زمنهم الجميل هل كان جميلا حقا؟

ياسين سليماني
2021 / 1 / 20

يعيّر الكثيرون هذا الزمن ويرمونه بأقذر الصفات وأحطّ النعوت، ولا يكلّ أغلبهم ولا يملُّ من المقارنة بالأزمنة الماضية، التي توصف بأنها جميلة راقية، وأن فيها العلماء والأدباء وفينا السفهاء والضعفاء، لكن من قال أنّ الزمن الجميل جميل حقا؟ وما المعيار الذي حكم به هؤلاء هذا الحكم؟ ومن هؤلاء أصلا؟ ماذا لو قيل لنا أنّ كبيرا من كبراء الوطن وعظيما من عظمائها أقذعَ في السب وتمادى في الشتم لخصومة مع غيره؟ وأنه ما ترك سبابا إلاّ وكاله ولا نقيصة إلا ألحقها في خصمه؟ أكيد أننا نضعه ضمن ناقصي العقل عميان البصيرة، ونشكك في هذه المكانة التي يُتحدّث عنها. فماذا لو قيل لنا أن خصمه هذا كبير، جليل، عظيم القدر، له قيمته الكبيرة على مر الوقت والزمان؟ على ما يقول تاريخ الأدب، ثمّ قيل لنا أن هذا الأخير أيضا لا يختلف عن الأول في بذاءة اللسان ووضاعة التعبير؟ سنشكك في أفهامنا، أو في السند التاريخي والمرويات، أمّ أنّ العرب الذين لا يحترفون إلا الكلام لن يقصّروا في إعادة أمجاد جرير والفرزدق وأمثالهما في السباب والشتائم؟
على شباب اليوم أن يهنئوا، فإنّ في قدمائهم أيضا من إذا غضب لنفسه أسرف في العته فلكأنه عاميّ سوقيّ لم يقرأ كتابا ولا تعلّم حرفا ولا عرف ثقافة أو فنا أو أدبا. بل لكأنه عاش في الأحراش والغابات بين الضواري والضباع؟
عندما نعود إلى ما كتبه مصطفى صادق الرافعي في "على السَفود" منتقدا عباس العقاد وما كتبه الثاني في "الديوان" عن الأوّل سيلعن شباب اليوم ما سمّي بالزمن الجميل، والحركة الأدبية الضخمة التي قيل له أنها كانت تسم مطلع القرن العشرين. لقد كان زمنا رديئا أيضا بهذه الخصال الركيكة والتعبيرات الفجّة، وإنّ الواحد من الشباب اليوم إذا قرأ كتابي هذين العلمين الكبيرين (على ما يقول القائلون) ، فإنّ الرغبة في الإسراع إلى المرحاض هي أوّل ما يتبادر إلى نفسه، وللعلم فإنّ الرافعي يطلق لقب "أبي مرحاض" على العقاد في هذا الكتاب بعدما ذكر هذه اللفظة في أحد أبياته الشعرية !!
اقرأ ما يقوله الرافعي في كتابه المذكور ينتقد فيه شعرا للعقاد، ولا يخفى على الشاب العاقل أنّ السَّفود هو السيخ الذي يشوى عليه اللحم، والكتاب مخصص كله للعقاد شخصا وكتابة، أي أن الرافعي جعل العقاد لحما يشويه على سفوده فلكأنه رِجل خروف أو دجاجة وما أبعد الرافعي عن النقد عندما يشخصن القضايا الأدبية وينتقد الرجلَ لا عمله، فإنّ النقد يتوجه للمُنتَج لا المُنتِج، وللكتاب لا للكاتب وللشعر لا للشاعر، لكن الغضبَ أعمى الرافعي فزاده سوءا على سوء الخِلقة، فقد عرفنا أن الرافعي كان يشكو من ضرر في سمعه، فكان أصمّ وقلنا أنّ تلك علّة أصابته الأقدار بها، لا يد له فيها، لكن رضي أن يكون أعمى البصيرة أيضا، فجمع العمى إلى الصمم ومع ذلك بقي يسمي نفسه أو يسميه الناس بالرافعي وما أبعد الرفعة عن الرجل بعد ما كتبه هنا.
يقول: والحقيقة أننا من العقاد وأمثاله الغارّين المغرورين بآرائهم الطائشة وبيانهم المنحطّ في دَور انسلاخ ورجعة منقلبة (...) هذا وقد كتبنا مقالات "السفود" كما نتحدّث عادة لهوا بالعقاد وأمثاله إذ كانوا أهون علينا وعلى الحقيقة من أن نتعب فيهم تعبا أو نصنع فيهم بيانا، فهم هلاهيل لا تشدُّ أحدهم حتى يتهتّك وينفتِقَ وينفلقَ" ثم يورد الرافعي بيتا يقول :" وإنني لممّا أضربُ الكبشَ ضربةً/على رأسه تُلقي اللسانَ من الفمِ.( ص 59-60) ....
اقرأ هذا الوصف: (عباس العقاد الجِلف الحقود المغرور) ثم اقرأ: "إنّ الكريم لا يحسن به أن يكون سفيها فيجب أن يتخذ له من يسافه عنه إذا شُتم، فلم يروا أكفأ من العقّاد وقاحةَ وجهٍ وبذاءةَ لسانٍ وموتَ ضميرٍ وحمقا أكبر من الحمق الإنساني ولؤمَ نفسٍ بقدر مجموع كلّ ذلك". اقرأ هذا وانتبه أنّ الرافعي الذي يصفّف هذه الشتائم هو ذاته، بشحمه ولحمه من كتب "تحت راية القرآن" يدافع فيها عن الكتاب المقدّس !! أيّ شيزوفرينيا هذه وأي ازدواجية؟ وهل يجتمع الطيب والخبيث في قلب رجل واحد؟ نعم، إنهما يجتمعان، عند الرافعي وعند خصمه، فليس خصمه بأقلّ بذاءة منه. ويمكنك أن تستدلّ بما كتبه العقاد في "الديوان"، ولا تنسى أنّ العقاد هو الذي كتب "التفكير فريضة إسلامية" وهو صاحب العبقريات، فهل كان محمد الذي تشدّق بالكتابة عنه وعن صحبه بذيء اللسان خسيس اللفظ؟ إنها الازدواجية أيها الشاب المسكين الذين ظلّ الضالون يوهمونك أنّ الزمن السابق كان جميلا. وظلّوا يضعون هذه الأسماء وبعض كتاباتهم في كتبك المدرسية وفرضوها عليك فرضا كواحدة من عيون الأدب. لقد كان زمنا بائسا، أو إن شئنا الموضوعية فقد كان بائسا مع بعض البصيص من الأمل هنا وهناك.
اقرأ أيضا للرافعي في هذا الكتاب قوله: الأمر كله وهم وخداع كالحمار يلبس جلد الأسد فلما رأى القرّاء هذا العقاد لا يكتب إلا سبابا وحقدا ولؤما وتطاولا على الناس ودعاوى فارغة وتضليلا وإيهاما بإيراد آراء الفلاسفة وزعمه مناقشتهم ظنوا تتابع كل هذا مالا بدّ أن يظنه الضعفاء ويتأثروا به من عملِ التكرار" (ص 65) ويكفينا أمثلة من على السفود ففي كل صفحة منه شتم وسب مما لا يصلح معه إلا الجلوس في المرحاض حتى إذا اضطررتَ أيها الشاب الواهم بقيمة هؤلاء أن تُخرج ما في جوفك بسبب هذه البذاءة لم تجد المسافة بعيدة في فعل ما يجب فعله.
هذا ما كان من أمر الرافعي للعقاد فأما ما كان من أمر العقاد للرافعي فإنه قد أصدر كتابه "الديوان" وفيه يقول عن صاحب "وحي القلم": " مصطفى أفندي الرافعي رجل ضيق الفكر مدرع الوجه، يركبه رأسه مراكب يتريث دونها الحصفاء أحيانًا" وكان أساتذتنا في مجالس العلم يذكرون العقاد بمقولة اشتهرت عنه "لستُ مروحة للكسالى والنائمين" وكنّا نفهم هذا على أنّ ما يكتبه الرجل من الذهب الإبريز، بينما الحقّ أنّ نفسه المريضة المكابرة المتكبرة أوحت له أنه أفضل من سار على الأرض لذلك قال مقولته المشؤومة. وقد بدأ احترابهما منذ أن شكك العقاد في المقدمة التي كتبها سعد زغلول لكتاب "تحت راية القرآن"، فقد قال العقاد أن الرافعي قد انتحلها ونسبها زورا إلى زغلول لينتشر الكتاب ويذيع بين الناس، فهاج الرافعي وماج وانطلقت داحس والغبراء والبسوس معا. وبقي العقاد على رأيه يكيل السباب لخصمه ويتهمه بالضعف وسرقة الأفكار منه دون نسبتها له وخصمه يرد عليه. يقول صاحب "أنا" في الديوان "فهذا الخلق البغيض ونظائره من جرثومته هي التي تملأ نفوسنا تقززًا وعزوفًا من أدب الجيل الماضي وأدبائه، ومن صناعة من ينتسبون إليها، ولكن ليس لها ما لأحقر الصناعات من حرم يرعى ودستور يفاء إليه ووازع يوقف عند حده. أرجحهم منها سهمًا أجمعهم فيها بين استخذاء الجبن وصفاقة الادعاء، وأرفعهم فيها اسمًا أطبعهم على ضعة الحيلة وصنوف الرياء" ( ص 162) ثم يقول مخاطبا الرجل :" إيه يا خفافيش الأدب. أغثيتم نفوسنا أغثى الله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم.السوط في اليد وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت، وسنفرغ لكم أيها الثقلان، فأكثروا من مساوئكم، فإنكم بهذه المساوئ تعملون للأدب والحقيقة أضعاف ما عملت لها حسناتكم، إن كانت لكم حسنة يحسها الأدب والحقيقة" (ص 163) ولا فرق بين نظرة الرافعي للعقاد بأنه لحم يستحق أن يُشوى وبين نظرة العقاد له بأنّه عبد رخيص يستحق شيّ جلده بالسوط.
والعجيب أن الرجلين كانا يكتبان في المجلات هذه المقالات الطويلة المليئة بالشتم وقلة الذوق، وكان يكفيهما أن تنتشر عند أهل عصرهما، لكنهما جمعا ما كتباه في كتب وقذفا به إلى المطبعة حتى يكون لها البقاء في الأجيال اللاحقة. وما أسعد هذه الأجيال بقراءة هذه الخسة والوضاعة التي تزيدنا كراهية لهذه الرقعة الفكرية على كراهية.
فلا تغترّ أيها الشاب بقول القائلين أنه كان زمنا جميلا. فإننا دائما ما نحنّ إلى زمن لم نعش فيه، وسيأتي بعدنا بعقود من أبنائك وأحفادك من يحنون لهذا الزمن على كآبته وسوأته التي تتبدى كل يوم كأسوء ما يكون. إنه كان زمنا مليئا بالخيبات، والنفوس المريضة والقلوب المتأزمة. وبالحناجر التي تحترف الشعارات، حتى ما كانوا يسمونه دفاعا عن المقدسات من خلال تأليفاتهم لم يكن إلا من أجل أن يأخذوا مكانة وحظوة عند أهل الحكم لا لخدمة دين ولا لغة.
انظر إلى هذه الخصال الركيكة للرجلين، وقد كان الواحد منهما يعتقد نفسه كما قال البحتريُّ "هو الجبلُ الذي لولا ذراه --إذن وقعت على الأرض السماءُ" وانظر تهشيمه خصمه له حتّى صيّره كالعهن المنفوش ثم انظر إلى من يقول أن الناس يجب أن يتعلموا منهما دفاعهما عن الإسلام والقرآن. والمنطق والحق يقول أنه لو انتفع أحد بشيء لانتفع صاحب الشيء بشيئه، ولو كان لهما من الفطنة والذوق لتربيا على الأخلاق التي يزعمون أن الدين يدعو إليها، فلم يتنابزا بالألقاب ولم يعيّر أحدهما الآخر، قبل أن يدعيا تأديبا وتعليما لغيرهم فالسابق يقول: يا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ -- هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ !!

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول