لا بد من ثورة فكرية يحمل لواءَها رجال دين !

أحمد إدريس
2021 / 1 / 17

« الثورة هي الطريقة الوحيدة التي يجدها المفكرون ذَوُو الضمائر الحية و الوعي اليقظ، حين يهولهم سوء الأحوال و يرون بثاقب نظرتهم الكارثة التي تسير الأمة إليها، و لا يجدون وسيلة أخرى لتنبيهها و دفعها إلى إحداث التغيير الضروري. » (محمد رشاد النويهي، "نحو ثورة في الفكر الديني"، 2010)


أمر آلمني كثيراً و ما عُدت أُطيق السُّكوت عنه لأني أعتبره عاملاً أساسياً في الحالة المأساوية التي انحدرت إليها هذه الأمة : القرآن فتح أبْوَاب التفكير الحر و التعبُّد بإعمال العقل على مِصراعيها، و جمهور المُلقَّبين عندنا بأهل العلم ما ادَّخروا وُسعاً في سبيل إغلاقها… جزء كبير مِن شغل هذه الطبقة هو إنشاءُ و صناعة الأصنام الفكرية أي إنتاج أفكار يُضفون عليها قداسة زائفة دون أن يروا في ذلك نقضاً لِلتَّوحيد. لهذا ما عادوا هُداةً للتي هي أَقْوَم و لا دُعاةً إلى دين قويم.

لقد غاب عن أذهانهم ما يلي : الدين القويم و هو الذي يُوائِم الفطرة و لا يصدِم الضمير و قبل كل شيء يُعين الحياة و يُحَسِّنُها و يُخفِّف مِن قسْوَتها، و يُعلِّم المخلوق الآدمِيَّ كيف يكون إنساناً بجدارة و مُستحقاً بالفعل أن يُسمَّى إنساناً، لا يُمكن أن يستغني عن المُراجعة النقدية الدائمة و التصحيح المُستمر للتَّصوُّرات و الدعائم الفكرية التي يقوم عليها. و هذا يقتضي عدم تصنيم أي فكرة هي نِتاج جهد بشري في محاولة فهم النصوص المُؤسِّسة للدين.

إذ حتى لو لم يُعلنوا ذلك صراحة فإن نِداء الله للعباد اليوم بالنِّسبة لهم يتلخَّص فيما يلي : « يا مَن صنعتُ بِيَدي اعبدوني وحدي مُقِرين بأني الخالق الأزلي المُتفرِّد بالربوبية ؛ لتحقيق ذلك يَجِبُ عليكم ترديدُ ما يقوله و تقليد ما يفعله وكلائي في الأرض، أعني المشايخ، بأيِّهم اقتدَيتُم اهتدَيتُم فرغم اختلافاتهم هُم جميعاً بِفَضلي و مِنَّتي على الحق ؛ و إلاَّ فإن عذاباً عظيماً لامُنتهياً ينتظركم مني أنا الخالقُ الرحيم المُتفرِّد بالألوهية. » أهذه هي رسالة الله إلى البشر اليوم ؟

يقولون و يُردِّدون إن قرآننا يشيد بالعقل، بينما هم في الواقع لا يقيمون وزناً للعقل. إن ما يقوم به بعض مُريديهم هو أبْلَغُ دليل على صحة إدانتي لفكر و خطاب هؤلاء المشايخ. و النتيجة الحتمية لذلك أن سُمعة الإسلام ساءت إلى أبعد حد بين الأنام. الحقيقة بهذا الصدد صارخة، و مهما كانت مؤلمة علينا الإصغاءُ إلى ندائها القوي المُلح بعقولنا، و بقلوبنا كذلك دون مكابرةٍ أو مُماطلة أو تضييع لِمَزيد مِن الوقت، إن كُنا بالفعل عُشاقاً للحقيقة ! لا مَفرَّ لِمشايخِنا و سائر مرجعياتِنا مِن مواجهة هذه الحقيقة، فتلك هي الخطوة الأولى للوصول إلى رؤية هادية تعينُنا على تَجاوُز أزمات الحاضر و تنير لهذه الأمة الشاردة في بيداء الحياة طريق المستقبل، لا مَفرَّ لنا جميعاً مِن مُباشرة أو مُواصلة البحث عن الحقيقة.

كفى تبديداً للطاقات و إهداراً للأوقات في غير طائل، كفى جدلاً عقيماً لا فائدة تُرجى منه، كفى سَعْياً و جَرْياً وراء أشياء ليست أكثر مِن سراب. فَمِنْ غير إعادةِ نظر و إصلاحٍ جذري لِلمنظومة الفِكرية و القِيَمية لهذا الدين، و بَوَادِرُ ما سأُعلِنه تلوح في الأفق، فإنه سيأتي لا محالة يوم لا أخالُه بعيداً يخرج فيه الناس أفواجاً مِن هذا الدين !

سيقول البعض بأن صاحب الحَوْل و الطَّوْل قد تكفَّل بحفظ القرآن، و هذا أمر صحيح و أكيد بالنسبة لكل مَن يعتقد بربانية مصدر القرآن، لكِنْ ليس في عِلمي أنه تعهَّد بنقاوة أبدية للدين المُنبثق عن القرآن… مِن أين أتى و كيف استقر في الوعي العام و العقل الجَمعي لِمَن يُسَمَّوْن بالمسلمين، هذا الإعتقادُ الوهمي بالصفاء التام المطلق لِمَجموع ما وَرِثوه تحت مُسمَّى الإسلام ؟ فلطالما سمِعتُ على لسان الأئمة و الوُعاظ أن النبي تركنا على مَحجَّة بيضاء لَيلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، لكِنْ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ أﺠﺪ أنهم أوَّلُ مَن حاد عن نهج النبي الذي ما زالوا حتى يومنا هذا ينسبون إليه هذه المقولة المُنكَرة : "مَن بدَّل دينه فاقتلوه".

أبو جهل هو مَن عذَّب إمرأة بِوَحْشية بالغة ثُم قتلها لأنها بدَّلت دينَها، كما اضطهد و آذى و تفنَّن في التنكيل بآخرين مِن بني قومِه لأنهم أيضاً - بِكامل إرادتِهم و وعيهم و اختِيارهم ـ قرَّروا الإرتدادَ عن مِلَّة وَرِثوها عن آبائِهم و اعتناقَ فلسفةِ حياة جديدة، الشخص المذكور و أشباهه هم فقط مَن يَصدُر مِنهم أمر بالفتك كهذا. مقولة تهدِمُ و تنسِفُ كماً هائلاً مِن آيات القرآن البَيِّنات، لَعَلَّ في مُقدِّمتها هذه : « لا إكراه في الدين »، و مع ذلك تُنسب حتى اليوم للذي جاءنا بالقرآن الكريم. ماذا لو قرَّر الغرب تطبيق هذا الحديث - الغيرِ نبوي بالتأكيد - بإعدام أبنائه الذين يدخلون في الإسلام ؟ حرية المُعتقَد قد استقرَّت في ضمير العالَم و نحن ما زلنا في خصومة مع حرية المُعتقَد.

و لكِنْ يجدر التنبيه إلى أنني في هذا الصدد لا أتحدث عن حرية الإزدراء جهاراً نهاراً للأديان و سب مُعتقدات أو مُقدَّسات أي كان، أرفض هذا الفِعل الذي هو بعيد كل البعد عن الفكر النقدي الصحيح، و لأنه يُضِرُّ بالتعايش السِّلمي بين مُختلِف مُكوِّنات المجتمعات البشرية يَجِبُ على الدول التصدي له و معاقبتُه مِن دون قتل أي كان ! مُقدَّس عندي حقُّ كافةِ الجماعات البشرية في أن تُحترم المُقدَّساتُ المُنغرِسة المُتأصِّلة في وِجْدَانِها و كِيانِها الرُّوحي.

لا للحَجْر على عقول البشر و مصادرة حرية الفكر و التعبير بإسم الدين ! لا لمنطق الوِصاية الفكرية بدعوى محاربة الردة لأنه لا إكراه في الدين ! أكيداً تركنا نبيُّنا على محجَّة بيضاء ليلُها كنهارها و فعلاً نحن مَدينون له للأبد، فما أنجزه كان رحمة للعالَمين و بركة على الخلائق أجمعين، و لكنَّ شيوخ الدَّجل و الخبل أحالوا نهارَنا ليلاً أخشى أن نقبع في ظلامه للأبد : بكل تأكيد الأوهام التي تسكن مُخيِّلاتِكم و التي تتوارثونها جيلاً بعد جيل، يا مَن حوَّلتُم ديناً ناصعاً كوجه النهار إلى مَسبَّة في الكثير مِن بلاد و بقاع هذه الدنيا - الدنيا التي أصبحنا فيها أضْيَع مِن الأيتام في مأدُبة اللئام و غيرَ جديرين بأي احترام -، هي سبب هزيمتنا الحضارية و ها هي تودي بأمتنا إلى الفناء شيئاً فشيئاً…

يقيناً الأمة بحاجة إلى ثورة، ثورة بداخل عقول المشايخ ! نعم نحن بِأمَس الحاجة إلى ثورة بداخل عقول المشايخ. هذه العقول المُقفِرة إلاَّ مِن الأوهام، و التي ما زالت مُقفَلة تماماً بإحكام. إلاَّ ما رحم ربي. نُفوسُهم في حاجة إلى مراجعة شاملة و قاسية، و كذلك مجموعة تَصوُّراتٍ و أفكار و رُؤى هي الآن عندهم من المُسلَّمات، إن أرادوا أن يصيروا من رُوَّاد نهضة حقيقية.

شيوخ الدين عندنا في مُجمَلِهم بحاجة إلى طريقة تفكير جديدة تُمكِّنهم من استيعاب رحابة التجربة الإنسانية على مستوى العالَم، و تُخرجهم من قَوْقعة التمايُز المَزهُوِّ عن الآخَر التي ما زالوا يتمترسون بعناد وراءها إلى الفضاء الإنساني و الحضاري الواسع. و ليبدأوا بِفَتح قلوبهم لجميع الخلائق و تَوسيع آفاقهم و رفع حِسِّهم الإنساني، إن كانت تحدوهم رغبة صادقة و حقيقية في أن يصيروا للعالَم قاطبة رحمة. إن كانت لديهم رغبة جادَّة بأن يكونوا مساهِمين بفاعِلية و إيجابية في صناعة المستقبل. إن كانوا جادين صادقين في السعي لبناء مجتمعات راقية مُتوازنة في جوانبها المادية و الروحية و أكثر إنسانية.

أقول لهم بكل مَوَدة و احترام و لكِنْ دون مُوَاربة : الوضع الحالي لأمتنا يقتضي و يستلزم منكم وقفةً شجاعة و مُصارحةً أمينة. و أن تستمعوا إلى الأصوات الناصحة أو الناقدة و لا تَصُمُّوا عنها الآذان كما هي عادتُكم للأسف. أحداث بالغة الخطورة و في غاية المأساوية ليس مُمكناً حصرُها فضلاً عن تَعدادِها و شلاَّلات دماء لا تتوقَّف هنا إلا لِتثُور هناك و ما دفعكم ذلك كلُّه إلى مراجعة نقدية جادَّة و عميقة لِتعاليم و تَصَوُّرَات قد أثبتت التَّجرِبة العملية أنَّها قتَّالة… ما أبرَعكم في الحديث النظري عن أهمِّية العقل، و أنكم كزعماء و قادة دينيين مع حريته و تُدينون إهمالَه أو الحَجْرَ عليه، فاسمحوا لي أن أُذكِّركم بِأولى مزايا مَن له عقل : العاقل لا يعاند بل يتقبَّل الحقيقة، يتحمَّل مسؤوليَّته و لا يتعصَّب لنفسه مستعملاً أسلوب اللف و الدَّوَران، يعترف بأخطائه عِوَض التنكر لها أو التملُّص منها أو محاولة تبريرها، و يستلهم منها الدروس و العِبر.


« لا تتمسك بأفكارك الخاطئة لِمُجرَّد أنها أفكارك، فالتخلي عن قُمامة العقل أفضل من التخلي عن المبادئ. » (فاطمة عبد المنعم)

« إنه حيث يخف الفكر و يرجِح الهوى فارتقاب الإسلام عبث ! نعم، لا دين مع ضعف العقل، و غِش القصد، و إن طال الصيام و القيام. » (محمد الغزالي، "عِلل و أدوية"، 1984)

« نأمل بظهور رجال دين مُتنوِّرين لِحَمل لِواء ثورةٍ فكرية دينية. قد ترى المُؤسسات الدينية التقليدية في هذه الدعوة تحريضاً عليها و تهديداً لمصالحها، و قد تتَّهم المُنادين بها بالكفر و الإلحاد، و الحقيقة أنَّنا نرى في هذه الدعوة خدمة للدين و الأمة، بِمَعنى أنها تُعيد للدين نقاءَه بعد أن ألصقت به المؤسسات التقليدية تأويلاتٍ مذهبية و ممارساتٍ و طقوساً حرَّفته عن أهدافه. » (وهدان عويس)

« فلنُفرِّق بين الدين و تأويلاته. و لْنُلاحظ أن تأويله يكون عادة ظلامياً طائفياً في عصور الإنحطاط، و لكنه يصبح مستنيراً عقلانياً في عصور النهوض و الإنفراج. » (هاشم صالح، "الإنتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ"، 2013)

« المسلمون يحتفظون بمكانهم بين أُمم العالَم ما احتفظوا بفريضة التفكير. » (عباس محمود العقاد)