مسيرة حياة

سلمى الخوري
2021 / 1 / 24

أنا ، وأنتَ ، وأنتِ كلنا كنا صغاراً وكانت لنا تجارب ومسيرة حياة ، تعلمنا منها وأسقطنا الكثير من هذه التجارب
التي عشناها على من عايشناهم بمسيرة حياتنا بطرق ووسائل مختلفة ونحن نسير مسيرة حياتنا ، صغاراً كنا ثم
صرنا شباباً ثم إن قُدّر لنا أن نصل مرحلة الشيخوخة ، وهذه الدورة من الحياة تحمل معها المواقف المختلفة والتجارب
المتشابهة والمتباينة منها التهور أو الحكمة ، ومنها السلام أو العنف ، سواء المنزلي ، التربوي ، الأجتماعي ، وما
لا نفهمه في ذات الآن سنفهمه عندما نكبر ، وهذا ما حدثتني به إحدى زميلاتي القريبات الى نفسي عن والدها " لقد
كان والدي عندما يُملي علي تصرف أو سلوك معين يرى فيه أنه لحمايتي ولصالحي ،كان يطلب مني أعملي هذا ، أو لا تعملي
ذاك ، وكنت أحاول أن أسأله بلهجة الطفل الذي يريد أن يعرف السبب لعمل هذا أو لعدم عمله ، كان يردُ علي أعملي
ما أنصحك به وكفى ولا تسأليني " لماذا " ستعرفين الجواب عندما تكبرين ويكون لك أطفال " .

نعم لقد حصل هذا فعلاً عندما أصبحت أماً لطفلين ، في كل تصرف وأرشاد أجد والدي الساكن في صدري يقفز الى
ذاكرتي ويقول لي أرأيت هذا ما كنت أزودك به لكي تحمي أطفالك وفلذة كبدك ، فالكون يضجُ بكثرة الحوادث والجرائم
التي ينكس لها الرأس وتُغرق الأنسان بالخوف والأسى والقلق ، إنها حرب مستمرة بيننا وبين كل ما يحيطنا من
مخاطر تُحزن الإنسان .. عندما يُسمع ما حصل للغير منها ، يُحاول جاهداً حماية أطفاله من هذه المخاطر والمصائب
التي تحيطنا بأساليب ووسائل مختلفة تملأ نفوسنا بالخوف والقلق وتجعلنا نحاول التوسل بشتى الطرق والوسائل لكي
لا تمسنا بمكروه .
فالحفاظ على سلامة العائلة وأمنها ليس سهلا ويستدعي الأمر أحياناً الى أستخدام التعنيف للأنسان العنيد الذي لا يرضى
بالنصح ولا يقتنع به إما لقصور عقله وبراءته أو طموح من القاصر أو رغبة منه في تأكيد شخصيته حتى لو تشوبها
المجازفة والخطورة ، ومن الأفضل أن يسود الأرشاد بطرق هادئة وودية لأن كل مخلوق يتميزبصفات وموروثات تختلف من
كائن الى آخر .
مثل واقعي وحقيقي لطفلين في أحد البيوت ، الأم تعمل كل اليوم خارج المنزل وكذلك زوجها وهم من المهاجرين الى
دولة أوروبية ونظام هذه الدولة في توزيع العطل خلال السنة الدراسية على مدار شهور السنة الدراسية يكون بمناسبة الأعياد
الرسمية كعيد الميلاد المجيد وراس السنة الميلادية تقريبا أسبوعين وعطلة خريفية للمدارس وعطلة لعيد الفصح الجليل وعطل
رسمية أخرى ، العطلة الصيفية حوالى شهرين . الأبنة الكبرى عمرها 11سنة وأخوها الأصغر منها كان 8 سنوات وكان
الزمن الذي أبتدأت هذه العائلة فيه حياتها في هذا البلد كانت وسائط التواصل الأجتماعي لم تكن شائعة ، فالتلفونات كانت خطوط
أرضية فقط والموبايلات لم تكن متوفرة حتى تساعد وتسرع الأتصال خلال وجودهم لوحدهم في البيت وكان على الأم ان تتوسل
الى مدير القسم الذي تعمل به أن يسمح لها بأستعمال الخط الأرضي لدقيقتين قبل الظهر ونداء آخر بعد الظهر .
كيف لها أن تطمئن على طفليها وهما وحيدين في البيت لقد حضرت لهما كل ما يحتاجونه من طعام لا يحتاج الى تسخين أو طهي
ووضعته على المائدة مع الفاكهة والمشروبات والحلويات التي يحبونها والشاي في الترمس ، ثم تتوسل اليهما ، " أرجوكم أرجوكم فقط لا تذهبوا جهة الفرن الغازي " وكانت تخاف من أن لربما حاولوا أستعمال الفرن أو الطباخ قد يحدث خطأ ما يؤدي الى الحريق أو أختناق ويحصل ما يحصل من مصيبة ، وهذا التفكير والتوقع بما قد يحدث كان يسيطر على الأم فكانت في عملها أحيانا كثيرة تراجع عملها الذي قامت به وتراجعه بعد بضعة دقائق فتجد نفسها أنها سهت عن أخطاء ما كان لها أن تسهو عنها لو كانت مركزة . فعقلها لا يركز ، فقط نظرها بدون عقلها لأنه كان قد رحل الى البيت وهي تتوسل الله أن ينتهي اليوم على خير .
الفرق بين أبنها وأبنتها أن الأبن كان مطيعاً لحد منتهى الطاعة ، أما الأبنة فلها شخصية توعد أمها انها ستطبق التوصية بأن لا تفعل من الأمورالتي قد تكون سببا لخطورة أو مصيبة ، ولكن تأتي الساعة التي تنسى او تتناسى الوعد الذي قطعته وتحاول بكل ثقة في كل موقف أن تهزم الخوف الذي يعيش في نفوسنا .
كنا نسمع من الأخبار التلفزيونية أو الصحف اليومية أن إمرأة كبيرة في السن تقارب التسعين عاما تعيش لوحدها وهي تعيش في الماضي الذي لم تكُ الجرائم كثيرة كما هو اليوم ، رن جرس الباب في بيتها فذهبت وفتحته وكان الطارق شاباً في عنفوان الشباب دفعها الى الداخل بقوة وأغلق الباب وطلب منها أن تعطيه ما تملك من المال في بيتها فلم يكن لديها أكثر من تسع جنيهات أسترلينية ، ثم أمتدت يديه اليها وأغتصبها ، هذه واحدة من عشرات الجرائم التي تحدث بمختلف الوسائل والحيل التي يتبعها شياطين الجريمة . ونتيجة لأمثال هذه الجرائم قامت الحكومة ومؤسسات الأمن بإرسال رسائل الى كل الأشخاص الذين يعيشون لوحدهم من كبار السن لتوعيتهم بأن أي شخص يطرق الباب أن لا يفتح له ما دام ليس لكم به معرفة وليس له موعد سابق معكم حتى لو أدعى أنه مبعوث من قبل شركة مثلا من شركات الماء والكهرباء والغاز وان تكون هذه الشركات قد زودتكم برسالة تحدد لكم التاريخ والوقت وأسم الموظف الذي سيقوم بالعمل .
عادت الأم يوما من عملها وسالت طفليها كيف كان يومكم ، وكانا حينها في عطلة عيد الفصح فرد عليها الصبي " ماما أنت أوصيتنا أن لا نفتح الباب لأي طارق ، ولكن أختي كان رجل ضرب جرس الباب وفتحت له ". وفتحت الأم فاها وعيناها على وسعهما ، وسألت أبنتها بنوع من الأندهاش صحيح فتحت الباب ؟؟ نعم ماما ...
ولطمت الأم بكلتا يديها على رأسها . وصرخت وكلها خوف وغضب ، ألم أوصيك مهما ومن كان الطارق ، ولأي سبب أن لا تفتحي الباب لأي أحد ، لماذا تعذبيني هكذا ؟؟؟؟؟؟ ماذا لو دخل هذا الكائن الى داخل البيت وفعل ما فعل ، وردت عليها أبنتها ولكنه لم يدخل علينا ولم يفعل بنا أي شيء وكان لطيفا ، فقط قال أنه يعمل في قص الأشجار ، وأشجار حديقتنا في رأيه أنها تحتاج الى تقليم ، فقلت له لا نحتاج الآن ، ثم شكرنا وغادر .
غالبني الشعور بالقلق والخوف من عدم التزامها بتوصياتي وسألت طفلي هل أتصل والدكما بكما اليوم ليسأل عنكما ؟؟ أجاباني بالنفي ، وأمتلأ صدري بالغضب والكره لهذا الواقع المر الذي أعيشه ، وأنتظرت عودة زوجي من عمله بعد ساعة ، وما أن صار أمامي وجهت له السؤال بعتب :
لماذا لم تتصل بأبناءك لتطمئن عليهم ، وأنت لك تلفونك الأرضي أمامك على منضدتك بأعتبارك مدير شعبة ولا يجب أن تترجى أحدا ليسمح لك بأستعمال تلفون الدائرة ، هل تعرفون ماذا كان جوابه : لقد نسيت !!!!
- بماذا أرد ؟؟؟؟ وبماذا أصف هذا الجواب ؟؟؟؟ هل أنا كأم فقط مسؤولة عن أطفال في نهاية اليوم يحملون أسم والدهم ؟؟
لماذا خُلقت الأنثى ، هل هي التي يجب أن تتحمل معظم أعباء العائلة ، وتخدم الزوج ، واذا كان له الطموح في تحقيق نجاحه فهي التي عليها أن توفر له ظروف العمل والراحة وتوفير الوقت والأجتهاد في المنزل لكي يحقق ما يصبو اليه ، وفي نهاية المطاف ستركض السنين لتأخذ هذه الأم مقام الحماة لزوج البنت وزوجة الأبن ... موقعها سيكون حساساً ، عليها أن تحمي شخصها كي لا تكون الكائن المبغوض من نسيبها ومن كنتها على أنها حماة وليس مرغوب بها وفي نصائحها في مستقبل حياتها معهم ، عليها أن تقصي نفسها من أي تدخل في حياتهم حتى تكسب أحترامهم لها .وعليها أن تهتم بالأحفاد وكل من يحتاجها عند تقاعدها لتساعد
أبنائها وتطمئن الى سلامة كل شخص فيهم .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي