت وبالتالي الاستغناء أو التخفيف إلى حد كبير من الاعتماد على مكيفات تدفئة البيوت أو تبريدها. فالبيوت الخضراء توفر كميات هائلة من الطاقة وتساهم إيجابياً في محاربة تلوث البيئة. وفي نفس المضمار نشجع تدوير النفايات بدل من دفنها أو حرقها، لمنع تلوث الأرض والماء. كما نعمل على تخفيض كميات البلاستيك الذي يلوث مياه الأبحار وهي من الكوارث التي يصعب التخلص منها. ونشجع أيضاً الزراعة العضوية ونعتمد على مبادئ التجارة العادلة التي تدعم المزارعين الصغار الذين هم ضحايا شركات احتكارات الزراعة وتسويق الأغذية العملاقة التي تستغل قوتها لفرض الشروط والأسعار على المزارع الصغير وتحاربه في قوت يومه.

مناخ واحد – دولة واحدة

انتشار وباء كورونا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة كشف حقيقة ثابتة وهي أن إسرائيل والمناطق الفلسطينية المحتلة هي وحدة صحية واحدة، نظراً لسيطرة إسرائيل على هذه المناطق والتنقل الدائم للأشخاص والبضائع والاختلاط بين المستوطنات والبلدات الفلسطينية، الأمر الذي يقضي بأن الإقليم الجغرافي الممتد ما بين النهر والبحر هو في الحقيقة وحدة صحية واحدة. هذا ما اعترف به مدير عام وزارة الصحة الإسرائيلي السابق بقوله حول خطر وباء كورونا بأن جدار الفصل لا يمكن أن يمنع انتشار الفيروس بين إسرائيل والضفة الغربية وغزة. ومع ذلك القضية الفلسطينية غائبة عن النقاش السياسي في إسرائيل، والذي يتوقف عند الخط الأخضر ويختصر في المعركة المحتدمة بين نتنياهو وأنصاره وبين معارضيه.

ومن جهة أخرى، فإن هزيمة ترامب أمام بايدن دفنت مشروع صفقة القرن الذي أضفى الشرعية للاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وقضى وبشكل نهائي على فكرة “الدولتين”، أي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب إسرائيل. إلا أن فوز بايدن وما يحمله من مواقف معارضة للاستيطان ولفكرة ضم المستوطنات إلى إسرائيل لا يعني أن الأفق لإعادة إحياء خطة الدولتين قد فُتح من جديد رغم الخطوات المحمومة التي تقوم بها السلطة الفلسطينية من أجل إنعاش هذا الهدف. إن إعادة التنسيق الأمني مع الاحتلال وقبول أموال المقاصة والإعلان عن الانتخابات الفلسطينية لأول مرة بعد 15 عام، هي خطوات اتخذتها السلطة في رام الله الهدف منها لفت الانتباه لها وكي تثبت بأن الأمور تعود الآن إلى مجراها الطبيعي وأن فترة ترامب لم تكن سوى مطب على الطريق نحو الدولة.

في حقيقة الأمر تركت السنوات الأربع من ولاية ترامب في البيت الأبيض بصماتها على الواقع الإسرائيلي والفلسطيني، وعلى الرغم من أنها لم تستطع دفن القضية الفلسطينية. فما نراه اليوم هو تعميق القناعة عند الأحزاب الإسرائيلية بأسرها بأن القضية الفلسطينية ليست موضوعاً ملحاً، وترسخ هذا الإهمال بعد قيام إسرائيل بمساعدة من ترامب بتوقيع اتفاقيات سلام وتطبيع مع كل من الامارات والبحرين والسودان والمغرب وبدعم وتشجيع من قبل المملكة السعودية. هذا الواقع الجديد جعل القضية الفلسطينية موضوعاً هامشياً ليس على مستوى الإسرائيلي فقط بل في العالم العربي أيضاً.

فوز بايدن لا يمكن أن يعيد الكرة إلى الوراء ويجعل حل الدولتين واقعياً، لكنه يمثل من دون شك ضربة لليمين الإسرائيلي وسياسته العنصرية تجاه الفلسطينيين. إن إدارة بايدن ستعارض وبشدة نظام الأبرتهايد (التفرقة العنصرية) المطبق من قبل إسرائيل على المناطق المحتلة. فبرنامج بايدن الداخلي يدعو إلى محاربة الاحتباس الحراري وإلى مكافحة الفقر ومناهضة التفرقة العنصرية تجاه المواطنين السود. وإن الاقتصاد الأخضر والمساواة بين البيض والسود هما وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فقد كان لصوت الناخب الأسود فضل في إحراز بايدن الفوز على ترامب المدعوم من قبل الفاشيين الذين داهموا مبنى الكونغرس في مطلع العام في محاولة يائسة لقلب نتائج الانتخابات.

ومن هذا المنطلق، فإن برنامج “النيو ديل الإسرائيلي الفلسطيني الأخضر” يربط وبشكل وثيق بين مهمة إنقاذ الكرة الأرضية وبين مهمة منح الفلسطينيين كامل حقوقهم المدنية في دولة واحدة ما بين النهر والبحر. وإن مبدأ محاربة التلوث المناخي يعتبر وحدة متكاملة لا تتجزأ مثله مثل الديمقراطية باعتبارها مبدأ لا يتجزأ.

“النيو ديل” هو العهد بين الدولة والمواطن على أساس إعادة توزيع الثروة والمشاركة المتساوية بين كل أفراد المجتمع مثل ما تحقق في عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين د. روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي. ولكن في عصرنا لا بد لهذا العهد أن يعتمد على الطاقة المتجددة وأن يتلاءم مع الثورة الصناعية الرابعة. وفي الواقع الإسرائيلي الفلسطيني لا يمكن تحقيق النيو ديل إلا على أساس المشاركة المتساوية بين الشعبين. وإن السياسة الخضراء لا يمكن أن تنجز في ظل نظام الأبرتهايد. طالما ستبقى إسرائيل دولة احتلال تحتل شعب كامل وتنكر أهداف الثورة الخضراء فستكون حتماً منبوذة في العالم.

إن هذا التغيير لا يتعلق بما ستقوم به إسرائيل فقط بل يعتمد على ما سيقوم به الفلسطينيون بأنفسهم. فإذا ثاروا ضد نظام الفساد السلطوي في كل من الضفة الغربية وغزة وقضوا على اتفاق أوسلو وتوحدوا وراء حركة ديمقراطية تطالب بكامل الحقوق المدنية على أساس مبدأ لكل إنسان صوت واحد (one person one vote) ستلقى هذه الحركة دعم القوى الديمقراطية في الولايات المتحدة والعالم بأسره وستعود القضية الفلسطينية وتكسب أهميتها من جديد على الصعيد العربي والإسرائيلي على حد سواء.

فالفلسطينيون هم أصحاب القضية الأساسيون وعليهم أن ينظروا ويراقبوا ما يحدث حولهم وتحديداً في الولايات المتحدة لكي يتبنوا البرنامج الذي بات عقيدةً عالمية، أي الاقتصاد الأخضر، وترجمته المحلية هي “النيو ديل الإسرائيلي – الفلسطيني الأخضر”. وعلى هذا الأساس من الممكن أن تتوحد القوى الديمقراطية في فلسطين وإسرائيل لبناء مجتمع جديد على أساس اقتصاد أخضر ودولة واحدة تمنح لكل مواطن كامل حقوقه المدنية والثقافية والاقتصادية. فالاقتصاد الأخضر يخلق لغة جديدة ويعتبر أساساً متيناً للتعايش السلمي والديمقراطي بين الشعبين.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية