هل هناك اهتمام بالتنمية المكانية المتوازنة بين جميع محافظات العراق ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 24

لم يكن مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية في العراق لعام 2021 منصفا تجاه التنمية المكانية لمحافظات العراقية المختلفة ولم يعتمد العدالة في تنمية هذه المحافظات فمثلا اشارت المادة ( 52 ) من مشروع الموازنة الى تأسيس صندوق لإعمار محافظة ذي قار يخصص له مبلغ ( 300 ) مليار دينار , ليس هناك اعتراض على اعمار محافظة ذي قار ولكن ماذا عن المحافظات الأخرى الا تحتاج الى اعمار ؟! الا يفترض ان تكون هناك عدالة في التنمية المكانية لجميع محافظات العراق ؟كما نجد غياب العدالة في تخصيص الموازنة العامة لعام 2021 مبلغ اكثر من ( 700 ) مليار دينار الى محافظة النجف وهي لم تتعرض للتدمير بفعل داعش ولكن نجد ان الموازنة قد خصصت مبلغ ( 124 ) مليار دينار الى محافظة نينوى المدمرة في جانبيها الأيمن والأيسر من قبل داعش . فهل هذه عدالة ؟!
يعتبر التخطيط من الاساليب العلمية المهمة التي تستخدم في التخطيط للتنمية المستدامة بهدف تحقيق التوازن في توزيع المشاريع المختلفة بين محافظات العراق ومدنه المختلفة اضافة الى المناطق الحضرية والريفية والتي تهدف الى تطوير البنى التحتية والتخفيف من الفقر وتوفير فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية وتطوير الزراعة والصناعة والنقل والمواصلات والمباني والخدمات.
يعاني العراق من وجود تفاوت مكاني في التنمية بين المحافظات المختلفة وبين الحضر والريف مع غياب العدالة الاجتماعية التي عمقها النظام المقبور. ونجد ان التطور يتركز في عدد من مراكز المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة والموصل واهمال واضح للمدن الجنوبية وحتى الشمالية قبل استقلالها عن المركز, وهذا التفاوت بين المدن ادى الى تشجيع حركة الهجرة نحو هذه المدن وما ترتب على ذلك من تداعيات كبيرة وخاصة اهمال الزراعة.
يمتلك العراق العديد من الثروات الطبيعية والبشرية وتوفر عوامل الزراعة والصناعة ومقومات التقدم الاقتصادي فيما لو توفرت سياسات للتنمية المكانية تتناسب وهذه القدرات. وقد اتسمت السياسة الاقتصادية للحكومات المتعاقبة بغياب الرؤى والاستراتيجيات والسياسات الموحدة للدولة في مجال التنمية والمجال المالي وغيرهما وبالأضعاف القسري لدور الدولة خاصة في الميدان الاقتصادي ,حسبما اشارت الى ذلك وثائق الحزب الشيوعي العراقي .
لقد ورث العراق من النظام المقبور اقتصادا متخلفا واختلافا كبيرا في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي بين مدن الجنوب التي تعرضت للإهمال والحرمان والتخلف على الرغم من انها تزخر بموارد طبيعية تؤهلها للتطور الاقتصادي, فمن الضروري استخدام اساليب مناسبة تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية في المكان وتحقيق التنمية المكانية الحضرية والاقليمية .
ولغرض تقليل الفوارق والاختلافات بين المدن العراقية المختلفة لابد من :
- وجود سياسة اقتصادية وعمرانية واضحة ومتكاملة ووجود بنية تحتية تساعد على اقامة المشاريع فيها وتحقيق الموازنة المكانية.
- تجميع القرى المبعثرة واقامة المشاريع فيها وتشجيع الهجرة المعاكسة من المدينة الى الريف بعد تقليل الفوارق بينهما وخاصة فيما يتعلق بتوفير الكهرباء والماء الصالح والطرق والخدمات التعليمية والصحية.....الخ.
في ظل الاوضاع الراهنة مازالت هناك عوامل تعيق عملية التنمية المكانية لم تعالج لحد الان كالتدهور الامني المستمر وضعف الامكانات التنفيذية للوزارات والمحافظات فهي كثيرا ما تعيد اموال الموازنة المخصصة لها الى خزينة الدولة في نهاية السنة المالية اضافة الى استشراء الفساد المالي والاداري وضعف الالتزام بخطط التنمية ومراقبة التنفيذ وخاصة من قبل مجلس النواب الذي فقد دوره الرقابي.
وفي هذا الصدد يبرز دور التنسيق بين المركزية واللامركزية واشراك المجتمع الفعال في تحقيق التنمية.
ويبقى متوسط دخل الفرد وعدالة توزيع الدخل بين افراد المجتمع مقياسا معبرا عن مستوى المعيشة الذي تحقق بفعل التنمية وهذا غير موجود في العراق في الوقت الراهن ولم تستطع الحكومات المتعاقبة على حكم العراق من سقوط النظام المقبور والى اليوم ان تحقق التنمية المكانية وتقلل الفوارق بين المدن والارياف والحد من الفقر والبطالة والحرمان وتشجيع الهجرة المعاكسة الى الريف وبقي التفاوت قائما والفساد مستشريا بأمل ان يتم تنفيذ خطط التنمية الوطنية لا ان تبقى حبرا على ورق.
ومن هذا نرى ضرورة:
1. اقامة المشاريع الصناعية والزراعية وتوزيعها بشكل متوازن بين الريف والمدينة وفي المحافظات المختلفة آخذين بنظر الاعتبار ظروفها الطبيعية والاقتصادية وبهذا الصدد تبرز اهمية اعداد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية للمناطق المراد تطويرها بهدف اقامة تلك المشاريع والحد من مسألة التفاوت المكاني في مستويات التنمية وضمان تحقيق العدالة الاجتماعية.
2. تطوير شبكة النقل والاتصالات التي تساعد على تقليص المسافات وتحسين التماسك الاجتماعي.
3. الابتعاد عن تركيز الصناعة في عدد من المدن الرئيسة والذي سيؤدي بدوره الى تركز السكان في هذه المدن دون غيرها ,ويلاحظ بهذا الصدد عدم اقامة اي مشروع صناعي او زراعي منذ سقوط النظام المقبور في عام 2003 والى اليوم فكيف سنحقق التنمية الاقتصادية والمكانية؟
4. اعتماد سياسة شاملة للتنمية المكانية ومراقبة تنفيذها.
5. ايجاد الحلول الجذرية لمشكلة البطالة والتي تعتبر احد التحديات الكبيرة التي تواجه عملية التنمية في العراق.
6. ان قضايا الاقتصاد ومشاكله تحتاج الى سياقات عمل دائمة ضمن توجه وتخطيط عامين للنهوض بالاقتصاد في جوانبه المختلفة المترابطة.
7. توجيه العوائد النفطية الكبيرة نحو الاستثمار واعادة تشكيل بنية المجتمع العراقي بطبقاته وفئاته المختلفة علما ان السياسات المعتمدة حتى الان لم تحقق على طريق مكافحة الفقر وتضييق شقة التفاوت الاجتماعي.
8. مكافحة الفساد المالي والاداري الذي يعيق عملية التنمية المكانية والاقتصادية.
9. حماية البيئة ومنع التلوث.
وعموما فان التنمية المستدامة هي تلك التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرات المستقبل والاجيال القادمة والتنمية المستدامة تعني بتحسين نوعية الحياة للبشر وعدم استنزاف المصادر الطبيعية.
10. وضع المحافظات لخططها التنموية الاقتصادية والمكانية وتوفير بنية تحتية تساعد على زيادة عدد المنشآت وتوسيع فرص الاستثمار وتنفيذ تنمية متوازنة مع منحها الصلاحيات اللازمة
11. ضرورة معالجة التحديات التي تواجه الخطط التنموية من خلال تطوير المؤسسات والتطوير الاقتصادي والمالي والتطوير الاجتماعي والتطوير المكاني.