قراءة في المشروع التمهيدي لقانون الإنتخابات الجزائري-المساواة ضد الكوطات-

رابح لونيسي
2021 / 1 / 18

سبق لنا أن قمنا منذ أشهر بقراءة تفكيكية للمشروع التمهيدي للدستور الذي طرح للمناقشة، وقدمنا إقتراحاتنا حوله، كما نشرنا مقالة مفصلة في ذلك في عدة صحف ومواقع (عد مثلا إلى مقالتنا "تفكيك لمسودة دستور جزائري" في الحوار المتمدن عدد6573 بتاريخ15ماي2020 )، ودائما في نفس السياق، فمن المفترض ان ندخل في مناقشة وإثراء المشروع التمهيدي للقانون العضوي للإنتخابات، لعل سيكون لذلك تأثير مستقبلا مادام أنه سيعرض على الحكومة قبل أن يعرض على البرلمان بغرفتيه في الإيام القادمة، فأول ملاحظة تسجل على هذا المشروع التمهيدي هو إعتماده على الكوطات، فمثلا أبقى كوطة النساء بنفس النسبة المحددة من قبل في القانون السابق لكن بفرض نصف أعضاء القائمة المرشحة من النساء بدل الثلث كما في السابق، وهو ما سيعقد أكثر تشكيل القوائم، ما سيعرقل الكثير من الترشح، فلعل الهدف من ذلك هو تخفيض عدد قوائم المرشحين، مما سيسهل التحكم في العملية الإنتخابية من جهة، ويخفض المصاريف الإنتخابية، خاصة ان المشروع التمهيدي للقانون الجديد يقول بمساهمة الدولة في 50% من تمويل المرشحين الشباب الأقل من 34سنة.
كي نشرح هذه العرقلة نشير إلى معاناة الكثير من قبل في إيجاد نساء يقبلن الترشح في القوائم الإنتخابية بحكم ان المجتمع الجزائري مجتمعا محافظا، فلهذا من أين يمكن الإتيان بهذا العدد الكبير من النساء، وهو ما سيمنع عددا من الأحزاب والأحرار من تشكيل قوائمهم بسبب هذا المشكل العويص الذي نجده بشكل اخص في عمق الجزائر، بل حتى في المدن بحكم تجارب سابقة، كما أن المرأة في الجزائر لاتهتم كثيرا بالسياسة للأسف الشديد على عكس الرجل، لكن يمكن تخفيف ذلك وإقناع النساء بالترشح مادام أن القوائم ليس فيها ترتيب، ويمكن لها النجاح كغيرها من المرشحين، مما يجعلها لا ترفض الترشح لأن في السابق كانت الكثير من النساء يكمل بها تعداد القائمة لا غير، هذا من جهة ومن جهة أخرى ليس من العدل و لا من المساواة بين المواطنين أن نميز بين المرأة والرجل، فالتمييز الوحيد بينهما هو الكفاءة، فبإمكاننا ان نجد نساء تمتلك كفاءات كبيرة جدا والعكس صحيح، ولهذا يجب أن تكون الكفاءة هي الوحيدة التي تحدد ذلك، وأعتقد أن الجميع يعرفني بأنني من أشد المدافعين عن ترقية المرأة، لكن أن نفرض لها كوطة في القوائم وفي المجالس المنتخبة، فمعناه عملية توجيهية للإختيار الشعبي، لأنه بإمكان إقصاء كفاءات أحسن في عدة مناطق لأنها من الرجال، ولو قمنا بالعكس بالنسبة للرجال وخصصنا لهم كوطات أيضا، فيمكن أن يؤدي إلى إقصاء كفاءات نسوية كثيرة جدا، ولعل تفكير المشرع قد أخذ بعين الإعتبار محافظة المجتمع الذي يمكن أنه لاينتخب على النساء، ولو انه لم يثبت ذلك علميا، ولهذا يحميها قانونيا بتخصيص كوطة لها، وإن كان الأمر مستحسن مؤقتا حتى يتطور مجتمعنا أكثر، لكن يمكن أن يكون لذلك تأثير سلبي على مختلف المجالس كما وقع في المجالس السابقة، ونعتقد أن القضاء على ذهنية عدم الإنتخاب على النساء يجب أن يتم بطرق أخرى مثل توظيف مختلف الأدوات الأيديولوجية لذلك مثل المساجد والمدارس ووسائل الإعلام وغيرها.
ونسجل نفس الملاحظة على المشروع التمهيدي لهذا القانون العضوي عندما يفرض كوطة للشباب تقدر بضرورة وجود ثلث المرشحين في القائمة ممن عمرهم أقل من 34 سنة، ولا نعلم لما هذا السن بالضبط، وليس سنا آخر، فهذه الكوطة يمكن أن تكون عليها نفس الملاحظات بالنسبة لكوطة النساء، فيمكن أن نجد شاب له قدرات وكفاءات خارقة، لكن بسب الكوطة يمكن أن نقصيه لأن عمره يتجاوز قليلا 34 سنة، وله كفاءات كبيرة أيضا، طبعا لا ننفي قدرات شبابنا وتفتحهم على تكنولوجيا الإتصال والأفكار المعاصرة على عكس البعض من الكهول والشيوخ، مما يمكن أن يسمح لهم بتجديد المجتمع، كما أن مجتمعنا مجتمع شبابي، لكن لا نحقق ذلك بالتمييز على أساس سن34سنة، لأنه سنضيع كفاءات كبيرة من كل قائمة إنتخابية تتجاوز هذا السن، فنعتقد أن الكفاءة والنزاهة هو المقياس الوحيد للترشح في القوائم، أن حديثي عن تحديد كوطات للنساء وللشباب يجعلني أذكر ما كتبه الفرنسي موريس جولي في كتابة "حوار سياسي في جهنم" عندما قال على لسان ميكيافيللي ردا على مونتيسكيو المدافع عن المجالس التمثيلية بأنه سيبقيها، لكن سيقلل كثيرا من خطورتها على سلطته بسعيه لإيصال عدد كبير من الشباب القليلي الخبرة والتجربة إلى عضويتها، فيسهل بذلك عليه التحكم في المجلس بحكم نقص التجربة لديهم على عكس الكبار- حسب موريس جولي طبعا-.
لكن ما يؤسف له، ففي الوقت الذي يعتمد المشروع التمهيدي على الكوطات للنساء وللشباب اٌلاقل من 34 سنة المناقض لمبدأ المساواة بين كل المواطنين، نجده في نفس الوقت تحت غطاء المساواة يعطي الحق للجميع بالترشح دون إشتراط الشهادة الجامعية التي تحدث عنها من قبل رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة وتنظيم الإنتخابات التي عليها حتى هي أيضا كلام ليس هنا موضوعه، وقد تطرقنا إليه عند مناقشتنا للمشروع التمهيدي للدستور، فهل من المعقول أن نفتح مجلس شعبي وطني الذي من مهامه هو التشريع ومناقشة القوانين المعروضة والميزانية وقضايا أخرى لأناس ليس لهم مستوى كبير لمناقشة مواضيع مثل هذه، أليس عدم وجود هذا الشرط هو تشجيع للرداءة، ويذكرنا بالستينيات والسبعينيات بصورة رئيس البلدية الذي يوقع على أمور لايعرف قراءتها، وكم تم التحايل على الكثير من هؤلاء الرؤساء، لكن لعل لواضع لهذا المشروع له مبرراته بحكم أن أغلب الجزائريين اليوم لهم مستوى تعليمي معقول، لكن لم نفهم لما إشتراط ذلك على عضوية مجلس الأمة فقط، فهل للتخلص من الأعضاء المسنين الذين عينهم بوتفليقة من قبل؟.
كما ينص هذا المشروع على إشتراط دفع مبلغ مالي لم يحدد مسبقا لكل من ينوي الترشح للرئاسيات، ففعلا هذا يستهدف به منع تلك السلوكات الكاريكاتورية التي عرفناها عند كل رئاسيات، مما أفقد هذه الإنتخابات هيبتها، ومنها حتى مؤسسة الرئاسة، لكن هذا الشرط، سيمنع الكثير من المجدين والكفاءات التي تمتلك برامج طموحة من الترشح بحكم أنها لاتمتلك القدر الكافي من المبلغ الذي لانعرف قيمته لحد الآن، ولعل سيكون بقدرة أي كان أن يوفره، فإن كان كذلك فهذا معقول جدا، بل يثمن، لكن إن كانت قيمة مالية مرتفعة جدا، فإنه سيقصي الكثير ممن ذكرناه، فالعيب ليس في هذا الشرط الذي يجب تثمينه للأسباب الآنفة الذكر، لكن في الخوف من إستخدامه مستقبلا لحصر الترشيحات في الأغنياء فقط، فإن كان كذلك فهو إقصاء لمتواضعي الدخل من الترشح رغم قدراتهم وكفاءاتهم العالية جدا، فهل مثلا لو فرضنا هذا الشرط في تونس كان بإمكان قيس السعيد أو منصف المرزوقي وغيرهم الترشح لرئاسيات تونس؟، ويمكن لنا ذكر الكثير من الأمثلة في العالم.
أما ما نٍراه له تأثير سلبي كبير في هذا المشروع التمهيدي، فهو إختيار الناخب مرشح أو عدد من المرشحين ضمن قائمة إنتخابية واحدة سواء لقائمة حزبية أو حرة، ولو أن الهدف منها هو منع شراء المال الفاسد لرؤوس القوائم كما كان يحدث في الماضي، لكن لم ينتبه المشرع أن هذا يمكن أن يؤدي إلى نهاية الحملة الإنتخابية المشتركة للقائمة كفريق واحد يجب التآزر فيما بينهم للترويج لبرنامجهم ومشروعهم، أفلا يعلم أن هذا سيدخل القائمة المرشحة في صراعات داخلية فيما بينها، مما يمدد أثناء الحملة بشكل أكبر ذلك الصراع داخل التنظيمات من أجل الترشح؟، ألا يؤدي هذا الأمر إلى إضعاف كبير للتنظيمات الحزبية على المستوى المحلي بسبب ضرب بعضهم بعضا كي يفوزوا بالأصوات، خاصة إذا كان التنظيم له حظوظ كبيرة جدا للفوز في الدائرة الإنتخابية، ألا يدخل هذا في إطار سياسة فرق تسد داخل التنظيم الحزبي الواحد، مما سيؤدي إلى إضعافها نهائيا؟.
وفي الأخير نعتقد ان كل الديمقراطيات التمثيلية اليوم قد أثبتت فشلها، ووصلت إلى مأزق بسبب تطبيق خاطيء لمبدأ "سيادة الأمة" الذي طرحه جون جاك روسو، عندما وضعت الدوائر الإنتخابية على أساس جغرافي، لأن ذلك أدى إلى سيطرة طبقة محددة على المجالس التمثيلية، خاصة البرلمان الذي يصيغ المجتمع بفعل القوانين سواء التشريعية أو المالية التي لن تكون إلا لصالح فئات معينة دون أخرى لم تجد من يدافع عن مصالحها، خاصة في نظام ريعي مثل دولنا حيث يتم توزيع الريع في قانون المالية بشكل غير مباشر على فئات دون أخرى، ولهذا نرى ضرورة التخلص من هذا النظام الإنتخابي الغير ممثل للمجتمع وتعويضه بتنظيم إنتخابي مبني على دوائر إنتخابية لشرائح وفئات مهنية بما فيها البطالين،
فلنشر أن ما يقع في بعض الدول المعروفة بعراقتها في الديمقراطية مثل فرنسا التي ظهرت فيها أصحاب السترات الصفراء الذي كان مطلبهم مشروعا لو لم يتحولوا إلى العنف، فمن غير المستبعد إلى وقوع أحداث مستقبلا شبيهة بالثورة الفرنسية في 1789، لأن ما حدث مع السترات الصفراء، وما سيحدث في عدة دول سيكون تعبير شعبي عميق على المأزق الذي وصلت إليه الديمقراطية في أوروبا والغرب عموما، وفي فرنسا خصوصا، فهذا النظام الديمقراطي الغربي نشأ في 1789 نتيجة لأفكار التنويريين، وعلى رأسهم جون جاك روسو الذي وضع مبدأ "سيادة الأمة" عبر إنتخاب ممثليها في الهيئة التشريعية، لكن عندما جاءت فرنسا وأوروبا ثم دول أخرى في العالم إلى تطبيق هذا المبدأ أستندت على دوائر إنتخابية على أساس جغرافي، لتجد الكثير من الشرائح الإجتماعية غير ممثلة في هذه الهيئة، ولم تجد من يدافع عن مصالحها، فتطورت هذه الديمقراطية حتى تحولت الدولة ومؤسساتها، ومنها مجالسها إلى أداة في يد فئة صغيرة وهي الطبقة البرجوازية لخدمة مصالحها، وهو ما يفسر لنا ضعف نسب الإنتخابات التشريعية في هذه الديمقراطيات، لأن الناخب لا يشعر بأي تغيير فعلي وإيجابي للوضع، وهو ما أدى إلى تفكك هذا العقد الذي تحدث عنه روسو، وهو ما يتطلب تفكيرا جديا في نظام سياسي آخر أو عملية تطوير هذه الديمقراطية كي تكون ممثلة فعلا لكل شرائح وفئات المجتمع، فلا نستبعد أن تكون فرنسا منطلقا لهذا التغيير كما كانت منطلقا لهذا النظام الحالي في 1789، والذي وصل إلى مأزقه اليوم، ومن المرجح جدا أن يكون ما كتبناه منذ سنوات في كتبنا ومنها "النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع"، وكذلك كتابنا "ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي" هو النظام السياسي البديل لهذه الديمقراطية التي دخلت مأزقا خطيرا يتطلب تغييرها أو تطويرها لتكون أكثر تمثيلا، فقد قلنا في كتبنا والكثير من مقالاتنا أن الديمقراطية في الغرب هي في مأزق بسبب إنحصارها في الطبقة البرجوازية، فلاتحقق عدالة إجتماعية بأتم معنى الكلمة، وطرحنا نظاما بديلا مبني على عدة أسس ومباديء وآليات وميكانيزمات أهمها تمثيل كل شرائح المجتمع وفئاته المهنية وكذلك البطالين إن وجدوا في مختلف المجالس، ومنها الهيئة التشريعية بتبني دوائر إنتخابية على أساس خريطة إجتماعية بدل ماتكون على أساس خريطة جغرافية.
فبذلك يصبح التمثيل في البرلمان وفي مختلف المجالس يتم على أساس شرائح المجتمع وفئاته المهنية كلها، بدل التمثيل على أساس دوائر إنتخابية جغرافية يمكن أن تكون الكثير من شرائح المجتمع غير ممثلة في البرلمان ومختلف المجالس، والذي يمكن مثلا أن تسيطر عليها فئات فقط مع إنعدام التمثيل لفئات أخرى عديدة، فيجب على كل شرائح والفئات المهنية بما فيهم البطالين ورجال المال وغيرهم أن يكونوا ممثلين في البرلمان وكل المجالس، وذلك بإعتماد كل شريحة إجتماعية أو فئة مهنية كدائرة إنتخابية، ويكون عدد ممثليها في مختلف المجالس والبرلمان حسب العدد المنتم إلى هذه الشريحة أو الفئة الإجتماعية والعمالية.
لكن ذلك غير كاف ومضمون لخدمة كل المجتمع إلا إذا أمتلك كل ممثلي شريحة أو فئة إجتماعية أو مهنية حق الفيتو في كل مشروع قانون يخصها، ويمكن ان تتفاوض مع السلطة التنفيذية في حالة ضرورة الحفاظ على توازنات، أما إذا تعلق القانون بمصالح عدة شرائح وفئات مهنية، فيتم التفاوض حوله بتنازلات فيما بينها لحفظ مصالح الجميع، وبهذا الشكل يتم نقل الصراعات الإجتماعية التي تشل الحركة الإقتصادية بفعل الإضرابات إلى مبنى البرلمان ومختلف المجالس التمثيلية، لكن هذا لايكفي لتحقيق مصالح كل شريحة إجتماعية أوفئة مهنية إلا إذا بقيت مصالح ممثليها المنتخبة في البرلمان ومختلف المجالس مرتبطة إرتباطا وثيقا بمصالح شريحتها وفئتها المهنية، مما يجعلها حتى ولو أهتمت فقط بالدفاع عن مصلحتها الإجتماعية الخاصة، فإنها ستحقق بذلك حتما مصلحة الشريحة الإجتماعية والفئة المهنية التي تمثلها، ولا يتم ذلك إلا بإلغاء كل الإمتيازات لهؤلاء الممثلين بحكم تواجدهم بالبرلمان والمجالس المحلية المختلفة كالأجور الخاصة بذلك التي يجب إلغائها والإكتفاء بأجور وظائفهم الأصلية مع تكفل الدولة بمصاريف النقل والإيواء إن أقتضت الضرورة، ونستثني من هذه الإمتيازات الحصانة التي يجب أن تنحصر في العمل السياسي وحرية النقد والتعبير والممارسة فقط، وليس توسيعها إلى المسائل الجنائية، خاصة الإقتصادية منها كما وقع للحصانة في الجزائر التي حرفت عن وظيفتها، مما يدفع رجال المال الفاسدين لولوجالبرلمان بكل الأساليب كي يحصنوا أنفسهم من الفساد والمتابعات القضائية.
لكن يجب أن نضع في ذهننا إمكانية شراء هؤلاء النواب والممثلين للشرائح الإجتماعية والفئات المهنية من أصحاب المال أو من السلطة التنفيذية، وهو ما يتطلب تفعيل ميكانيزمات عملية لمبدأ "من أين لك هذا؟"، ويطبق على الجميع، وهو المبدأ الذي كثيرا ما يردد أنه جاء به الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، لكنه ما يستغربه الباحث والمتتبع للخطاب السياسي في دول منطقتنا هو تغييب أي ذكر لهذا المبدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو مبدأ مطبق بصرامة في الكثير من دول الغرب التي وضعت له ميكانيزمات تطبيقه، فهو مبدأ كفيل بمحاربة الأموال المشبوهة.