الديمقراطية في قبضة وَرَثَة الاستبداد في تونس!

عزالدين بوغانمي
2021 / 1 / 17

لما وصلت إلى فرنسا منذ سنوات، اشتغلت في منظمة فرنسية تعنى بإدماج اللاجئين . وهنالك احتككت بعدد كبير جدا من اللاجئين القادمين من دارفور والشيشان وكوسوفو … وغيرهم من ضحايا الحروب الأهلية؛ ورأيت المأساة وسمعت قصصا و ويلات الدمار. وفهمت أن المجتمعات يمكن أن تنهار بسبب طلقة نار. وأن انفجار في سوق يحتاج إلى مجنون يضغط على زر، ولكن تدمير سوق في حي من الأحياء هو تدمير لشبكة من العلاقات الإنسانية والعائلية والنفسية والتجارية والمعمارية. وقد يتسبب ذلك المجنون في سلسلة من الجرائم لا حدود لها في الزمان وفي المكان وفي قلوب الناس. وربما لهذا السبب، أحيانا أجد نفسي أفكر بشكل منفرد.
أمس كتبت تدوينة مضادة للشعارات الكاذبة التي لا تفيد إلا في تضليل الناس وتعقيد أوضاعنا المعقدة أكثر مما هي عليه. فلم يلتفت لهذه التدوينة أحد. ولعل هذا يشير إلى قضية جوهرية لطالما أجلت الحديث فيها. وهي أن النخبة التونسية برمتها هي نخبة ضعيفة الإيمان بالديمقراطية، لأنها لم تنشأ، ولم تتعلم النشاط السياسي في مناخ الحرية، وكلها وعلى اختلاف مشاربها، سليلة تجارب ومرجعيات غير ديمقراطية أو معادية للديمقراطية.
منذ آواخر ثمانينات القرن الماضي، تحوّل مطلب الديمقراطية إلى موجة شعبية كونية عارمة ماضية في اتّجاهِها لا تُصدً ولا تُرد. وبعد عشرين عامًا اقتحمت ريح الديمقراطية تونس اقْتِحامًا.
فبالرّغم من أنّ نهاية 2010 كان الزّمن العالمي زمن التحوّل الدّيمقراطي، بجب الاعتراف بأنّ ثقافة الدّيمقراطية في تونس كانت شديدة الضّعف. ولذلك لم تكن لحظة 14 جانفي انتصارًا حقيقيًّا للدّيمقراطية، بل كانت تاريخ سقوط بن علي فقط.
ولهذا السّبب دخلت البلاد في سلسلة من الأزمات على جميع الأصعدة السياسية والأمنية والاجتماعية، أفضت إلى نوع من الخراب الاقتصادي والمعيشي والأخلاقي. بإمكاننا تفكيك الصّورة على نحو يفسّر ما سبق:
في تونس، ومنذ آواخر الستّينات بدأت تظهر بوادر فشل سياسة دولة الاستقلال في تحقيق التنمية واستكمال السيادة الوطنية وتحقيق الديمقراطية. ولعل توصيات مؤتمر الحزب (بنزرت 1964)، وأوّل صدام مع اتحاد الشغل عام 1965، وقبل ذلك بسنة منع الحزب الشيوعي من النشاط، واندلاع الاحتجاجات الفلاحية والعمالية في عدة جهات، وانتهاج سياسة التعاضد ثم التراجع عنها، وانطلاق موجة المحاكمات في صفوف برسبكتيف والقوميين، وتصدّع البيت الدّستوري الذي تُوِّج بالانقسام في مؤتمر (المنستير 1971)، والانقلاب الذي جدّ في مؤتمر اتحاد الطلبة (1972)… كلّ تلك الأحداث المتواترة تدلّ على أزمة النّظام السياسي وفشل خياراته الاقتصادية على وجه الخصوص.
ونتيجة لذلك ولدت في مواجهة الحزب الحاكم في مرحلة أولى معارضتان، هما: اليسار والقوميين. وفِي نهاية السبعينات تحوّل اليسار- بجناحيه الماركسي والعروبي- إلى قوة ضاربة في الجامعات وفِي الثقافة وفِي المحاماة وفِي مجال الحقوق والحريات، وإلى حدّ مؤثّر نسبيا داخل الحركة النقابية. وهذا ما جعل نظام الحكم يسهّل نشأة التيار الإسلامي الذي بدأ يتوسع ويقطف ثمار الدعوة التي بدأت منذ سنوات قليلة تحت إسم الجماعة الإسلامية، وقد مكنها النظام من هامش من النشاط العلني وشبه العلني للحدّ من نفوذ اليسار. وهكذا نشأت حركة الاتّجاه الإسلامي . ومنذ ذلك الوقت تجاورت أربعة عائلات سياسية كبرى لتشكّل المشهد السياسي التونسي إلى يوم الناس هذا.
ومن باب الموضوعية، علينا أن نشير إلى مسألة بالغة الأهمية، وهي أنّ هذه العائلات السياسية الأربعة جميعها تشترك وتتشابه في قضية واحدة فقط. كونها ليست ديمقراطية ولا تؤمن بالنّظام الدّيمقراطي، إنّما أُجْبِرت على رفع شعار “الديمقراطية” تحت ضغط التحوّلات الديمقراطية العالمية، أي بعد أن صارت البشرية لا تقبل حزبًا يعلن صراحة أنه لا يؤمن بالديمقراطية:
الدّساترة: يعتقدون في شرعية الاستقلال وبناء الدولة وإلى حدّ الان مازال أحفادهم يقولون بأنهم أوصياء على تونس. وهذه الذهنية وحدها تمثل قرينة على أنهم ليسوا ديمقراطيين، علاوة على سياسة الانغلاق ومنع الأحزاب وملاحقة المعارضين وسحق الحريات المشهود بها لنظام الحكم منذ الخمسينات.
اليسار: نشأ وتشبّع بفكرة “الدّيمقراطية الثورية” نقيضا ل”خدعة” الديمقراطية البرجوازية. وجوهر “الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين” هي ضرورة خضوع المجتمع لحزب الطبقة العاملة بوصفه حزب الأغلبية وحزب الثورة وحزب الدولة. ولا يمكن السّماح بوجود أحزاب أخرى تسمح للبرجوازية من التنظم من جديد للهجوم على الثورة.
القوميون: نفس الشيء، بجناحيهما الناصري والبعثي، لا علاقة لهم بالديمقراطية. فالتجربة البعثية سواء في العراق أو في سوريا، لا تحتاج نقاشا في علاقة بالديمقراطية؛ فالكل يعلم أن تجربتي حكم البعث كانت طغيانية ومأساة حقيقية. نقول هذا بقطع النظر على أن الآن هنالك مراجعات جادة وإعادة نظر وتقييم في كل التجارب بلا أستثناء البعثية والناصرية واليسارية الشيوعية.
الناصريون: من المعلوم أن مجلس قيادة الثورة أربعة أشهر بعد ثورة يوليو 1952 وبدعوى عدم جدوي وجود الأحزاب، وكونها غير قادرة علي تحقيق التغيير الذي يحتاجه الشعب أصدر قانونًا بحلها. وبذلك تم إلغاء كافه الأحزاب واستبدالها بالاتحاد الاشتراكي. وحول هذا القرار سيتشكل مفهوم “اتحاد قوى الشعب العامل” لتبرير سياسه التنظيم الواحد التي دمرت الحياه السياسيه وصادرت اراء الاخرين و افرغت المجتمع من الأصوات الحرة.
الإسلاميون: عندهم مشكلة ايديولوجية عويصة وكارثية في مناهضة الديمقراطية لأنّهم يعتبرونها فكرة
غربية ملحدة نشأت في أروبا المسيحية، ولا يجوز اعتناقها لأن الإسلام نظام حياة متكامل، وفي باب الحكم للمسلمين نظام الشورى ولا يحتاجون إلى “الكُفّار” لكي يبنوا نظام حياتهم !
رغم هذه الأصول المناهضة للديمقراطية نرى اليوم في تونس الشعار الأكثر ترددا والمتنافس على ادعاء الإيمان بمحتواه هو شعار الديمقراطية. وهذا لا يعود في حقيقة الأمر إلى مراجعات فكرية عميقة دفعت إليها قناعات جديدة، بل دفع باتجاهها الضغط العالمي الشديد، وكذلك الضغط الشعبي الداخلي. ذلك أن الاستقصاءات السياسية تبين أن نسبة المؤيدين للديمقراطية والمؤمنين بنظامها هي الأعلى على الإطلاق في العالم العربي، فما بالك في تونس.
ولا شك أن الأحزاب التونسية اليوم، سواء تلك التي ولدت من بقايا حزب الدستور، أو الأحزاب القومية أو اليسارية وحتى حركة النهضة، جميعها، أدركت في ضوء التجربة التاريخية العامة، وأمام الفشل المتكرر الذي واجهته هي نفسها، وتحت الضغوط الداخلية والخارجية، أدركت أن الديمقراطية يمكن أن تكون مخرجا يقيها العزلة ويجنبها المأزق العميق الذي تعيش فيه، ويجعلها تخفف من الاحباط الذي يعاني منه أنصارها. ولذلك فهي مستمرة في الميل بقناعات متفاوتة الدرجة إلى تبني الصيغة الديمقراطية. ونحن نلاحظ منذ 2011 كيف أن هذه الأحزاب تنقسم وتتشكل من جديد، و تارة تحاول المساومة على بعض “قيمها” القديمة الراسخة، وتارة أخرى تستميت في التشبث بها لأنها تواجه صعوبة في التكيف مع مقتضيات النظام الديمقراطي. لكنها عموما وفي نهاية المطاف نراها تقبل بالدخول في منطق التعددية والقبول بقواعدها.
وبهذا المعنى، ليس من السهل أن يتمكن الإسلاميون واليسار والقوميون والدساترة، مع كل أثقال التجربة وأوزارها وعقباتها الفكرية، من الدخول إلى الديمقراطية من باب الإيمان الكامل والاقتناع التام بضرورة القبول بقواعدها. ولهذا السبب بالذات، ينبغي على المثقفين في تونس من كل المشارب، أن يستفيدوا من هذا الميل العام الناجم عن انهيار الفكرة الديكتاتورية، ليلعبوا دورهم المركزي في ترسيخ أسس الديمقراطية وليدفعوا الأطراف المترددة إلى الانخراط الجدي والنهائي فيها. وأن يشرحوا للنخبة السياسية أنه ليس هناك ما يمنع من اعتناق الديمقراطية لا فكريا ولا دينيا ولا سياسيا.
على اليسار والقوميين أن يدركوا أن الديمقراطية ليست محصورة بالسياسات الليبرالية ورهينة لها. وأن يقتنعوا بشكل نهائي بالفارق بين الديمقراطية والليبرالية، أي بين الديمقراطية كنظام سياسي يضمن التعايش والسلم الأهلي، ويحمي إطار الصراع من أجل الإقناع بمشروعهم المجتمعي، وبين البرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن لكل تيار فكري واجتماعي أن يصوغها للتعبير عن مصالحه ومواقفه.
وعلى الإسلاميين أن يقتنعوا نهائيا بأن الديمقراطية هي نظام تنافس وتعايش سلمي لا يتعارض مع مقاصد الشرع. وأن التزامهم بالديمقراطية سيمكنهم من الحكم لعقود طويلة لأن خطابهم أكثر تأثيرا في الناس من الخطاب الأشتراكي أو القومي. وأن الشورى قيمة من قيم الإسلام لا يمكنها العيش والاستمرار إلا في ظل الديمقراطية. وأن النبي محمد لو بقي حيا إلى اليوم لكان أول المدافعين عن النظام الديمقراطي.
وعلى الدساترة أن يقتنعوا نهائيا أنهم ليسوا أوصياء على البلد، بل هم شركاء فيه مثلهم مثل بقية مكونات الخارطة السياسية، وأنه من مصلحتهم القصوى أن يدافعوا عن الديمقراطية وعن قوله تعالي في الآية 59 من سورة المائدة:… عفا الله عما سلف ..”
وهكذا، فالديمقراطية أمر جديد في بلادنا، ولا يجب أن يستحوذ عليها فريق واحد ويحرم الآخرين من حقهم في الانتماء المتساوي لها، وبرغم كونية الديمقراطية وكونية قيمها الإنسانية. وبرغم كونها مشتركا وطنيا من حيث هي نظام سياسي ينظم التنافس السلمي وبواسطته نتمكن من خدمة الناس وتسهيل حياتهم، فلا بأس أن تكون هناك ديمقراطية اجتماعية يركز برنامج القائلين بها بشكل أكبر على قضايا العدالة الاجتماعية ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة.
وديمقراطية ليبرالية يتطابق برنامجها مع برنامج النيوليبرالية العالمية التي تعطي الأولوية لمنطق دفع الاستثمار على أساس اقتصاد السوق وتوسيع دائرة التبادل في إطار السوق العالمية.
ولم لا، ديمقراطية إسلامية، قريبة في مفهومها من الديمقراطية المسيحية التي عرفتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية والتي تتميز بحساسية خاصة تجاه القيم المسيحية والمعايير الدينية، لكن في إطار احترام قواعد العمل الديمقراطي.
من واجب المثقفين أن يبينوا الفارق بين الديمقراطية والليبرالية. ومن حق المجتمع التونسي أن تتحول الديمقراطية في أذهان السياسيين إلى فكرة جامعة تنفتح على جميع أولئك الذين يرفضون الدكتاتورية والإرهاب ويقبلون بالتعددية والتداول على الحكم على قاعدة الاحتكام لصناديق الاقتراع.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية