مشروع قانون الموازنة العامة للعراق لعام 2021 هل هو منصف للشعب العراقي ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 17

اقر مجلس الوزراء بجلسته الاستثنائية مشروع قانون الموازنة العامة في العراق لعام 2021 بتاريخ 21/12/2020 وتم احالتها الى مجلس النواب في 27/12/2020 لغرض دراستها والمصادقة عليها . وقراءة لمسودة الموازنة العامة لعام 2021 تشير الى ان الايرادات تبلغ اكثر من 93 ترليون دينار التي تعتمد كليا على بيع النفط الخام حيث تم اعتماد معدل سعر برميل النفط الخام بـ ( 42 ) دولار للبرميل الواحد في حين ارتفعت اسعار برنت الى ( 56,19 ) دولار , فأين ستذهب فروقات الزيادة في سعر النفط بين الموازنة وبين السوق الحقيقي خاصة وانه لا تقدم كشوفات بالحسابات الختامية؟
كما تم اعتماد معدل تصدير قدره ( ثلاثة ملايين ومئتان وخمسون ألف برميل يوميا ) بضمنها ( 250,000) برميل يوميا عن كميات النفط الخام المنتج في اقليم كردستان على اساس سعر صرف ( 1450) دينار لكل دولار. وكانت خلافات كبيرة تدور بين بغداد واربيل حول كيفية ادارة الثروة النفطية في الإقليم حيث كان الاقليم يصدر الخام بصورة منفردة وليس عن طريق سومو ولا يسلم اموال النفط الى خزينة الدولة وما زال الاقليم مطلوبا لهذه المبالغ في حين انهم يطالبون بحصة الاقليم من الموازنة كاملة . اما بالنسبة لنفقات عام 2021 فقدرت بأكثر من ( 164 ) ترليون دينار , ومن ضمنها النفقات التشغيلية البالغة اكثر من ( 120) ترليون دينار , في حين بلغت النفقات الرأسمالية اكثر من ( 27) ترليون دينار اي ان الفرق بين النفقات التشغيلية والنفقات الرأسمالية في هذه الموازنة اكثر من ( 93 ) ترليون دينار لصالح التشغيلية . اي ان ايرادات الدولة من النفط الخام التي تزيد عن ( 93) ترليون دينار تذهب الى النفقات التشغيلية ليقع العراق في عجز مالي كبير يبلغ ( احدى وسبعون ترليون وستة واربعون مليار واحدى وخمسون مليون وستمائة واحدى وسبعون ألف دينار ( 71,046,051,671 ) ترليون دينار . فكيف سيغطي العراق هذا العجز المالي الكبير . حتما سيلجأ الى الاقتراض الداخلي والخارجي ليكبل نفسه بديون كبيرة وفوائدها الكبيرة بسبب فشل السياسة الاقتصادية التي يعتمدها والقائمة على الاقتصاد الوحيد الجان وتهميش القطاعات الاقتصادية المنتجة التي يمكن ان تدر اموالا لخزينة الدولة كالزراعة والصناعة والتعدين والسياحة والرسوم الجمركية وموارد المنافذ الحدودية التي تسيطر عليها مافيات الفساد التابعة للأحزاب المتنفذة اضافة الى تهريب النفط الخام وعدم الاستفادة من موارد وتفشي الفساد الذي يقضم الجزء الأكبر من المال العام , الى جانب الفروقات في اسعار النفط بين السعر المقدر في الموازنة وسعر السوق الحقيقي وهي اموال ضائعة لا يقدم بها كشفا ولا تقدم الحسابات الختامية لمعرفة الايرادات الحقيقة للدولة ومصروفاتها .
اكدت موازنة العراق لعام 2021 على الاستمرار بالاقتراض الخارجي لتمويل مشاريع الوزارات وعلى تسوية المستحقات بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان للسنوات 2004 – 2020 وتسليم الايرادات النفطية وغير النفطية الى الخزينة العامة حصرا .
من سلبيات موازنة 2021 تأكيدها ضمن المادة 12/ ثانيا / أ عل ايقاف التعيينات وحذف الدرجات الوظيفية ضمن الملاك عند شغورها بسبب النقل او الاحالة للتقاعد او الاستقالة او الوفاة باستثناء الدوائر الخدمية , مع تأكيدها ايضا على منع التعيين في دوائر الدولة بأسلوب التعاقد وعدم التعيين في اي وظيفة قيادية ( مدير عام فما فوق ) ما لم يوجد لها درجة في قانون الوزارة او الجهة غير المرتبطة بوزارة , كما نصت ايضا على ايقاف النقل والتنسيب بين الوزارات الا بالضرورة . وهذا يعني زيادة عدد العاطلين عن العمل والتحاق الخريجين الجدد بجيش العاطلين ليضخوا دماء جديدة الى ساحات التظاهر والاعتصام وليزداد عدد الواقفين امام ابواب الوزارات طلبا للتعيين .
نجد المادة ( 15/ اولا ) من مسودة قانون الموازنة لعام 2021 قد اشارت الى تحويل جميع ايرادات هيئة الاعلام والاتصالات لعامي ( 2019 و2020 ) الى حساب الخزينة العامة الاتحادية للدولة وهذا يعني عدم تحويل الايرادات المتحققة لعامي 2019 و2020 لحد الآن , الا توجد رقابة حكومية تطالب بالأموال العامة المستحقة اولا بأول؟ اضافة الى اهمال هيئة الاعلام والاتصالات العراقية وعدم الزام شركات الهاتف النقال تسديد ما عليها من ديون وغرامات والتزامات مالية والتي لم تسددها لحد الآن رغم الخدمات السيئة التي تقدمها هذه الشركات . فماذا يعني ذلك ؟!
كما تطالب الموازنة دوائر الكهرباء والاتصالات والاعمار والمحافظات وامانة بغداد بتفعيل جباية الكهرباء والهاتف والماء والمجاري . فأين هي الكهرباء التي تقدمها الوزارة والشعب يعتمد على المولدات الأهلية للتجهيز بالكهرباء ؟ اضافة الى شراء عبوات المياه النقية الصالحة للشرب. الا يفترض تحسين هذه الخدمات حتى يدفع المواطن اجورها ؟
رغم التغيير الذي حصل في العراق في 2003 واسقاط النظام الدكتاتوري ومجلس قيادته , الا اننا في عام 2021 وبعد سبعة عشر عاما ما زلنا نعمل بقرارات ( مجلس قيادة الثورة المنحل ) حيث اشارت المادة 18 / اولا / ب / الى اعتماد القرار رقم 36 لسنة 1997 ألصادر عن المجلس المذكور والذي فرض ضريبة المبيعات البالغة نسبتها ( 10%) على اقيام جميع الخدمات التي تقدمها فنادق ومطاعم الدرجتين الممتازة والأولى . وكأنه ليس لدينا مجلس نواب يكلف خزينة الدولة مبالغ خيالية مهمته تشريع القوانين ولكنه لا يشرعها لأنها ليست من اولوياته اضافة الى الغيابات المستمرة لنصف عدد النواب عن جلسات الاجتماع ولكل الاجتماعات دون مساءلة لذلك فإنه يعتمد على قوانين النظام المقبور المعادي للشعب .
حسنا فعلت الموازنة بإخضاع اجمالي الدخل الشهري لرؤساء الرئاسات ( الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى ونوابهم لضريبة الدخل بنسبة مقطوعة قدرها 40% وبدون اية سماحات . ولكن ماذا عن مخصصات الضيافة والمخصصات الاخرى وماذا عن الحمايات التي ليس لها اي معنى وينبغي الغاؤها وماذا عن السيارات المخصصة لهم ذات المواصفات الخاصة وبكلفة عالية في الوقت الذي نجد فيق كثير من كبار المسؤولين في اوربا وغيرها يستخدمون الدراجات الهوائية في التنقل او استخدام سياراتهم الخاصة ويختلطون بالشعب دون اي حماية ولا يكلفون خزينة الدولة اي نفقات ولكننا في العراق نصنع الطغاة . كما اخضعت الموازنة اجمالي الدخل الشهري للوزراء والنواب ومن بدرجتهم ومن يتقاضى راتبهم لضريبة دخل بنسبة 30% وبدون ايه سماحات . ولكن هل سيتم فعلا تطبيق هذه الضريبة على الرئاسات والوزراء والنواب . وهل ستسمح القوى المتنفذة تمرير هذه الفقرة ام ستعمل على الغاءها ؟ سننتظر ونرى ذلك بعد الاعلان عن اقرار مجلس النواب للموازنة . كما اعفت الموازنة من كان دخله الهري 500 ألف دينار او اقل من الضريبة . وكان يفترض اعفاء من كان دخله اكثر من 500 ألف دينار من الضريبة ايضا حيث ان هذا الدخل لا يمكن ان يغطي حاجات الاسرة المعيشية في ظل ارتفاع الاسعار وارتفاع ايجارات السكن واسعر الاشتراك بالمولدات الاهلية وسحب خط للانترنت وارتفاع اسعار الأدوية وغيره الكثير . وبالمقابل يفترض تعزيز مفردات البطاقة التموينية بكامل مفرداتها وتوفير السكن وتخفيض الأسعار ورفع قيمة الدينار العراق. كما اكدت الموازنة على اخضاع اجمالي الدخل الشهري للمتقاعدين المدنيين والعسكريين الى ضريبة دخل شهرية , وهذا مخالف تماما لقانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 النافذ حاليا حيث ورد في المادة ( 7) من القانون فقرة ( 6) : (( تعفى من الضريبة المدخولات الآتية : 6- مدخولات المتقاعدين او عيالهم الخلف الناجمة من المصادر الآتية : أ- الراتب التقاعدي . ب- المكافأة التقاعدية . ج – مكافأة نهاية الخدمة .د- رواتب الاجازات الاعتيادية.
ان فرض الضريبة غير القانونية على المتقاعدين الذين يتميز راتبهم بالمنخفض ( عدا متقاعدو الرئاسات) قد شكل صدمة لهم لكون الضريبة جاءت بعد تغيير سعر صرف الدولار الى 1470 دينار وما نجم عن ذلك من ارتفاع الأسعار وانخفاض في القدرات الشرائية للمواطنين على الرغم من استثناء قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المتقاعدين من الضريبة . اضافة الى ذلك فان الضريبة تفرض على دخل الفرد في حين ان الرواتب التقاعدية ليست مدخولات وانما هي مدخرات تقطع شهريا من راتب الموظف بنسبة معينة طيلة خدمته الوظيفية لغاية التقاعد وبعد تقاعد الموظف يتم استرجاع مدخراته من صندوق التقاعد الذي تم تحديد آلياته بقانون التقاعد رقم 9 لسنة 2014 . ولم تأخذ الضريبة على المتقاعدين بنظر الاعتبار الأثر المادي للاستقطاع على المتقاعدين حيث ان اغلب المتقاعدين لهم التزامات اخرى في السلف وقروض البناء والنفقة والدين العام والخاص وغيرها من الالتزامات وبعض المتقاعدين من كبار السن مصابين بالعجز الكلي وبالأمراض المزمنة مما يشكل الاستقطاع انتهاكا لحقوق الانسان . فهل سيكون المتقاعدون مصدرا لتمويل موازنة العراق لعام 2021 ؟ والمطلوب الغاء الضريبة على رواتب الموظفين والمتقاعدين وتفعيلها على اجمالي المدخولات الشهرية للرئاسات الثلاث والنواب والوزراء ومكافحة الفساد المتفشي للسيطرة على المال العام لتمويل الموازنة وتقليص نسبة العجز فيها .
وفيما يتعلق بالمادة ( 52 ) من مسودة الموازنة الاتحادية لعام 2021 فقد اشارت الى تأسيس صندوق لإعمار محافظة ذي قار يخصص له مبلغ قدره ( 300 ) مليار دينار . ليس هناك اعتراض على اعمار محافظة ذي قار ولكن ماذا عن المحافظات الاخرى وخاصة المحافظات الوسطى والجنوبية الا تحتاج الى اعمار ؟! يفترض ان تكون هناك عدالة في التنمية المكانية لجميع محافظات العراق . فالبصرة على سبيل المثال على الرغم من انها تمول خزينة الدولة بالعائدات النفطية الا انه لا يوجد فيها ماء صالح للشرب من زمن النظام المقبور ولحد الآن .
والمضحك المبكي ان الموازنة اقترحت تخفيض نفقات الضيافة الى 20% بينما تضمنت تخفيض المخصصات الجامعية الى 60% في دعوة منها لتشجيع اساتذة الجامعات على الهجرة وترك بلدهم الى بلدان سرعان ما تتلقفهم ووضعهم في الأماكن المناسبة لهم دون ان تتعب عليهم . فهل هذا ما تريده القوى المتنفذة افراغ العراق من الكفاءات ؟!!!
تعادل الموازنة العراقية موازنات 7 دول لكنها لم تتضمن فقرات هامة لمعالجة موضوع الاستثمارات لتقليل البطالة المتفشية وتوفير فرص العمل للمساعدة في النهوض بالواقع الاقتصادي – الاجتماعي للعراق . والأمر المستغرب في الموازنة انها خصصت اموالا كبيرة لجهات لديها ايرادات مالية مستقلة مثل امانة بغداد التي تطالب بزيادة تخصيصاتها من الموازنة بنسبة 20%.
العراق يهدر مليارات الدولارات بحرقه الغاز الطبيعي واستيراد البديل من ايران بمبالغ كبيرة حيث انه يحرق ويهدر نحو 18 مليار متر مكعب من الغاز سنويا . وينفق العراق نحو 63 ترليون دينار سنويا على استيراد السلع من الخارج مع اهماله للصناعة والزراعة والتعدين والسياحة وغيرها من القطاعات . كما يلاحظ ان موازنة 2021 قد خصصت اكثر من 700 مليار دينار الى محافظة النجف بينما تم تخصيص 124 مليار دينار فقط الى محافظة نينوى المدمرة بفعل داعش وبجانبيها الأيمن والأيسر , فماذا يعني ذلك ؟! كما اعطيت محافظة البصرة ( سلة غذاء العراق ) اقل من اي محافظة اخرى . كما يلاحظ على الموازنة زيادة التخصيصات للوزارات والهيئات بمليارات الدنانير وبعض الوزارات والهيئات لا يستحق الزيادة مما ادى الى استنزاف الموازنة وزيادة العجز المالي فيها في الوقت الذي يعاني فيه العراق من ضائقة مالية خانقة بسبب انخفاض اسعار النفط وسوء الادارة والتخطيط وغياب الرؤى الاستراتيجية يقوم بزيادة تخصيصات الوزارات والهيئات بدلا من ترشيد الانفاق . فعلى سبيل المثال زاد ت تخصيصات المفوضية العلية لحقوق الانسان بمقدر 7 مليار دينار لتصبح موازنتها 28,4 مليار دينار , فما الذي تفعله المفوضية والانتهاكات لحقوق الانسان مستمرة في جميع انحاء العراق دون توقف ودون ان تفعل المفوضية شيئا . اما مجلس الخدمة العامة الاتحادي فأصبحت موازنته 8 مليار دينار . فما الذي يفعله مجلس الخدمة المختص بالتعيينات وهو لا يقوم بالتعيينات وانما تجري التعيينات بالمحسوبية والمنسوبية وتدخل الأحزاب المتنفذة . فهذه زيادة بالإنفاق دون مبرر خاصة وان التعيينات متوقفة بموجب هذه الموازنة . كما تم زيادة تخصيصات الأوقاف السنية والشيعية والديانات الأخرى ليصبح مجموع موازنتها جميعا اكثر من مليار و147 مليون دينار . فهناك زيادة في تخصيصات كل الوزارات والهيئات في الوقت الذي يعاني فيع العراق من ازمة مالية خانقة ويفترض ان يكون هناك ترشيد في النفقات ولكنها في موازنة 2021 قد ازدادت , فهي اذن ليست موازنة تقشفية بالنسبة للرئاسات والوزارات والنواب ولكنها تقشفية بالنسبة للموظفين والمتقاعدين وشرائح المجتمع الاخرى . وستعمل القوى المتنفذة على تفصيل الموازنة على مقاساتها والغاء كل الفقرات التي لا تنتفع منها وسنرى ذلك عند اقرار مجلس النواب الموازنة بصيغتها النهائية .