قراءة في كتاب «تاريخ المغرب منذ الاستقلال» بيير فيرموريين.

الريكات عبد الغفور
2021 / 1 / 24

ينبغي التأكيد في البداية، أن هذه القراءة تختلف عن المعتاد بخصوص قراءة كتاب ما. و هي قراءة نقدية و تحليلية لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب و تلخص ما نحن عليه اليوم.
إن ما عرفه علم التاريخ من تطوير لمناهجه و أدوات اشتغاله ارخى بظلاله على الكتاب موضوع القراءة. فقد تمردت الكتابة التاريخية عن المعتاد بكونها تكتفي بالسرد و الوصف و فقط ما يجعلها لا تختلف عن كتابة قصة أو رواية أو أبيات شعرية، لتنتقل إلى مستوى الانساق و البنى و التحليل.
و كما اعتدنا دائما أن الموضوعية في انتاج المعرفة التاريخية عموما تكون نسبية. فما بالك و هي تتسق بدراسة مرحلة انتقالية.و لكن الأساسي و المهم الذي يحسم في علمية المعرفة التاريخية هو مدى تعبيرها عن المعرفة الإنسانية بكل واقعية.
و قبل الخوض في غمار سيرورة المحطات التاريخية التي يتطرق لها فيرموريين، وجب التأكيد على كون المرحلة التاريخية قيد الدرس تمتاز بخصوصية تحتاج الكثير من الشجاعة و الرصانة النظرية.
و التاريخ الراهن تجاوز جزء كبيرا من مطباته، كما تم الإشارة إلى ذلك سابقا. و قد كان تطور حركة الإقتصاد و المجتمع موازي لتطور حركة علم التاريخ.
و ما يزيد من حجم المسؤولية على كاهل المؤرخ كونه يشتغل في الزمن الراهن جنبا إلى جنب مع الاقتصادي و الجغرافي و الصحفي....و قد أضحت كتابة التاريخ فنا من الفنون تماما كما يمسك الرسام ريشته و المغني آلته الموسيقية، يمسك المؤرخ قلمه لدراسة المعرفة التاريخية الإنسانية و الأكثر تعبيرا عن واقع الأفراد و المجتمعات.و كان في هذا التحول دور مهم لرواد مدرسة فرانكفورت و من بعدها رواد مدرسة ستراسبورغ، و من هؤلاء المؤرخ جاك لوغوف الذي تحدث عن الموقع المتميز للتاريخ و جمعه بين التجدد و التجذر و استفادته أيضا من تطور علوم إنسانية أخرى و خاصة الجغرافيا البشرية. ناهيك عن تأكيده على ضرورة إخراج التاريخ من العادات التقليدية و كذا تحريره من انغلاقه على ذاته و الدفع به في مجال كان مغيبا من طرف التاريخ التقليدي. (1)
و عموما فهذا التجديد على مستوى الكتابة التاريخية و مناهجها و مدارسها، أرخى بظلاله على هذا الكتاب.فقد حاول بيير فيروموريين أن يرسم لنفسه طريقا يبعده عن السقوط في أنساق الكتابة التاريخية الرسمية، و قد برز ذلك من خلال عنصرين أساسيين:
_ المقدمة : التأصيل للفترة التاريخية و تحديد الإشكالات المرتبطة بها.
_ الفهرس : تنويع المراجع المعتمدة في دراسة هذه المرحلة التاريخية.
و قد قسم كتابه إلى ثلاثة فصول ، عالج خلالها الأحداث و المحطات التاريخية المهمة الممتدة من حصول المغرب على الإستقلال الشكلي سنة 1956م إلى مرحلة التناوب التوافقي أو دعم أحد الأحزاب -التي كانت يسارية ذات يوم- للتحالف الطبقي المسيطر في المغرب و القبول بدخول مسرحية الإنتخابات مع متم القرن 20 م.
و قد خصص الفصل الأول من كتابه إلى التأصيل لمرحلة المواجهة المباشرة بين الامبرياليتين الفرنسية و الإسبانية ، و إرادة الشعب التواق للتحرر و الانعتاق. هذه الإرادة التي اصطدمت بانتهازية و تملق خونة الداخل و الذين استفادوا من وجود الاستعمار في مجالات عديدة، و كثيرا ما استفادوا من امتيازات في البوادي و المدن نظير خدماتهم و سخرتهم.
كما أشار أيضا إلى ظهور البورجوازية الحضرية و خاصة البورجوازية الفاسية، و التي انتقل جزء منها للعيش في الدار البيضاء.و من جهة أخرى استمرار القبائل في مواجهة الامبريالية بنفس واحد منذ ظهوره بداية القرن 20م و قد شكلت معركة أنوال على سبيل الذكر لا الحصر مرجعا مهما للحركات التحررية عبر العالم. (2)
و استغلت فرنسا التناقضات التي برزت داخل المغرب من أجل تهييء الظروف لانتقال سلس للسلطة و خاصة مع استمرار جيش التحرير في نشاطه بالبوادي رافضا بذلك كل أساليب التفاوض مع الإستعمار. و في هذا السياق جاء إغتيال أحد قادته عباس لمساعدي، رغبة من أعداء الشعب في إيقاف مده التحرري و خاصة في ظل ارتباطه بحركات التحرر الوطني بشمال إفريقيا و خاصة جبهة التحرير الوطني في الجزائر.
و أسهمت مقاومة القبائل و ابتكارها لأشكال مقاومة محلية للاستعمار الأجنبي.في قيادة النظام المغربي لحملات القمع ضدها سنوات قبيل الاستقلال الشكلي و منها قمع الريف سنة 1959 م. خاصة إذا ما عرفنا أن مقاومة أهل الريف للاستعمار الإسباني و كذا مقاومة باقي القبائل قد حصلت على دعم و تأييد من الحزب الشيوعي الفرنسي.
و قد كان مبرر هذا العنف هو الخوف . فكان طبيعا أنه سينتج عنفا مضادا أشد ضراوة و تمثل في كافة أشكال الاحتجاج التي أشار إليها صاحب الكتاب خلال بداية الفصل الثاني. و هي نتاج تراكمي لعقود من الأزمات الداخلية و الخارجية و التي لم يجد النظام المغربي التوليفة المناسبة للخروج منها. فكانت الإجابة التي تقدم للجماهير الشعبية هي القمع الدموي و إنزال كافة أشكال قوى القمع للشوارع. و هي ممارسة تم توريثها من المستعمر لخدامه المحليين على مستوى استنزاف الخيرات و تطوير أساليب العنف الممارس على كل فعل احتجاجي. و في هذا السياق تحرك المهدي بن بركة لفضح الإمبريالية العالمية و خدامها المحليين في آسيا و إفريقيا، و ارتباطه بقادة التحرر عبر العالم.و قد جمع أفكاره في كراسه و خاصة الأدوار المنوطة باليسار المغربي و الإجابة عن سؤال ما العمل؟ بخصوصية مغربية.(3)
و قد كانت أزمة المغرب مطلع الستينيات أزمة مركبة و حيث تضاعفت الفوارق الطبقية و لم ير الشعب أي بوادر للتغيير المنشود. ما أدى عمليا إلى بروز عدة حركات احتجاجية أكثر تطورا كمّا و كيفا من سابقتها.و خاصة الانتفاضة الشعبية 23 مارس 1965 م، و التي جاءت في سياق استهداف التعليم العمومي و إحداث التمايز بين تعليم أبناء خدام الدولة و تعليم عموم الجماهير الشعبية و ذلك عبر إصدار مذكرة وزارية تستهدف إيقاف الآلة التعليمية أو تعطيلها عن الإنتاج و طرد العديد من أبناء الشعب المغربي.و مع إصدار المذكرة خرج أبناء الشعب من تلاميذ و طلبة و أساتذة....إلى الشارع و جوبهت هذه الانتفاضة الشعبية بقمع دموي خلف مئات الشهداء و المعتقلين. و دشنت لمسار طويل من المواجهة المباشرة بين الشعب و أعدائه. (4)
و كرد فعل رسمي على انتفاضة 23 مارس، قام النظام المغربي بحل البرلمان الذي فشل في إنجاز مهمته.إضافة إلى تدبير إغتيال المهدي بن بركة بدعم من النظام الفرنسي و الكيان الصهيوني يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965م بهدف تصفية كافة المعارضين و اجتثات الانتلجنسيا، لكنه أمر صعب كونها كانت تتولد في الجامعة من خلال التطور الذي حصل على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب و تشبعه بالماركسية على مستوى فلسفته أو تصوره أو أوراقه، و أيضا على مستوى نضالاته.
ناهيك أن انتفاضة 23 مارس كانت مؤشرا لكل الماركسيين اللينينيين من أجل التنظيم في مستوى معين و التأثير المباشر في واقع الجماهير الشعبية و حركاتها الاحتجاجية و نقلها من العفوية إلى التنظيم.لقد أدركوا جيدا ضرورة التأثير في وعي الجماهير و برز ذلك من خلال إصدار مجلة أنفاس، و منظمة 23 مارس ثم منظمة إلى الأمام.
و مع بداية السبعينيات اختل أكبر جهاز في الدولة و تجلى ذلك في الانقلابات التي دبرها قادة الجيش لانتزاع السلطة من الحسن الثاني، و هي انقلابات باءت بالفشل و أتبعها النظام المغربي بإعدام الجنرالات و الزج بالبعض منهم في المعتقلات السيئة الذكر، و خاصة في معتقل تزمامرت. (5)
و قد ساهمت هذه الانقلابات في تقلص دائرة خدام النظام المغربي ما جعله يسعى إلى توسيع تواجده الاجتماعي بالبوادي و المدن، و منح امتيازات عديدة لخدامه.
في الوقت الذي عزز فيه أوطم نضاله الجماهيري (الإضرابات في الثانويات و الجامعات، دعم القضية الفلسطينية و كافة قضايا التحرر الوطني...)، و قد واكب النظام المغربي هذه الحركة الطلابية بموجة من الاعتقالات في صفوف الماركسيين.
و رغم كل المحاولات لاجتثات الفكر الثوري ، حافظ الشعب المغربي على جيناته الاحتجاجية . (6)
و وظف النظام المغربي كافة أدواته الإيديولوجية لتوجيه النقاش الرسمي نحو الحرب في الصحراء. و بالموازاة مع ذلك استمر في الزج بالماركسيين في معتقل درب مولاي الشريف.
و في المحور الثالث تطرق إلى مرحلة ممتدة من منتصف السبعينات إلى نهاية التسعينات من القرن 20 م، أي من ما يسمى الإجماع الوطني إلى حكومة التناوب. و قد استمر النظام المغربي في توجيه النقاش نحو ملف الصحراء، و استنزاف الخيرات في هذا الإتجاه ما أسهم في استمرار السياسات اللاشعبية و قمع و اعتقال المعارضين، ومن هؤلاء الشهيدة سعيدة المنبهي، و التي استشهدت بعد اضراب بطولي عن الطعام سنة 1977م. و مع مطلع الثمانينيات من القرن 20م و انسداد الأفق، و الاستمرار في توجيه الإقتصاد و استنزافه في ملف الصحراء. مقابل تعميق أزمات الجماهير عبر الزيادة في أسعار المواد الأساسية. كان طبيعيا أن تعود الحركة الاحتجاجية للبروز من جديد لتبلغ ذروتها يوم إضراب 20 يونيو 1981م و الذي عكس جدلية العمل النقابي و السياسي. و كانت نتيجة الإضراب قوافل من الشهداء و المعتقلين، و أجبر بعدها النظام المغربي عن التراجع على قرار الزيادة في الأسعار. (7)
و أمام احتدام الصراع الطبقي في المغرب و تثوير أوطم، حافظ النظام المغربي على ولائه للمؤسسات المالية المانحة و خاصة استمرار استهدافه لقطاع التعليم العمومي عبر سياسة (التقويم ) التخريب الهيكلي، و التي أتبعت من جديد بانتفاضة شعبية في 19 يناير 1984م ، و التي شهدت قمعا منقطع النظير كانت إفرازاته قوافل من الشهداء و المعتقلين.
و استمر النظام المغربي في توجيه سياساته نحو الجامعة ما جعله يدعم مع بداية التسعينيات تواجد القوى الأصولية و الظلامية في الجامعات و تنظيمها لعمليات اغتيال في حق العديد من الطلبة القاعديين في وجدة و فاس. و بالموازاة مع ذلك استمر في تعميق الأزمات الإقتصادية والإجتماعية و التي أفرزت إضراب دجنبر 1990 أو انتفاضة فاس و التي جوبهت بقمع دموي عنيف و إرتفاع أعداد المصابين و الشهداء و المعتقلين.
و طبيعي مع نهاية التسعينيات سيبحث النظام المغربي عن كل السبل لجر المعارضة الحزبية إلى الانخراط في اللعبة السياسية و التمهيد لما يسمى التناوب التوافقي سنة 1997م.
و عموما فكتاب بيير فيرموريين يعد تدخلا مهما لكل مهتم بدراسة تاريخ المغرب في النصف الثاني من القرن 20م، و هو يشكل أيضا أرضية أولية للبحث التاريخي و السوسيولوجي في المغرب، و خاصة تاريخ الحركات الاحتجاجية بالمغرب.
.............................
الهوامش:
(1) لوغوف جاك، التاريخ الجديد، ترجمة و تقديم محمد الطاهر المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، يوليوز 2007، ص.77.
(2) بوتبقالت الطيب، عبد الكريم الخطابي -حرب الريف و الرأي العام العالمي- ، سلسلة شراع العدد 14، أبريل 1997، ص.16.
(3) بن بركة المهدي، الإختيار الثوري في المغرب، دفاتر وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط،طبعة 2011، ص.57.
(4) العطري عبد الرحيم، الحركات الاحتجاجية بالمغرب- مؤشرات الاحتقان و مقدمات السخط الشعبي-، سلسلة دفاتر وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط، 2008،ص.205.
(5) المرزوقي أحمد، تزمامرت-الزنزانة رقم 10- ،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، ص.59.
(6) تورين الآن، ما الديمقراطية، ترجمة عبود كاسوحة،منشورات وزارة الثقافة،دمشق،طبعة سنة 2000، ص.102.
(7) المنوني عبد اللطيف، عياد محمد، الحركة العمالية المغربية:صراعات و تحولات، سلسلة المعرفة الإجتماعية، دار توبقال للنشر، 1985، ص.12.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول