قراءة في قصيدة لمصطفى السنجاري.. بقلم جهاد بدران

مصطفى حسين السنجاري
2021 / 1 / 20

وأهمُّ مِن وَصْلِ الحَبيبِ وَفاؤُهُ
كالوَعْدِ أجملُ ما بِه إيفاؤُهُ

وأهمُّ ما في النبْعِ ليسَ وُجودُه
لكنْ عُذوبَةُ مائِه وصَفاؤُهُ

إنَّ الحَبيبَ إذا تَعذَّرَ صِدقُهُ
فأهَمُّ من إبقائِه إعْفاؤُهُ

مَنْ كانَ كابوساً مَوائدُ نَومِهِ
فألدُّ مِن أعدائِهِ إغفاؤُهُ

أو كانَ مَصدرُ ضوئِه مُستجلِباً
للضرِّ فالأَولى به إطفاؤُهُ

والقِدْرُ إن فاحت روائحُهُ قّذىً
فلفضْلِه يُزجَى الثّناءُ غِطاؤُهُ

والغيثُ إن زادَ الوحولَ وُحولَةً
لا مجْدَ يَجني أو ثَناءَ عَطاؤُهُ

كنْ كالرياح إذا أثيرَتْ ثائرًا
فالطيبُ داءٌ ليسَ منهُ دَواؤُهُ

والوردُ تَقْتُلُهُ لطافةُ لَمْسِهِ
والطيبُ في الحَمَلِ الوَديعِ بَلاؤُهُ

لو كنتَ تسخو كنْ سخيّاً بالذي
يُجديكَ لا مثلَ المُميت سَخاؤُهُ

والطيبُ لا يجدي وأنتَ مطَوَّقٌ
بالذلِّ لا سِيَما وفيهِ بقاؤُهُ

ثرْ كالضياءِ على الظلامِ مناضلاً
فالعزُّ يُجنى، يستحيلُ شِراؤُهُ
لله دركم من قصيدة تحدثت وحدها عن منابع الجمال، وتدفقت الإنوار من بين سطورها..
ما أجمل هذا القطف وحصاد الكلمة بالحكمة والقول البليغ في مسحة فلسفة تضيف على القصيدة سحراً وجمالاً..
عندما قرأت العنوان/العزُّ يُجنى، يستحيلُ شِراؤُهُ/قبل شروع السبره بمفاصل التوزيع الشعري للكلمات وبموسيقاها العذبة، تكوّن في الفكر منظومة لقاء مع قلم بارع مذهل، فالعنوان كان نقطة الاتقاء ما بين قوة بنائه وبين المتلقي، إذ جسّد العنوان لدينا أننا على موعد مع قوة البيان والبلاغة والفصاحة، لتجعلنا نتسارع نحو جرس القصيدة وأوتارها العذبة، والتي تتدفق كنهر عذب من أقوال الحكمة وهي بثوب من جمال..
فالعنوان بتركيباته الفنية انقسم للوحتين نفيستين نستطيع إفراد كل لوحة بمفردها
كعنوان آخر يبث قصيدة منفصلة أخرى، وهذا هو سر جمال العنوان..
/ العزُّ يُجنى/
/يستحيلُ شِراؤُهُ/
كل لوحة نستطيع منها كتابة سِفر من الكلام في قاموس شعري رزين..
وهذا يعود لتلك القدرة التي جُبلت عليها أوتاد القصيدة..
فالشاعر في قوله: العزُّ يُجنى، ربط موارد العزّ بفعل مضارع متحرك مستمرّ، ولم يرفق به اسم أو مصدر، وذلك لاحتوائه على دليل الاستمرارية للعزّ حين يكون ملحقاته فيها الصدق والحق والنقاء والطهر، لذلك جاء فعل المضارع كعزيمة متجددة لمن يبحث عن العزّ من مصادره الحقيقية، فأتت هذه الاستمرارية كقطعة شهد للقصيدة تذوقها المتلقي بشفافية وسحر وجمال..
وأما اللوحة الثانية من العنوان: /يستحيلُ شِراؤُهُ/ هي عملية تأكيد لمن يحاول العبث بسبل العزّ، والتلاعب فيه ليكون معنى العزّ مربوطاً فقك بأسلوب وطرق جنْيه وقطفه، بخيث تفتح لنا هذه اللوحة كل من يريد الخيانة واقتلاع الوفاء والإخلاص منه، لتتفرع من هذه اللوحة كل الأيدي الملطخة التي يمكنها قضم جذور العزّ أو إطفاء حرارته وضوئه..
فالعنوان مركّب تركيباً متقناً يدل على الذكاء والمهارة في النسيج الشعري الذي يقود المتلقي لعالم من جمال...
وأما ما حملته القصيدة من نفحات وإيقاعات موسيقية أطربت الذائقة وحلقت بالخيال نحو سدرة النور والجمال، فقد نالت القوة من خلال الحكم التي غلفتها وأكسبتها الدلالات المختلفة التي انبثقت من أنامل الشاعر، وألحقتها الصور المتقنة والتكرارات لبعض الحروف والكلمات موسيقى أطربت الذائقة وأوسعتها حساً بكيفية الجمال حين يصاغ بتراتيل منتقاة بحسّ متدفق جاء مزدوجاً ما بين الداخلي والخارجي كي يعطي تجسيداً حياً ينبض بروح الشاعر من خلال تلك النفحات التي سالت من فوهة قلمه البارع...

الشاعر الكبير المتفرد البارع قلمه
أ.مصطفى السنجاري
هذه اللوحة تجلّت عناقيدها براعة ومهارة وكُتب لها البقاء وشماً نقياً على جبين الشعر..
بورك بقلكم وحرفكم البارع
وجزاكم الله خيراً على هذا العبق والألق الذي انساب من جذور القصيدة..
هذه قراءة سريعة لهذا الجمال..
ولربما سأعود لها لاحقاً بإذن الله لتكملة التنقيب عن جماليتها التي ما زالت بين أغصان القصيدة..
وفقكم الله لحبه ورضاه
.
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي