حكم -النّهضة- والأُفُق المسدود

عزالدين بوغانمي
2021 / 1 / 20

لماذا فشل الإسلاميون في الحكم في كلّ مكان؟ ولماذا وصلت حركة النهضة إلى آخر الطّريق؟

الإسلاميون سيفشلون في الحكم دائِمًا لأنّهم يعيشون على التذكّر، إذ يستبطنون "دولة مستحيلة"، لا تشبه الدولة الحديثة، ولا علاقة لها بمعاييرها الكونية، ولا بطبيعة الفرد الذي هو منتوج قرن ونصف من التحديث، والولاء لهذه الدولة الجديدة التي وُلد في ظلّها.

وهنا، يجب التأكيد على أنّ التوانسة في هذا العالم المترابط، وفي ظلّ النّظام الدولي الصارم، ليس لهم بديل عن هذه الدولة. وربما كانت مهمتهم الأولى بعد الثورة، العمل على منع انهيارها. وثانيا، تحريرها من الاستبداد، وعقلنتها وجعلها أكثر تعبيراً عن الإرادة الشعبية، وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الناس، وأكثر استعدادا على العيش مع العالم، باعتبار هذه الدولة التي تتكلم لغة العصر، هي الخليّة الأساسية في التكوين القانوني للنظام الدولي، وأساس العلاقات بين الشعوب.

قبل الثورة كان النظام تسلّطيًا سافرا بلا أي محتوى إيديولوجي، يحكم من خلال سيطرة الحزب الواحد، مع تعددية مظهرية. ويتستمد استقرار سيطرته من شبكة تضامنات عائلية ومافيوزية داخلية، مرتكزة على منافع وارتباطات اقتصادية بالدول الغربية المهيمنة على المسرح العالمي.

كان المطلوب أولا، إحداث قطيعة حاسمة لا مهادنة فيها مع التسلّط، حتى لا ينجح نظام الاستبداد في إعادة توليد نفسه. وذلك بتفكيك شبكات الفساد على نحو لا رحمة فيه. وبإصلاح الإدارة بشكل جذريّ. وبتقليص حجم مصاريف بيروقراطية الدولة. وبحشد الموارد حتى تصبح الدولة هي المستثمر الرئيسي، وقادرة على وضع مخطط لمحاربة الفقر، والحد من البطالة عن طريق بعث المشاريع التنموية الكبرى، وإصلاح البنية التحتية والصحة والتعليم والتكوين والسكن ...
وثانيا، تحقيق مصالحة وطنية شاملة، قائمة على إنفاذ عدالة انتقالية حقيقية، تُضمّدُ الجراح، تُجبر الخواطر، تردّ الحقوق لأصحابها، وتطوي صفحة الماضي.
وثالثا، تحرير المجتمع وتعزيز العمل المدني، وتمكينه من قدرات تفاوضية في تعامله مع مؤسسة الدولة، لإعادة بناء شراكة مجتمعية سِمتها الحوار والتعاون على بناء ركائز النظام الديمقراطي والدولة العادلة القوية المتصالحة مع شعبها، السّاهرة على خدمته.

بدل كلّ هذه الواجبات الوطنية الأخلاقية، ماذا فعل الإسلاميون؟

• قسّموا الشعب وزرعوا الفتنة بين شباب الثورة.
• وضعوا الدولة والمجتمع في مأزق تناقض جوهري بين بنية الدولة ومواريثها في التشريع والتعليم والأحوال الشخصية وعادات الناس وتديّنهم ونمط عيشهم وحميميتهم وحرياتهم الخاصة، وبين تصوّرهم الخاص كجماعة لمفهوم دولة الشريعة المتخيَّيلة. ولقد ترتّب على ذلك تمزّق اجتماعي وثقافي وإداري ونزاع مرير بين محاولة أسلمة الدولة وتوليد نموذج قروسطي لاستبداد يرتكز إلى شرعية دينية، تمثلها الجماعة المصطفاة. وبين مجتمع يكافح من أجل المحافظة على نفسه من خلال تشبّثه بالحدّ الأدنى من المكاسب المدنية.
وفي سياق هذا النّزاع جنح الإسلاميون لفرض الإذعان على الكل بالاستعانة بأذرع عنيفة من خارج الدولة. وهذا أدّى إلى تمدّد الإرهاب في ظرف قياسيّ بحيث تمكّن من تأسيس "بلاطفورم" مادية وبشرية. وأصبح يصول ويجول، ويمرح فوق أعصاب الدولة، وفي وضح النهار. ووصلنا إلى الاغتيالات السياسية وذبح الأمنيين ... وحدث ما حدث، وصارت تونس أوّل مُصدّر للإرهاب. وانتقلت من علامة كونية مضيئة بثورة الحرية، إلى بؤرة مخيفة يستحيل فيها العيش، فما بالك الاستثمار. وتوقفت عجلة الاقتصاد، وبدأ الانهيار.

• باتت قضية السيطرة على مفاصل الدولة وتطويعها هي القضية المركزية الأولى لحركة النهضة. وفيما كان الفقر يعمّ والبطالة تتوسّع والأسعار تزداد التهابا، وخزائن الدولة تفرغ، والمديونية تتضاعف، كان الإسلاميون يحتجزون أصحاب الثروات، ويُساومونهم داخل سجونهم وخارجها، ويبتزّونهم لنهب ما طالته أياديهم دون اكتراث لأوضاع البلد وللشعب الذي يستغيث. ولم يبنوا ولو حجرًا واحدًا في هذا البلد على امتداد عشرة سنوات. وحتى الخيّرين من بين الإسلاميين الذين ارتفعت أصواتهم احتجاجًا على سياسات الخراب، مطالبين بوقف النّزيف، لم تتطلّب عمليّة التخلّص منهم جُهدًا يُذكر، إذ تمّ طردهم، وانتهى الأمر.

• إلى يوم الناس هذا. حتى بعد أن انفجر الشعب في وُجوههم. ولأنّهم لا يملكون أيّ حلّ، مازالوا في حالة إنكار سخيفة لمسؤوليتهم عمّا آلت إليه الأوضاع، بما يشير إلى أنهم مُمْعِنون في هدم البلاد. فهم يتصرّفون كلصوص على مدار السّنة. وما أن تتحرّك الجماهير حتى يعودون جريًا للتصوّر البدائي لأهل السنّة والجماعة حول الحكم. فالنهضة بهذا المعنى، هي مستودع الحق ومصدره، وليس الغالبية الشعبية الثّائرة ولا الدستور والقوانين. بل ما تراه هي حقاً فهو حق. وما تراه باطِلًا فقد بَطُلَ. لأنها (حسب زعم قادتها) على نهج النبي، ووريثته.

ماذا كانت نتيجة حكم الإسلاميين وفق هذه المنهجية الكارثية، التي ستطيح بهم، بعد أن اقتنع الشعب، بالتجربة والدليل أنّهم لا يملكون مشروعًا لحكم دولة ؟

١/ لقراءة النتيجة، أكتفي ببعض المؤشرات البسيطة:
تونس اليوم، بالأرقام، وبكلّ الحسابات، لو تحقق 4% نموّ كلّ عام، لكي نصل إلى مستوى إقتصاد دولة محترمة، سنحتاج إلى 120 سنة.
وهذا يعني أنّ مستوى معيشة الفرد، تتطلّب جهود الدولة وجهود المجتمع في كل الاتجاهات لِما يزيد عن قرن من الزمن.

٢/ صارت عندنا أشياء غريبة عجيبة، مثلا، بقدر ما يكون الشّاب في تونس متفوّق وذكيّ ومختص وصاحب شهادات عليا، بقدر ما تتناقص حظوظه في الحصول على شغل. وهذا ما يفسّر الأعداد المفزعة لكفاءات البلاد المعطلة عن العمل في جميع الاختصاصات. وما يفسّر كارثة هجرة الأدمغة، وإفراغ البلاد من العقول.

٣/ كلّ عام عندنا مئة ألف طفل ينقطع عن الدراسة. وهذا مؤشر اقتصادي خطير جدا. لأن هؤلاء المنقطعين عن الدراسة اليوم، هم الطبقة العاملة وعماد الاقتصاد بعد عشرة سنوات. ومن المعلوم أن مستوى التعليم يدخل ضمن العوامل المحدِّدة للنّمو في أيّ بلد. بمعنى بإمكاننا أن نكون على يقين من الآن، أن تونس بانقطاع مئة ألف طفل عن الدراسة هذه السنة، سوف لن تحقق نموّا أكثر من 1% سنة 2030. وهذه، بالمناسبة، أكبر جريمة تُرتكب في حق البلد، لأن الجيل الذي تخرج من المدرسة العمومية، والذي تقف تونس على أكتافه اليوم، سوف لن يكون موجودًا بعد عشرة سنوات.

٤/ عندنا نصف مليون شاب مُدمن. يعني 10% من السكان في غيبوبة. وهذا أيضا مؤشر اقتصادي، له علاقة بتجارة المخدّرات، بالسّوق السّوداء والاقتصاد الموازي الذي بلغ نِسبة مُخجلة من الاقتصاد الوطني تقوم دليلا قاطعًا على أنّ الدولة فاشلة بكل المقاييس. ومن الواضح أن بلوغها هذه النسبة هو مؤشر على أن الفساد يتحكم في الإدارة بشكل كامل.
ثمّ 2/3 الشبان المستهلكين عاطلين عن العمل. وهذ يعني أنّ باب الانحراف والجريمة والارهاب مفتوح على مصراعيه.

٥/ غلاء المعيشة والتراجع من الفقر المعمّم إلى حالة الجوع المتوحّش.
٦/ خراب النسبج الاقتصادي بسبب غزو البضائع الأجنبية للسوق المحلية.
٧/ التعقيدات البيروقراطية، بحيث فتح شركة يتطلب ضعف مرتّب شهري وجهد يفوق معدل ستة أشهر جريًا بين الإدارات. علاوة على ظاهرة الرشوة. وهذا فيه قتل للمبادرة الخاصة.

مع هذه الأمور التي لا يحصيها مجلّد، ثمة سياسة الكذب والمراوغة وغياب الشفافية وتضخيم الأرقام لغايات سياسية. فمثلا في اقتصاد كهذا يقولون لنا "المؤسسة البنكية الفلانية تحقق 30% أرباح" ! وهذا يعني بكل بساطة أن السُّلطات تُغالط شعبها وتستبلهه.

وأخيرًا، ومن أغرب عجائب الدّهر، أن نجد كلّ الذين يتمّ تعيينهم في مراكز القرار، إمّا سياسيين بلا كفاءة. أو كفاءات بخلفية لصوص. وحين يستعينون بالكفاءات الوطنية الحقيقية من حين إلى آخر، إنما الغاية من ذلك إيجات حلول مؤقتة للسياسيين الفاشلين وليس للبلاد. وهذا ما يفسر العبث وغياب الخطط والسياسات العشوائية الكارثية.
انجر على ذلك حزن عام، فالشعب التونسي عام 2012، كان ترتيبه 98 في مؤشر السعادة عالميا. اليوم تراجع إلى المرتبة 124، أي قبل العراق بنقطة واحدة، يعني شعب يعيش حزنًا يُضاهي مخلّفات أربعين سنة من الحروب.
وين ماشين؟

الجواب: هذا هو معنى هدم المجتمع الذي قصده السيد قطب في مبادئ الفلسفة الإخوانية القائمة على:
1/ الجاهلية في القرن العشرين .
2/ الحاكمية أصل من أصول الدين.
3/ لا بدّ من طائفة تُقاتل وعُصبة من المؤمنين لفرض الشّوكة.
4/ لابدّ من هدم المجتمع.
5/ الجماعة هي الأمة.

لهذه الأسباب نحن ضدّهم. وليس لأيّ شيء آخر. وإلى اليوم، لسنا مع استئصالهم. لأننا نؤمن أنّ الديمقراطية لا تقوم على الإقصاء. وخرافة "دفاعهم عن الإسلام" هي أكبر كذبة. وليسوا أكثر منّا إسلامًا، ولا أقرب منّا للّه.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا