الجبهة الشعبية: منهجية العجز

عزالدين بوغانمي
2021 / 1 / 20

في حقل السياسة هنالك انتخابات وتنافس وصراع ودولة وحكم ونظام ... وهنالك أحزاب كبيرة تربح، وأحزاب صغيرة تخسر.
في تونس، منذ سنوات الرابح "أخذ أموالا من الخارج". والخاسر، "خسر بسبب قلة الفلوس"!

أنا أعتقد أن الجبهة الشعبية في تونس، مثلها مثل كل القوى اليسارية في البلاد العربية، خسرت لأنها لم تتوحد. ولأنها مازالت لم تفهم عديد القضايا المركزية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تقدم إجابة واضحة على أهم سؤال على الإطلاق، ألا وهو سؤال الدولة. إذ بقيت تحت سيطرة عنوان التعريف الماركسي للدولة. أقول جيدا وبالقصد "عنوان التعريف"، وليس التعريف نفسه. فمثلا لو تسأل أي شاب من أنصار الجبهة الشعبية في تونس: ما هي الدولة؟ لأجابك: "هي جهاز للاستبداد الطبقي". هكذا يجيبك فورا، وبالحفظ تماما كما جدول الضرب. ولكن أيضا، حين يقال له إن هدف الدواعش هو القضاء على الدولة، ينزل فورا مع أصحابه للشارع دفاعا عن الدولة !
هذا الغموض يهز ثقة الناس في الجبهة وفي إمكانية قدرتها على الحكم. وهو غموض لا يعاني منه الشباب فقط. بل الشيوخ أيضا. فهم ليس لهم خلافات بشأن موضوع "الدولة" مثلا. بل مشكلتهم الكبرى، ليس لهم اسئلة مشتركة حوله، وحول غيره من الأسئلة. وهكذا يصبح "المسكوت عنه" هو سبب عجز الجبهة عن التطور، وليس "الخلافات" كما يوقولون.

نحن نعلم أن أحد أكبر الأسئلة التي واجهت المجتمعات الإنسانية ككل منذ معاهدة ويستفاليا 1648 ، -التي أرخت لنهاية الإمبراطورية الرومانية، وأسست الدولة الأوربية في شكلها الحديث، ذات الحدود وذات السيادة- هو سؤال الدولة. بمعنى إلى أي درجة هذه الدولة ضرورية؟ إلى أي درجة هذه الدولة صحية؟ إلى أي درجة هذه الدولة إنسانية؟ إلى أي درجة هذه الدولة تجمع بين المسوولية وبين الحرية؟ وهكذا ..
والحقيقة أن الظاهرة اليسارية عندنا هي استجابة حديثة لواقع حديث بدأ منذ مطلع القرن العشرين. وليست استمرارية للميراث السياسي العربي مثل الإسلام السياسي، الذي يسعى لإعادة إحياء الخلافة، بوصفها منظومة ثقافية، عاش الناس في ظلها ما يزيد عن الألف سنة. ولعل هذا أحد أسباب سهولة إستقطاب الاسلاميين للسكان وجر الملايين وراءهم، في مقابل ضعف جماهيرية اليسار كظاهرة حديثة و الذي يلزمه جهدا تنظيميا مضاعفا حتى يتمكن من حشد التأييد لمشروعه و أفكاره و مقترحاته.

بهذا المعنى ليس للقوى اليسارية -كظاهرة اجتماع سياسي- ميراث حضاري تستند إليه كإطار مرجعي، لا فقط في علاقة بالدولة القائمة، بل أيضا في تعريف الدولة البديلة وتصورها. وباختصار، حسب رأيي سؤال الدولة لم تتم الإجابة عليه بشكل مقنع بصراحة.

هذا الموضوع مثله مثل عدة مواضيع أخرى، غامض ومسكوت عنه في الجبهة الشعبية. وعدم حسمه يمثل عائقا من عوائق وحدتها وتطورها. وهنالك أيضا أسباب أخرى تتعلق بالفكر والخطاب. وهنالك أسباب تتعلق بالبنية السياسية الاعتباطية. فالجبهة إلى يوم الناس هذا لم تقدم ولو إشارة واحدة تطمئن الناس على مسألة الديمقراطية مثلا. حتى في داخلها ليس هنالك آليات لممارسة الديمقراطية. وأنا أشرت إلى هذا كثيرا في بعض المقالات. وقلت إن غياب مظاهر الديمقراطية داخل حزب من الأحزاب يكفي ليخسر الآنتخابات. يعني أنت لا يمكن أن تبشر المجتمع بالديمقراطية إذا كنت لا تمارسها داخل حزبك. إذا كان حزبك لا تجدده موتمرات انتخابية. والأمين العام مبايع مدى الحياة. فهذا يعني أن هنالك خلل كبير في تصورك لقضية الديمقراطية وتجديد الثقة.

ثانيا هنالك مشكلة في خطاب الجبهة. وهو خطاب فيه نوع من المجانبة، ونوع من الاستعلاء يشبه بناء الجدار بين صوت الجبهة وبين المجتمع. زد على ذلك انغلاقها وانعدام حركية الأسئلة داخلها وتعريف المسائل بوضوح. لم تحول نفسها إلى جزء من المجتمع وإنما حولت نفسها إلى هوية داخل الهوية الوطنية.. حولت نفسها إلى طائفة أكثر منها تيار اجتماعي معبر عن آمال الناس وطموحاتهم. ولنفس الأسباب فرطت في اكتساب القوى النوعية. ذلك أن إدارة الدولة ليست عملية سهلة خصوصا في مجتمع مثل مجتمعنا. فهي تدار باكتساب القوى النوعية: كوادر الإدارة وأهل العلم والثقافة والإعلام والمال ... إلخ .. خاصة إذا أخذنا بعين الآعتبار أن الجبهة تسعى إلى التغيير وليس فقط إلى الوصول للسلطة.

ننتهي إلى كون ضعف الجبهة الشعبية له أسباب متعددة: فكرية خطابية، وهيكلية سواء كان في بنيتها الخاصة أو في علاقة بالمجتمع. فلا هي قوية ونجحت في بناء كتلة اجتماعية صلبة، تمكنها من التغيير الجذري للدولة والنظام. ولا هي سلمت بالواقع وعملت من خلال القنوات المتاحة بشكل واضح وصريح يفهمه الناس.
فالمشكل منهجي وليس ماديا يا جماعة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية