الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (3)

مالك ابوعليا
2021 / 1 / 16

كاتب الموضوع: الشيوعي الهنغاري يانوس بيريتش

الفصل الرابع: المرحلة الثانية من عملية FOCUS

أ- افلاس دوغمائية قيادة الحزب
بحلول نهاية عام 1955، تراكمت التناقضات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهنغاريا. وقد انحدرت النية المُعلنة لخوض صراع مبدئي ضد التحريفية الى اتخاذ تدابير ادارية، ومُعاقبة الرفاق، وتوقيف عدد من الضحايا، وزيادة حصص التسليم الاجباري زيادةً كبيرة، وتحصيل الضرائب مرتين في السنة، وهلم جرا.
صاغت مجموعة من الكُتّاب مذكّرة تم توزيعها في اطارٍ ضيق في خريف عام 1955. وقد أثارت اعتراضات على "الاستخدام الضار للقوة والتدخل الادراي غير المُبرر والعودة الى أساليب الأوامرية" والتي وُصِفً بأنها تسود مرةً أُخرى في المُجتمع وخاصةً في المجال الثقافي. استشهد مؤلفوا المذكرة بأمثلة بارزة، مثل مصادرة الأوراق، واستبدال المسؤولين الثقافيين، وحظر بعض المسرحيات، وما الى ذلك. قامت قيادة الحزب، بدل دراسة هذه الانتقادات، بقمع الكُتّاب المعنيين. تم تبني اجراءات ادارية أدت على الفور الى اصطناع هالة من المجد حول الكُتّاب الذين كانت لديهم الشجاعة لاظهار "المقاومة"، على الرغم من أن الغالبية العُظمى منهم كانت نصيرةً جداً للنظام الاشتراكي في وقتٍ سابق. كانت هذه هي الطريقة التي تم بها رفع المُذكرة التي كادت أن تكون معروفة، الى مصاف "ثورة الكُتّاب" العظيمة.
ان اعادة التقييم السريع والمُتكرر للسياسات التي انتهجها حزب الشعب العامل الهنغاري، والكشف عن الأخطاء وارتكاب أخطاء جديدة، قوّض الثقة بالحزب وأثار شعوراً بين الشرفاء من الناس بأنه لا سبيل للخروج من المأزق السياسي. في ظل هذه الظروف، كان للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي الذي انعقد في الفترة من 14-25 شباط تأثيراً عميقاً على الرأي العام الهنغاري. أصبح الاهتمام بالسياسة عاماً جداً، فقد قرأ الناس وناقشوا وثائق المؤتمر. في الاستطلاع الأول للمزاج العام تم الابلاغ عن أنه "بعد المؤتمر العشرين، تنفس الناس الصعداء"(31).
قرأ العمال المجريون النقد الصريح لعبادة الشخصية والملاحظات ذات الصلة على المبادئ اللينينية بارتياح. استمد الشيوعيون الهاماً جديداً من استعادة المعايير اللينينية للحياة الحزبية. قدّم العمال، في المصانع، تعهداتٍ بانتاج المزيد على شرف المؤتمر.
ولكن، في بعض الأماكن، تم توجيه الانتقادات أيضاً، حيث أدت تصريحات المؤتمر الى حالة من عدم اليقين والخوف وقلة الفهم من جانب بعض أعضاء الحزب. ظهر في الحال سوء التفسير والتبرير الذاتي، وظهر جو من الغيبة. لقد حان الوقت، آنذاك، على الشيوعيين الهنغاريين، لاتخاذ موقف صريح وموحّد.
كان الموقف الذي ستتخذه قيادة الحزب بشأن بعض القضايا المتعلقة بوضع هنغاريا وتطورها في أعقاب المرتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي "مسألة توقع عام. في الاجتماعات التي حضرها عدد كبير من الناس، كانت هناك مُطالبات عامة بأن "يتم التشاور بين أوساط القيادة حول المسائل اليومية المتعلقة بالبلد"(32). تم ارسال رسائل تحتوي على مقترحات الى المؤسسات المركزية. طالب كُتّاب الرسائل بتطبيق روح المؤتمر في هنغاريا. كانت هناك رغبة عند الناس في أن تُناقش الصحافة الهنغارية الدروس المُستفادة من المؤتمر. تم ارسال مقالات وتعليقات ورسائل الى مكاتب تحرير الصحف اليومية والدوريات بروح الأفكار التي تم التعبير عنها في المؤتمر العشرين. أكدت صحيفة الحزب المركزية والمجلة النظرية الدورية على الأهمية الهائلة للمؤتمر وصارت المهمة الرئيسية هي تطبيق الدروس المُستافدة منه. على هذا الأساس، انتعشت الحياة الحزبية واشتد نشاط الأعضاء.
ان حقيقة ارسال أكثر من 30 ألف تعليق وملاحظة مكتوبة في الفترة من أيار الى يوليو عام 1956 تحتوي على مقترحات لتعديل مسودة الخطة الخمسية الثانية هي دليل على الطبيعة الايجابية للنشاط الاجتماعي المتزايد. كما حدثت زيادة هائلة في عدد الرسائل المُرسلة الى الأجهزة المركزية للحزب. تلقت الصحيفة المركزية للحزب ما معدله 3533 رسالة شهرياً في عام 1955. وزاد على هذا الرقم 4426 رسالة بين كانون الثاني وأيار عام 1956، و6448 بين حُزيران وأيلول. في الأشهر الأولى من عام 1956 أعرب 15-20% من الرسائل عن انتقادات حادة للقيادة، وأدانت البيروقراطية والعقبات أما زيادة الانتاج. وكانت النسبة 28-30% لشهر تموز و38-40% لأيلول وتشرين الأول. قدّم كُتّاب الرسائل مقترحات مفيدة وطالبوا "القيادة المركزية بالتحدث الى العمال بطريقة تليق بالكبار".
في أوائل عام 1956، أُتيحت فرصة أُخرى لتصحيح السياسة الخاطئة ولاعطاء دفعة جديدة لبناء الاشتراكية تحت قيادة الحزب. ولكن، بدلاً من التوجه الايجابي، تطورت الأحداث بحيث اندلعت في 23 تشرين الأول عام 1956 انتفاضة مسلحة تهدف الى اسقاط النشاط الشعبي الديمقراطي. نتج هذا التحوّل المأساوي للوضع عن مجموعة متنوعة من العوامل، رغم تنوعها الشديد، الا أنها اجتمعت للدفع بالتطورات باتجاهٍ آخر.
في اجتماعها الذي عُقِدَ في 12-13 آذار 1956، نظرت القيادة المركزية في الدروس التي يُمكن أن تستخلصها من القرارات التي اعتمدها مؤتمر الحزب الشيوعي السوفييتي العشرين بالنسبة لهنغاريا. واصلت القيادة، التي يُهيمن عليها راكوشي وغيرو، اللعبة السياسية المُصممة على التستر على الأخطاء وتجنب المسؤولية. على الرغم من الجدل المُحتدم، تمكنت المجموعة بقيادة راكوشي من التمسك بموقفها الذي ينص على أن كل شيء في هنغاريا يسير بحالةٍ جيدة، وأنه تم التخلص من الأخطاء وأن الوضع السياسي مستقر. كان راكوشي حازماً للغاية في التصريح بأنه "خلصنا، في سياق تحليل المؤتمر العشرين، الى أن الخط الرئيسي لحزبنا صحيح من جميع النواحي... حزبنا قويٌ وموحد. اقتصادنا الوطني يقوم على أُسسٍ سليمة"(33).
كل هذا كشف أن قيادة الحزب لم تكن قادرةً على الاستفادة من المساعدة القيّمة التي قدمها المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيي السوفييتي للحركة الشيوعية العالمية. لقد أصبح الوضح حرجاً.
قدّم العمال شكاوى لا حصر لها حول سوء الادراة في الانتاج. لقد لفتوا مراراً وتكراراً الى كيف أدت عدم كفاية الامداد بالمواد الى جعل الانتاج المُنظّم مُستحيلاً، وحالت الفوضى دون العمل المستمر، وأغرقت البيروقراطية المُفرطة الانتاج ببحرٍ من الأوراق والوثائق. كانت هناك شكاوى متزايدة حول الأجور. كانت هناك أوجه قصور في توافر الخبز وشحم الخنزير، وخاصةً في المُقاطعات، وكانت هناك صعوبات كبيرة بشكلٍ عام في توريد السِلَع الاستهلاكية. لم يضع الناس ثقةً كبيرةً في تصريحات الحزب حول القضايا الأُخرى، بسبب الظروف الاقتصادية بالذات.
اتخذت خيبة الأمل أبعاداً وطنية واسعة. كانت الغالبية العُظمى من مسؤولي الحزب ساخطين، مثل عامة الناس، على السطحية "الفاترة" للقيادة المنفصلة عن الواقع، والطريقة الأرستقراطية التي تم بها تجاهل مطالب الناس ورفض تجاربهم باعتبارها غير ذات صلة. تم الاعتراف صراحةً في المواد الاعلامية التي أُعِدّت للهيئات القيادية أن التقرير الذي قدمته قيادة الحزب والقرارات المُعتَمَدة في اجتماع القيادة المركزية قد فشلت في تلبية التوقعات التي نهضت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي. لقد توقعت الجماهير أكثر من هذا...
وطالبت أوساط قيادة الحزب بتجديد القيادة، قائلين "لقد كان هناك ما يكفي من النقد الذاتي، نحن الآن بحاجة الى قادة لديهم فهم أفضل للقضايا المطروحة"(34).
دعا نُشطاء الحزب الى عودة قادة شعبيين مثل يانوش كادار ويولا كالوي Gyula Kállai وارباد سوكوشيتش و وجورجي ماروشان وغيرهم من الرفاق الذين تم استبدالهم في وقتٍ قد سبق.
بحلول ذلك الوقت، أصبح من الواضح تماماً بالنسبة لمجموعةٍ كبيرة من الحزبيين أن راكوشي كان غير قادرٍ على فهم المطالب الجديدة والاعتراف بضرورة التغيير الجذري، وتم توجيه الانتقادات الشديدة له.

ب- مجموعة ايمري ناجي تُنظم نفسها كمعارضة حزبية
أدى العجز السياسي لقادة الحزب ومواقفهم الغامضة وغير الصادقة الى نقاش مرير على نحوٍ متزايد، واستقطاب حاد داخل الحزب. كانت الخلافات الواضحة حول الوضع في هنغاريا وطبيعة الدروس المستفادة من المؤتمر العشرين تظهر في صحافة الحزب والمنظمات الحزبية. في ربيع وصيف عام 1956، بدأت ميول مختلفة داخل الحزب بالاصطفاف حول ايمري ناجي. بدأت الخطوط العريضة للمعارضة الحزبية المُنظمة التي يظهر اسم ايمري ناجي على رايتها تأخذ شكلاً محسوساً.
كان ايمري ناجي يحظى بالاحترام بين الناس العاديين، وخاصةً بين الفلاحين ومجموعات كبيرة من المثقفين. لقد استمد قدراً كبيراً من الشعبية من حقيقة أنه كرئيس للوزراء في عام 1953، كان أول شخصية عامة تحدثت عن الأخطاء التي كشفت عنها القيادة المركزية. أصبح مرتبطاً في ذهن الجمهور باصدار السياسات والتدابير الجديدة. ومن هناك فصاعداً، تظاهر بأنه بطل الشرعية.
ليس بمحض الصدفة ان احتشدت عناصر المعارضة داخل الحزب حول ايمري ناجي. بالاضافة الى شعبيته، فقد جذبتهم، الى حدٍ ما، حقيقة أنه قد تعرّض لانتقاداتٍ عديدة من قِبَل قيادة الحزب بسبب انتهازيته البرجوازية الصغيرة وآرائه اليمينية. أثارت آرائه، في عامي 1984-1949، حول مفهوم الديمقراطية الشعبية وحول القضايا المهمة للسياسة الفلاحية نقاشاتٍ لأول مرة منذ عام 1945، أي عام تحرير هنغاريا من الحكم الفاشي. أعترف، في ذلك الوقت، بأنه اتخذ موقفاً انتهازياً بشأن القضايا المطروحة. أعلن أمام القيادة المركزية لحزب الشعب العامل الهنغاري، عام 1949 أنه "فيما يتعلق بانحرافاتي الانتهازية اليمينية، اريد أن أُعلِن أنني أقبل الاقتراح المُقدّم من المكتب السياسي الى القيادة المركزية" ثم تعهد: "سأتغلب على الأخطاء التي تظهر في موقفي وأنشطتي النظرية"(35).
في غضون بضعة سنوات، في الواقع في آذار عام 1955، تعرضت الآراء التحريفية اليمينية والمواقف الانتهازية التي تسببت في أضرارٍ جسيمة وبسبب طرده من القيادة المركزية واستبداله من رئاسة الوزراء، لانتقاداتٍ شديدة. في رسالته المؤرخة في 4 أيار عام 1955 والموجهة الى القيادة المركزية، مارس النقد الذاتي مرةً أُخرى وتعهد: "سأدعم الحزب بكل سلطاتي وسأكون في طليعة النضال من أجل القضاء على أي مسعىً قد يأتي من أي مكان يُريد استغلال أخطائي اليمينية المُعادية للماركسية لتعطيل الانضباط ووحدة الحزب التنظيمية أو الأهداف التي تتماشى مع مصالح جمهوريتنا الشعبية والبناء الاشتراكي..."(36).
في الواقع، تطورت الجماعة التي يقودها ايمري ناجي في الأشهر التي تلت ذلك، وبدأت تعمل بطريقة منظمة، في البداية في مجال الأدب والفنون. ونتيجةً لذلك، طردت قيادة الحزب المركزية ايمري ناجي من الحزب في شباط عام 1955.
ومع ذلك، في حين تم اتخاذ هذه الاجراءات الادرارية ضده، لم تكن المجموعة بقيادة راكوشي قادرة تماماً على مواجهة آراء ايمري ناجي في صراع ايديولوجي مفتوح ومبدأي. وفي ذات الوقت الذي كررت فيه قيادة الحزب أخطاءها، ظهرت هناك قناعة بأنه بدون ايمري ناجي سيكون من المستحيل ايجاد حل للوضع الحرج، حيث عَمِلَ أنصاره على تقوية ونشر هذا الانطباع.
روّجت مجموعة ايمري ناجي شعاراتٍ استعراضية. لقد تحدثوا عن "اشتراكية أفضل" و"تنقية الديمقراطية"، وفي حقيقة الأمر، لم يكن أتباع هذه المجموعة يريدون أكثر من ذلك. واصلت المجموعة تحريضها لاثارة السَخَط وعدم الرضا. ولأن هذا التحريض كان مقترناً بالتركيز على القضايا ذاتها التي تسبب خيبة الأمل الرئيسية، كان من الصعب التمييز بين التحريض المتلاعب والأهداف الحقيقية للعمل. أدركت المجموعة بوضوح الشعبية الهائلة لأفكار المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وتوقّع الجماهير لاتخاذ تدابير جديدة في هنغاريا. لقد استشهدوا بالمؤتمر وانجازاته باستمرار، مما سعدهم اخفاء آرائهم الحقيقية وطموحاتهم. لقد حاولوا فرض احتكار تطبيق أفكار المؤتمر العشرين. لقد زعموا بأنهم هم الأشخاص الوحيدين الذين لديهم التفسير الصحيح لتلك الأفكار والشعب هو الوحيد القادر على ترجمتها الى الممارسة الهنغارية.
ما جعل ايمري ناجي زعيماً للمعارضة، هو حقيقة أنه استطاع أن يضع برنامج لدعم أنشطة المجموعة التي يرأسها. في نهاية عام 1955 وفي الأشهر الأولى من عام 1956 كتب العديد من الدراسات التي ناقشها مع أتباعه، وتم توزيع النُسَخ النهائية بشكل غير قانوني(37).
قدّمت هذه الدراسات التي أجراها ايمري ناجي المبادئ الأساسية لأنشطة جماعة المعارضة. في حين أكد ولاءه للاشتراكية، فقد قام بتحريف أسسها النظرية.
كان دائماً يُنكر بشكلٍ أو بآخر ضرورة ديكتاتورية البروليتاريا في هنغاريا في كل مرة يُعالج مسألة سلطة الدولة. في عام 1947، اعتبر الديمقراطية الشعبية شكلاً من أشكال السلطة، والتي "على عكس الديمقراطية الغربية، فانها سلطة في أيدي الشعب وليس في أيدي الرأسماليين، وأن تحالف العمال والفلاحين يخدم كأساس لهذه السلطة الديمقراطية"(38). في عام 1949، أكد أن الديمقراطية الشعبية هي نسخة من الرأسمالية (رأسمالية الدولة) في مقابل الرأسمالية "غير المحدودة" واعترف في نقده الذاتي بأنني "نظرت الى الاقتصاد الوطني للديمقراطية الشعبية "كرأسمالية دولة"(39).
في دراسة تم عملها استعداداً لمؤتمر حزب الشعب العامل الهنغاري الثالث في عام 1954، كتب عن نظام الديمقراطية الشعبية: "في هنغاريا، تأتي المهام السلمية للبناء والتنظيم والأنشطة الثقافية في المقدمة. ان الوظائف الرئيسية للدولة الديمقراطية الشعبية تتعارض على المدى الطويل مع وظيفة الدولة القائمة على القوة الثورية". وبهذه الطريقة أنكر ناجي ما هو ضروري للغاية للدفاع عن البناء السلمي ضد الهجمات من قِبَل عدو خارجي.
بتخليه عن موقعه الطبقي، أنكر الدور القيادي للطبقة العاملة. بوضع مصالح الطبقة العاملة مقابل مصالح الأمة، لم يُنكر أنه أعطى الأولوية للمصالح القومية لأن "الطبقة العاملة... لا يجب أن تُخضع المصالح القومية لمصالحها الطبقية". يُشكل الفلاحون، برأيه، الطبقة الأساسية في المجتمع. كان يقصد ذلك بعبارات عامة دون أن يأخذ بالاعتبار التقسيم الطبقي للفلاحين. قال في اجتماع وطني للمزارعين في 8 أيلول عام 1948: "الفلاحون أبديون مثلهم مثل العمل نفسه الذي يضمن وجود الانسان".
ان تحريف ناجي للقوانين العامة الأكثر أهميةً لبناء الاشتراكية ينبع من المبالغة في الجوانب القومية والنهج البرجوازي الصغير. وهكذا، على سبيل المثال، بدلاً من التحويل الاشتراكي للزراعة قدّم برنامجاً آخر: "رفاهية الفلاحين المتوسطين وازدهارهم الاقتصادي وزيادة انتاجيتهم... كلها أمور لا غنىً عنها للقضاء السريع على تخلف زراعتنا".
اتخذ ايمري ناجي موقفاً غير ماركسي من الجدال التاريخي الذي دام قرناً حول الديمقراطية البرجوازية وديكتاتورية البروليتاريا. على الرغم من الاشارات المتكررة الى الأفكار اللينينية، فقد كره ناجي دكتاتورية البروليتاريا ومحتواها الطبقي مثل أي برجوازي صغير. ان تركيز ناجي على "المصالح القومية الشاملة" و"المبادئ الأساسية للوجود القومي" فضلاً عن آرائه البرجوازية الصغيرة والقومية الأُخرى، قد جعلها تبدو راديكاليةً ومُقاتلةً بشكلٍ خاص من خلال الانتقادات المتكررة للدوغما "الستالينية".
كان من السهل اكتشاف تحريفيته في ذلك المُجلّد من مذكراته التي تناقش قضايا السياسة الخارجية. بدلاً من وحدة الدول الاشتراكية وتوحيد القوى على أساس الأممية البروليتارية، كان البديل الذي أوصى به ناجي كمبدأ للتعايش السلمي هو الحد من وحدتها وتفكيكها. فقد كتب أن "المبادئ الأساسية الخمسة للتعايش السلمي" لا يُمكن حصرها في النظام الرأسمالي أو الصراع بين النظامين. بل يجب توسيعها لتشمل العلاقات بين الدول الاشتراكية الديمقراطية. لا تنشأ المبادئ الخمسة ولا تنعكس من النزاعات بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، لكنها عوامل في العلاقات المتبادلة بين الدول بشكلٍ مُستقلٍ عن أنظمتها الاجتماعية والسياسية".
صاغ ناجي بكل صراحة برنامجاً للانفصال عن دول المنظومة الاشتراكية الأخرى، وقبل كل شيء عن الاتحاد السوفييتي: "بالنسبة للدول الصغيرة مثل هنغاريا، فان تحديد موقعها بشكلٍ صحيح في مجال العلاقات بين الدول مسألة ذات أهمية حيوية... من المهم أن تتجنب هنغاريا أن تُصبح مُشاركاً نشطاً في صراع الأحلاف".
بالنسبة لايمري ناجي، لم يعد وجود نظامين عالميين متعارضين وكذلك الدور الرئيسي للاشتراكية في تاريخ العالم يعني شيئاً. ساوى ناجي بين النظامين الاجتماعيين كتكتلٍ للقوى ذو طبيعة مماثلة، وكان يُفكّر فقط من مُنطلق أنه يجب علينا أن نكون دولة صغيرة تُعارض كُبريات الدول وصراع الأحلاف. هذه هي الطريقة التي صاغ بها الشروط التي كان يعتقد أنها الأفضل: "يبدو أن السياسة الخارجية المُنسقة والتعاون بين الدول الديمقراطية والاشتراكية أو تلك التي من نفس النظام الاجتماعي، تؤيد المبادئ الخمسة، القائمة على الحياد أو التعايش النشط، هي الطريقة الأكثر مُلاءمة لاعتمادها ضد سياسة الأحلاف وتكتلات القوى. هذا المسار سهل بالنسبة لهنغاريا بسبب موقعها الجغرافي- بجوار النمسا المُحايدة، والدول المُنخرطة في البناء الاشتراكي...".
"ما كان يدور في ذهن لايوش كوشوت Lajos Kossuth (وهو مفكر وقائد للبرجوازية الهنغارية الصاعدة-المترجم) لضمان الوجود المستقل والسيادة والاستقلال الذاتي والحر للهنغاريين لم يكن الانضمام الى قوة كبيرة أو حلف، ولكن التعاون الوثيق مع الشعوب المُجاورة في اطار تحالف على قدم المساواة مع الشعوب الحُرة. هذه هي الأفكار التي يجب أن نعود اليها".
يحتوي هذا البرنامج بوضوح على تدمير وحدة وتحالف دول المنظومة الاشتراكية، ووضع دول الديمقراطية الشعبية الأوروبية في مواجهة مع الاتحاد السوفييتي. ما كان ايمري ناجي يطرحه لهنغاريا هو المغامرة السياسية والمراوحة بين الشرق والغرب، بدلاً من التوحيد الرفاقي للقوى وموقف صادق قائم على المبادئ الاشتراكية والصداقة مع الشعوب المجاورة.
التفت آرائه خلف عَظَمة وقوة وشعبية وارث آراء "أفكار لايوش كوشت"، من أجل أن يُخفي طبيعتها الحقيقية. كان مُقتنعاً انه كان من المُمكن لهنغاريا أن تنفصل عن منظومة الدول الاشتراكية، لانه، على حد تعبيره "هنغاريا هي الحلقة الأضعف في سلسلة مجموعة أُمم الدول الاشتراكية".
كانت آراء ايمري ناجي متطابقة بشكلٍ أساسي مع البرنامج الذي اقترحته ونقلته أجهزة الامبريالية العالمية. لم يفقد هذا البرنامج أي تأثير له على بعض الأوساط السياسية حتى بعد عقدٍ من الزمان. في حين أن عقد المُقارنات قد يكون مُضلل في بعض الأحيان، الا أنه يُمكننا أن نقول بكل ثقة أن القوى القومية التشيكولسوفاكية التحريفية لعام 1968، أو اذا استخدمنا المصطلح القديم الجديد، دُعاة "الاشتراكية الديمقراطية" قد استخدموا أفكار ايمري ناجي كحجج أساسية لهم. أحيا الصحفي والدبلوماسي اوزفالد ماتشاتكا Osvald Machatka ذكرى ايمري ناجي في الصحيفة التشيكوسلوفاكية Literárni Listy في 13 حزيران عام 1968، في مقال بعنوان "ذكرى أُخرى". بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لاعدام ناجي بسبب جرائمه المُعادية للثورة، ظهر مقال بعد جلسة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي في أيار عام 1968 عندما كان الحزب قد بدأ بالفعل حملته ضد التحريفية اليمينية. كُتِبَ هذا المقال في معارضة حملة الحزب، وجادل في راهنية برنامج ايمري ناجي السياسي. كتب ماتشاتكا: "برز ناجي، بانتقاداته للديكتاتورية الشمولية وتفسيره الانساني للاشتراكية، كممثل بارز للمبدأ الديمقراطي والقومي للاشتراكية". أيّد المؤلف فكرة ناجي المتعلقة بالسياسة الخارجية، القائلة بأنه "من أجل ضمان الاستقلال يجب البقاء خارج الأحلاف العسكرية، أن تكون مُحايداً".
كان ايمري ناجي مُقتنعاً "بضرورة وجود التعددية الحزبية السياسية"، ولهذا الغرض "حافظ على علاقاتٍ مع سياسيين اشتراكيين ديمقراطيين"(40). في شهادته في 30 تموز عام 1957، اعترف غيزا لوشونزي Géza Losonczy أحد أتباع ناجي بأنهم تفاوضوا مع مُمثلين يمينيين من حزب أصحاب الحيازات الصغيرة السابق والديمقراطيين الاجتماعيين. في صيف عام 1956 التقى شخصياً مع آنا كيلتي Anna Kéthly المُمثلة البارزة للحزب الاشتراكي الديمقراطي اليميني. في شقة في بوجوني أوت Pozsonyi út في ضواحي بودابست، كان هناك اتفاق على ضرورة استبدال الدور القيادي للشيوعيين بحكومة ائتلافية. وتعهد لوشونزي بأنه "سيتم اشراك غالبية قوى الائتلاف في حكومة مُقبلة مُحتملة بقيادة ايمري ناجي".
كما اعترف في شهادته بأننا "فضلنا الاعتماد على الديمقراطيين الاشتراكيين اليمينيين ضد الستالينية... في محاولة لاخراج أعدائنا المكروهين من قيادة الحزب"(41).
نسّق ايمري ناجي آراءه بانتظام مع أعضاء مجموعته: ناقشوا المقالات التي سيتم كتابتها والخُطَب التي ستُلقى. كان أحد الأحداث التوضيحية لأنشطتهم التنظيمية الموجهة ضد الحزب عشاء عيد ميلاد ايمري ناجي في حزيران عام 1956. حضره العديد من الأشخاص بما في ذلك العناصر التي عُرِفَت بمعارضتها للحزب، وأصبح تجمع العشاء هذا مظاهرةً ضد سياسة الحزب ودعماً لايمري ناجي.
نادي بيتوفي petőfi kór، الذي تم انشاؤه في نهاية عام 1955 من قِبَل لجنة بودابست التابعة لجمعية الشباب العامل كمنتدى للنقاش، لعب دوراً مُهماً في الأنشطة الدعائية للمجموعة التي يرأسها ايمري ناجي. تم توجيه نادي بيتوفي، طوال النصف الأول من عام 1956 تقريباً من قِبَل مجموعة ايمري ناجي وبعض قادتها. ناقشوا في اجتماعات النادي أجزاءاً مُعينة من برامجهم ونشروها.
في المناظرة الصحفية التي عُقِدَت في 27 حزيران عام 1956 والتي أجراها غيزا لوشونزي في نادي بيتوفي، تم الاعلان عن برنامج عمل كامل. كان جوهر النقاط الرئيسية هو أن أصل كل الصعوبات يكمن في النظام الاجتماعي وايديولوجيته. دعا فضيل ناجي علناً الى تشكيل مجموعة داخل الحزب. عبّر تيبور تاردوس Tibor Tardos عن هذه الفكرة: "نحن هم الحزب، مجموعتنا تتزايد باستمرار، نحن الذين نرفع رايتنا عن المُثُل العليا والمبادئ الانسانية الخيرية"(42).

جـ- التحضير للهجوم المُنسّق
أدى تطور الأنشطة التنظيمية المُعادية للحزب وتزايد التوتر السياسي الى جذب انتباه الامبريالية الدولية الى هنغاريا. اعتُبِرً الوضع الداخلي مناسباً لوضع التخريب في هنغاريا على أساس جديد. أعطت الدوائر الحكومية الأمريكية في الولايات المتحدة اشارة الهجوم مرةً أُخرى.
استقبل وزير الخارجية آنذاك جون فوستر دالاس ما يُسمى بالجمعية العامة للأمم الأوروبية الأسيرة التي مثّل اللجنة القومية الهنغارية فيها جورجي باكاش georgy bakách bessenyey. بعد الاجتماع، قرأ رئيس قسم الاعلام في وزارة الخارجية الأمريكية لينكولن وايت Lincoln White بياناً أكد فيه أن هذه هي المرة الأولى التي يستقبل فيها وزير الخارجية رسمياً وفداً من اللجنة. وأكد لأعضائها أن احدى الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية لا يزال يتمثل في "تحرير الأمم الأسيرة".
تم عرض المرحلة الثانية من عملية FOCUS بطريق "تعليمات خاصة" رقم 26 للجنة راديو أوروبا الحرة. يعود القسم الأول من "التعليمات" الى 27 آذار 1956، بينما يعود القسم الثاني الى 7 نيسان. حددت الوثيقة الخطوط الرئيسية للهجوم السياسي.
1- العمل بكل الوسائل المُتاحة ضد "الستالينية" واثارة موضوعات استفزازية جديدة باستمرار ستصب الزيت على النار.
2- نشر فكرة أن "عبادة الشخصية" هي نتاج حتمي للنظام، بجميع الوسائل المُمكنة، ومن أجل هذا الأمر فان المنطق الداخلي لازالته هي تغيير النظام ككل..
3- يجب على جميع أنصار "العالم الحُر" أن يقتنوعوا بأن موقف أمريكا لن يتغير، وأنها سوف تستمر بالوقوف على أُهبة الاستعداد لتقديم المُساعدة من أجل "التحرير".
كانت المُهمة الرئيسية للمرحلة الثانية هي القيام باستعدادات مباشرة للتدخل. ومع ذلك، أجبَرَ الرأي العام العالمي الامبرياليين على الحديث عن "التحرير السلمي" بدون حرب، لكن هذا كان يعني حقاً: التحضير للثورة المضادة.
طرحت احدة الدراسات التي تم اعدادها استعداداً لبدء العمل السؤال التالي: "كيف نتخلص من النظام الحالي بدون حرب؟" تم عرض ثلاثة خيارات في الرد. كتب ر. ت. هولت: "من المُمكن أن يقوم أحد أفراد النظام القائم بانقلاب تيتوي-(من جوزيف تيتو، بوصفه متقارباً مع الغرب-المترجم)-ناجح، أي عن طريق "ثورة القصر". قد يُصبح مثل هذا الاستقلال عن موسكو الخطوة الأولى نحو الديمقراطية... ثم، هناك احتمال نظري آخر بأن النظام الحالي قد يسقط بضربة واحدة بسبب نهضة شعبية مفاجئة. لا شك أن فكرة مثل هذه الثورة لها جاذبية كبيرة بيننا... أخيراً، لا تزال هناك احتمالات أُخرى، على سبيل المثال،ـ مثل انتخابات حُرة تحت رقابة دولية، أو تفكك النظام من خلال الصراع بين الفصائل، أو ربما كنتيجة طبيعية للتفكك التدريجي للسلطة السوفييتية- أو ربما هناك امكانيات أُخرى لا يستطيع أحد توقعها في الوقت الحالي". وقد اعتُبِرَ الوضع التالي أم شيء على الاطلاق: "في مراحله الأخيرة، سيُمثل الوضع الدولي المواتي، بالطبع، الشرط الرئيسي الأساسي الذي لا غِنىً للسماح للشعب بأن يتعامل مع النظام الهنغاري القائم دون تدخل موسكو"(43).
أطلق المُهاجرون الهنغاريون الرجعيون، في أوائل عام 1956 أيضاً، نقاشاً حول مسألة التكتيكات الجديدة. كما أوضحوا أن "الحل بالحرب هو عامل غير مؤكد. يجب وضع هذا العامل في الحُسبان، ولكن يجب حذفه من خُططنا الحقيقية. لقد دخلت أوروبا الشرقية الى حدٍ كبير في صورة الحرب النفسية، وبالتالي هناك مهام جديدة أمامنا". هذا ما كتبه ايمري كوفاش Imre Kovács في عدد كانون الثاني- شباط من مجلة (الأفق) Látóhatár وهي مجلة للمهاجرين. تضمنت المهام الجديدة: أ- الاستفادة من تقلقل القيادة. ب- السيطرة على كل قوى المعارضة. جـ- اعداد القوى الرجعية الداخلية للانتفاضة.
تم اطلاق موجة جديدة من المناطيد متوجهةً الى هنغاريا. في النصف الأول من عام 1956 تم الكشف عن مناطيد في المجال الجوي الهنغاري في 293 مناسبة. تسبب احد المناطيد في كارثة طيران مدني عندما تحطمت طائرة على متنها العديد من الركاب. في ذلك الوقت، قام الصحفي البريطاني جون آدامز بزيارة مركز المناطيد الدعائي في اذاعة اوروبا الحرة بالقرب من مدينة فريونغ البافارية النمساوية. تم اطلاق ما معدله 500 منطاد في الساعة من القاعدة المُجهزة جيداً. قيل له أنه تم ارسال ورقة صغيرة من 32 صفحة من مليوني نسخة كل اسبوعين. تم نثر رسالة دوايت ايزينهاور حول عيد الميلاد لعام 1955 في الدول الديمقراطية الشعبية في حوالي 10 ملايين نسخة.
كتب جون آدامز John Adams في وصفه للأجواء السائدة في قاعدة راديو أوروبا الحُرّة، أنها تُشبه مُعسكراً للسجون بأسوار ضخمة من الأسلاك الشائكة وأبراج مُراقبة وكشافات وحُرّاس يرتدون الزي الرسمي يفحصون الأوراق الثبوتية بعناية بينما كلاب الشرطة تنبح في الخلفية(44).
كتبت صحيفة وول ستريت في سبتمبر عام 1956 أن مطبعة أوروبا الحُرة أطلقت أكثر من 400 ألف منطاد تحتوي على حوالي 300 مليون منشور باتجاه بولندا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا عام 1954. وتم تلخيص تأثير حملة المناطيد من قِبَل أحد أنصار الثورة المُضادة الذين فرّوا الى الغرب: "كانت هذه المناطيد مُهمةً جداً بالنسبة الى حالتنا النفسية. أتذكر أنني كُنت أُفكر في ذلك الوقت: أخيراً هناك شيء ملموس. شيء آخر غير الكلمات. بما أن أمريكا استطاعت أن تصل الينا بقطع الألمنيوم الدعائية تلك، فلماذا لن تستطيع الوصول الينا عن طريق الامدادات المظلية في حالة حدوث ثورة؟ من الواضح أن أمريكا تعتزم مساعدتنا(45).
ساهم الارتباك السياسي داخل هنغاريا في الاهتمام المتزايد بالدعاية العدائية، وسمح غياب المعلموات والفشل في اتخاذ موقف، بمجالٍ واسعٍ للتحريض العدائي. أظهرت دراسة استقصائية أن "الردود على المشاكل والأسئلة كانت تأتي في قطرات وببطئ، وكانت المعلومات، في كثيرٍ من الأحيان تأتي من الصحف ومحطات الاذاعة الأجنبية قبل الصحف والاذاعات المحلية"(46).
لم تتردد اذاعة أوروبا الحُرة في الاستفادة من الفُرَص. حددت الاذاعة الهدف الرئيسي للهجوم السيكولوجي في بثها في 4 آذار: "...يجب أن تجعل مُستمعيها يُدركون أنهم ليسوا وحدهم، وأن العالم الحر يتضامن معهم، ويُعتَبَر تحريرهم هو شرط السلام". في 15 أيار تم اقتراح أن "االتحرير السلمي ممكن بدون حرب"، ولكن من أجل ذلك كان لا بد من الشروع في العمل من الداخل. "كلما ساهم الهنغاريون في تفكيك النظام الشيوعي، كلما صار اليوم الحاسم أقرب اليهم". مع تصاعد التوترات، تم تشجيع "المقاومة" في 5 حُزيران: "...يُمكن أن يصبح الاستياء المتزايد ديناميكياً بسهولة في الوقت الذي تُزعزع فيه التنازلات بُنية النظام في أي وقت... ويمكنه أن ينفجر".
أخذت الأجهزة الدعائية لعملية FOCUS، في صراعها ضد "الستالينية" مكانة المتحدثين باسم ايمري ناجي. أعتُبِرَ أعضاء الحزب السابقون والتحريفيون اليمينيون داخل الحزب هم الأكثر مُلائمةً لزيادة الانشقاق داخل الحزب وشن هجوم عليه من قِبَل الرجعيين الذين تم اختبارهم جيداً والذين تم الكشف عنهم بالفعل وفقدوا مصداقيتهم. في 6 آذار عام 1956، اتخذ البث الهنغاري للبي بي سي BBC كنقطة انطلاق له "حكومة ايمري ناجي والمسار الجديد الذي يستذكره شعب البلاد كـ18 شهراً من الأمل". كان من الواضح أن ناجي كان يُنظَرُ اليه على أنه أفضل حليف ممكن. في 20 آذار، ذكرت اذاعة أوروبا الحُرة "ان مشكلة ايمري ناجي لم يتم حلها بعد في بودابست. عبثاً أطاح به راكوشي علناً، وأن الأحداث التي وقعت تُثبت بشكلٍ متزايد أن ايمري ناجي على حق". في 9 أيار، صرّحت اذاعة أوروبا الحرة: "يواصل راكوشي وفصيله السياسة الستالينية القديمة. هنغاريا... هي الدولة الديمقراطية الشعبية الوحيدة التي تُعطّل تطبيق توجيهات موسكو الجديدة... ايمري ناجي وحده القادر على تنفيذ سياسة تتناسب مع الوضع الجديد".
استقبل الداعمون الخارجيون للثورة المُضادة الذي تم وضعه في "المناظرة الصحفية" في نادي بيتوفي يوم 27 حُزيران، بحفاوة. في اليوم التالي، اي في 28 حُزيران، ارتفعت آمالهم بشكلٍ أكبر في أعقاب الاضطرابات في مدينة بوزنان Poznań البولندية.
تراكم الاستياء بشكل كبير بين عمال بوزنان. خلقت العناصر الرجعية في اجتمعات العُمال أجواء أدت في 28 حُزيران الى مُظاهرات في الشارع. في سياق التظاهر، أدت أعمال المخربين الاستفزازية الذين أضرموا النار في المباني العامة الى اطلاق النار. لم تتمكن قوات الأمن الوطني من استعادة النظام الا بعد اشتباكات عنيفة. تحرّك مجلس الشيوخ الأمريكي المُتحمس لهذه الأخبار على عجل. في 30 حُزيران ذكرت صحيفة نيويورك الأمريكية أن مجلس الشيوخ، قرر، كجزء من برنامج المساعدات الخارجية، تخصيص 25 مليون دولار لتمويل تلك الأنواع من الأنشطة السرية وراء "الستار الحديدي" والتي أدت الى الاضطرابات في بوزنان.
صعّدت الدوائر الامبريالية من الدعاية في محاولة لاثبات أن أحداث بوزنان كانت مُقدمة لانفجارات أُخرى متوقعة في أماكن أُخرى أيضاً. كتبت صحيفة صنداي تايمز في 1 تموز عام 1956 أن أحداث بوزنان هي مُجرّد البداية. اقترحت رينولدر نيوز أن اليأس العام في هنغاريا قد يؤدي الى انفجار تحت تأثير أحداث بوزنان.
علّق فيرينس فايتو Ferenc Fejtő الخبير الهنغاري الأصل في وكالة الأنباء الفرنسية في 1 تموز: "... ينتشر جو من التمرد في صفوف الطلاب والمهنيين في الهاصمة الهنغارية. يبدو أن هذا الجو المضطرب يتبلور حول اسم ايمري ناجي، رئيس الوزراء السابق الذي أُطيح به من السلطة في آذار 1955 بذريعة أنه مذنب بارتكاب (انحرافات يمينية)".
اعتقد المهاجرون الرجعيون أن الوقت قد حان للتفكير في امكانية نقل "مقرهم الرئيسي" الى موقع أقرب الى هنغاريا. زار فيرينس ناجي أحد قادة اللجنة القومية الهنغارية النمسا في منتصف تموز بهدف الانتقال الى فيينا أو سالزبورغ. ومع ذلك، رفضت النمسا اقتراحه على أساس حيادية ذلك البلد.
بعد أسبوع، زار زعيم الحزب الاشتراكي اليميني السابق كارولي بيير Károly Peyer فيينا وفي حديثه الى الصحفيين كشف عن الأخبار "السرية" التي تُفيد بأن اللجنة القومية الهنغارية ستنتقل الى أوروبا بناءاً على تعليمات من حكومة الولايات المتحدة.
لهذا السبب، تمت زيادة الراتب الشهري للقادة من 400 دولار الى 700. سيكون مقرهم في باريس أو مدينة في ألمانيا الغربية. زار بيير، أثناء وجوده في فيينا، الحدود النمساوية-الهنغارية أيضاً. في صيف عام 1956 جاء القس بيلا فارغا Béla Varga وزولتان بايفر zoltan Pfeiffer وهما زعيمان سابقان في الحزب البرجوازي، الى أوروبا. قيّم القسم الهنغاري لاذاعة روما رحلتهم الى أوروبا في 17 تموز: "لقد شَرَعَ الهنغاريون الذين يعيشون في العالم الحر في عملية كبيرة للحصول على مساعدة السياسة الخارجية اللازمة للتحرك النهائي الذي سيؤدي الى سقوط النظام".
في عددها الصادر في حُزيران 1956، صاغت مجلة المُهاجرين الدورية (على درب الجيوش) المُهمة على النحو التالي: "...يجب مُساعدة القوى المُضطهدة التي تتلمس طريقها باخلاص، القوى التي تظهر في النهاية وراء لفتةٍ دعائية مثل ازالة الحواجز التقنية التي تُغلق الحدود بين هنغاريا والنمسا أو ثورة الكُتّاب". كتب غولا بورباندي gyula Borbándi في عدد آذار-نيسان من جريدة (الأفق): "علينا أن نصل الى وضعٍ يسحب فيه الاتحاد السوفييتي قواته من بلدنا ويتقبّل حياد هنغاريا".
كما أصبح العدو الداخلي أكثر شجاعةً. كان هناك المزيد من الانتقادات العلنية لسلطة الشعب تحريضاً ضد "القيادة اليهودية". في نفس الوقت، اتهمت بعض الدوائر الصهيونية في الداخل والخارج قيادات الدول الاشتراكية بمعاداة السامية، مُعددةً الحكومة الهنغارية بينها.
"في منطقة التعدين حول آيكا Ajka شعرنا بأن الشيوعيين خسروا اللعبة"، و"يجب علينا أيضاً أن نفعل شيئاً". "... كانت هناك أيضاً آراء تم الاعراب عنها تُفيد بأنه سيكون من الجيد القيام بعمل مُسلّح هنا أيضاً"(47).
في رسائل الى روما، أبلغ لازلو سيغموند laszlo sigmond زعيم حركة الشباب التي يقودها الكهنة والرهبان السابقون، عن أنشطة مُنظمته.
وصف سيغموند في رسالة يعود تاريخها الى صيف عام 1956 الأمزجة الاصلاحية السائدة وتوصل الى نتيجة مفادها أنه يتوقع أن يتغير النظام. زعيم آخر من نفس الحركة بال روسدي Pál Rosdy كتب الى أخيه الأكبر الذي يعيش في الغرب أن "الحكم الشيوعي سينتهي قريباً...".

د- الوضع قبل الانفجار
كان هناك نمو مطرد في السَخَط بين العمال تحت تأثير السياسة الخاطئة وتزايد نشاط العدو. وكنتيجة لذلك، حدث توقف قصير عن العمل عدة مرات، وغادر العمال أماكن عملهم أو نظموا احتجاجات. وقعت اضرابات في عدة مصانع احتجاجاً على قلة التنظية. في 2 تموز عام 1956 أوقف مشغل محامل المحاور axle bushing التابع لمصنع الأدوات الميكانيكية للأشغال المعدنية والحديدية في سيبيل Csepel Iron and Steel Works توقفاً تحذيرياً. وقد تلقت قيادة الحزب العديد من التحذيرات على مستويات مختلفة من أن "تنفيذ روح المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي كان يتقدم بوتيرة بطيئة للغاية" وأن "الناس كانوا مترددين في اتباع القيادة المركزية". فيما يتعلق بلاضطرابات في بوزنان،ـ تم التعبير عن وجهة نظر مفادها أن "هناك تربة خصبة لاستفزاز من نوع مماثل في هذا البلد أيضاً"(48).
أصدرت القيادة المركزية للحزب في 30 حُزيران قراراً بشأن الهجوم على سياسة الحزب وبشكلٍ أساسي على المناقشات التي أُجرِيَت في نادي بيتوفي. وأشار القرار بشكلٍ مُحقٍ للغاية أن "الأفعال التي اتُخِذت ضد الحزب والديمقراطية الشعبية قد نظمتها مجموعة معينة نشأت حول ايمري ناجي". أشار القرار بشكلٍ صحيح الى أن أعضاء المجموعة "كما لو أنهم يستندون على الشعبية الهائلة للمؤتمر العشرين والأفكار الماركسية، يُغطون بها بشكلٍ ماهرٍ على معاداتهم للحزب والديمقراطية". وأشار القرار الى "التزايد الشديد للعدوانية واثارة الفتن". لكن هذا القرار كان أيضاً وحيد الجانب. لقد رحّبَ "بالمناقشات الخصبة التي تتطور في منظماتنا الحزبية"، وفَشِلً في تحديد الاتجاه الصحيح الذي يُمكن للنقاش أن يتجه نحوه من أجل حل المشاكل الخطيرة. لقد كَشَفَ بشكلٍ صحيح الأنشطة الخطيرة التي قامت بها المُعارضة التحريفية، لكنه فَشِلَ في تحديد مسار تنفيذ روح أفكار المؤتمر العشرين والقضاء على الفصائلية وعواقبها الخطيرة.
في الأول من تموز كتب ايمري ناجي الى القيادة المركزية رافضاً ذلك الجزء من القرار الذي أشار اليه. دافع عن أصدقائه الذين كان يُقاتل معهم "كتفاً بكتف من أجل ازالة التشوهات الايديولوجية والسياسية الستالينية". قال: "كان نضالي، في كلٍ من خطاباتي العامة وكتاباتي، نضالاً من أجل التعبير الحر عن آرائي وفقاً لأفكار ومبادئ لينين. أرفض الخروج عن تلك المبادئ أو التخلي عنها لأنني لن أسمح باستبعادي من الحياة السياسية والاجتماعية". كانت هذه الرسالة اعلان حرب مفتوحة.
أراد راكوشي، في هذا الوضع الخطير، اللجوء مرةً أُخرى الى الاجرائات الادارية. لقد طلب من أتباعه الأكثر موثوقيةً بالنسبة له، تجميع قائمةٍ بالأشخاص المشبوهين. كان في ذهنه التعامل مع هذا الموقف الاشكالي من خلال استعادهم من الحياة العامة. في أوائل تموز، انتشرت شائعات عن اعتقالات وشيكة لما بين 400-500 شخص موجودين في بودابست.
ومع ذلك، لم يكن الحزب يضم دوغمائيون وتحريفيون يمينيون فقط. لم يكن من السهل على اللينينيين في الحزب أن يتصرفوا في هذا الوضع. لقد رفضوا برنامج ايمري ناجي وشكلوا مُعارضةً حقيقيةً لقيادة راكوشي. كانت أفكارهم والمطالب التي طرحوها تعتمد على الوضع الفعلي، وعبّرت عن مطالب الشعب العامل. لقد خاضوا معركتهم من أجل هذه الأفكار بطريقة تتوافق مع قواعد الحزب.
دخلت القيادة المركزية لحزب الشعب العامل الهنغاري الى الجلسة مرة أًخرى من 18 الى 21 تموز عام 1956. تم اعفاء راكوشي من منصب السكرتير الأول وانتُخِبً ايرنو غيرو Ernő Gerő ليحل محله. تم احضار القادة ذوي الشعبية الى القيادة المركزية والمكتب السياسي، مثل ايمري هورفاث Imre Horváth ويانوش كادار وغولا كالاي و وجورجي ماروشان وايمري ميزو Imre Mező وآخرين. في اليوم التالي، ذهب العديد من أعضاء القيادة المركزية الى المصانع لمناقشة التغييرات مع العُمّال. وقدّرَ العُمال هذا التواصل المباشر مع أعضاء القيادة المركزية تقديراً عالياً.
كان البرنامج الذي تبنته القيادة المركزية صحيحاً في الأساس، ووضع الأساس للقيام باجراءات لأداء المهمات الزراعية وتطوير الصناعة التي تهدف الى رفع مستويات المعيشة. وفي الوقت نفسه اقتُرِحَت تدابير ملموسة فورية لتحسين الظروف المعيشية مثل انهاء التسجيل في سندات القورض، وزيادة معاشات التقاعد وخفض الأسعار وتحسين المعروض من السِلَع الاستهلاكية. بالاضافة الى ذلك، حدد القرار برنامجاً يتوخى مزيداً من الديمقراطية في حياة الدولة والحزب لمنع العُمّال مجالاً أوسع لاتخاذ القرارات وتوسيع نطاق سلطة البرلمان والمجالس البلدية ودور أكير للمنظمات الجماهيرية. ودعت القيادة المركزية في قرارها الى تعزيز الشرعية. أدان القرار كل أنواع الانحرافات عن سياسة الحزب، ودعا الى نضالٍ متزامنٍ على جبهتين: "...يجب توخي الحذر من استخدام الجُمَل الفارغة، وعدم الدخول في نقاشٍ حول القوة النسبية لليمين واليسار. في الوضع الحالي، يُشكل كلاهما خطراً جسيماً: في بعض الأحيان يكونان متشابكين لدرجة أنه ليس من السهل تصنيفهما على أنهما يمين أو يسار... يجب صد جميع الهجمات من هذا النوع بارادة واحدة من قِبَل الحزب ككل".
كما أن "قرار القيادة المركزية بشأن بعض قضايا سياستنا المُتعلقة بالمثقفين" جاء أيضاً مُنطلقاً من روح قرارات تموز. وضع هذا القرار العلاقات بين الحزب والمثقفين على أساس مبدأ ادانة الأخطاء الانشقاقية، واضطهاد بعض المثقفين: "عند الحكم على بعض المثقفين يجب على الحزب وأجهزة الدولة مُراعاة العمل الذي قاموا به على مدار الـ11 عاماً الماضية بالاضافة الى أنشطتهم المهنية والسياسية الحالية".
في تقريره، طلب ايرنو غيرو من أعضاء الحزب طوي صفحة الماضي، ودعم القرار بفتح "صفحة جديدة". بدلاً من تحليل أخطاء الماضي، طُلِبَ من الأعضاء التطلع الى الأمام. لكن خلال سياق الأحداث، أصبح المعنى الحقيقي لسياسة "الصفحة الجديدة" واضحاً. انه يُمثّل تصالحاً مع أخطاء الماضي وتخلياً عن التحليل الصادق والشامل للواقع.
تكمن الأهمية الأساسية لقرارات تموز في حقيقة أنه من خلال تبنيها، استعاد الحزب زمام المبادرة. لقد أوضحت القيادة المركزية الطريق الذي يؤدي للخروج من هذا الوضع الخطير، وعلى الرغم من أن عملها لم يكن خالياً من الأخطاء، الا أنه كانت هناك فرصة للنجاح.
كان للخط الذي تم تبنيه في تموز ميزةً كبيرة كونه سياسةً تتمحور حول الصراع على جبهتين. ودعت هذه السياسة، الشيوعيين، الى التماسك وتوحيد القوى المُعبّر عنه في عنوان القرار: مع وحدة الحزب من أجل الديمقراطية الاشتراكية. شدد يانوش كادار، في خطابه أمام تجمعٍ حاشدٍ في سالغوتاريان Salgotarjan في 12 آب على نفس النقطة: "لا يُهمنا الأشخاص، بل الأفكار... لم يعد من مصلحة الحزب والناس مواصلة احياء النقاشات القديمة حول القضايا التي القديمة التي تم طرحها بدلاً من تلك القضايا التي تمت تسويتها. العمل الموحد لتنفيذ سياسة الحزب هو قضية اليوم."(49).
استجابت الجماهير العُمالية بشكلٍ ايجابي لقرارات تموز. في آب شارك مئات آلاف العمال في مسيراتٍ حاشدة للاستماع الى السياسات التي نوقشت في أجزاءٍ مُختلفة من هنغاريا. في 12 آب شكّلَ 8000 شخص حشداً في مدينة غيور، وشارك 18000 في مسرةٍ أُخرى في سالجوتاريان وكان هناك ما بين 3000 و5000 شخص في مناطق أُخرى. في 16 آب، كان هناك اقبال هائل في ديبراتسان Debrecen حيث احتشد 30 ألف شخص، وحَضَرَ 15 ألفاً مسرةً في ديوسغير Diósgyőr، وفي 26 آب حضر 15 ألفاً مسيرةً في ناكيغانيشا Nagykanizsa و20 ألفاً في سيغيد و17 ألفاً في كوبوشفار Kaposvár. لأول مرة منذ عدة أشهر استجاب الجمهور بحماس وهم يستمعون الى قادة الحزب.
فاجأت قرارات تموز ايمري ناجي. مارس النقد الذاتي مرةً أُخرى. اجتمع الرفيقان شاندور نوغرادي Sándor Nógrádi وغولا ايغري Gyula Egri معه بتكليفٍ من قيادة الحزب في 19 تموز 1956. "اعترف بأن ما فعله كان غير صحيح ومحفوف بالمخاطر. في البداية احتج على أنه لم يجمع الناس من حوله بوعي. غير أنه اعترف لاحقاً أنه بسبب الاستياء الشخصي، لم يكن حريصاً بما فيه الكفاية على انتقاء من يجب أنة يتحدث اليهم وما قاله لهم،. كما اعترف أنه اذا استمر في هذا الأمر، فان العناصر من حوله ستستغل موقفه بشكلٍ مُتزايد لمهاجمة الحزب. وفي حين قال أنه يود بشدة أن يعود الى الحزب، الا أنه قال أنه يعلم أن هذا سيكون مُستحيلاً طالما أنه لم ينأى بنفسه عن العناصر التي استخدمها لشن الهجوم على الحزب وان لم يتنصل من "الآراء الخاطئة" التي كان قد عبّر عنها سابقاً، وان فشل في ممارسة النقد الذاتي الصادق لمثل هذا الموقف غير الحزبي. تعهّد بأنه سيُغير موقفه وينقل لكل من تحدث اليه عن موافقته لخط الحزب وأنه سيُنهي علاقته مع العناصر المُعادية للحزب"(50). هذه هي الطريقة التي يقتبس بها مُلخص المحادثة كلمات ايمري ناجي نفسه.
في الواقع، انسحب ايمري ناجي ومجوعته لمدة اسبوعين لاعادة تقييم الموقف. ومع ذلك، عاد ايمري ناجي بسرعة الى حدٍ ما وأظهر موقفاً عنيداً بشكلٍ مُتزايد.
في 14 آب عام 1956 أجرى الرفيقان غولا ايغري وجوزيف كوبول Jozef Köböl
مناقشةً معه نيابةً عن اللجنة المركزية بهدف تسوية مسألة عضويته في الحزب. رفض أن يوجه لنفسه نقداً ذاتياً، وكان عنيداً ومغروراً ويطالب بتوضيح القضايا التي اتهم بشأنها حول "اتباعه نهجاً يمينياً" وأضاف أنه "لا يُريد أن يُنقّب عن الأخطاء القديمة". كان يقول بأنه "يفضل أن يتقاعد من الحياة السياسية كشخص غير حزبي" على أن يُقدّم اي تنازلات. على أي حال، قال "كان من الممكن ترتيب امور اعادة قبوله في الحزب دون الحاجة الى مناقشة قضايا مبدأية لأنها كانت مُجرّد مسألة تنظيمية. يمكن مناقشة المسائل المبدأية في وقتٍ لاحق..." هذا ما تم تسجيله في التقرير حول المناقشة(51).
لسوء الحظ، لم تكن قيادة الحزب صارمةً ومُتسقة فيما يتعلق بهذه المسألة أيضاً، وكان هذا الفصل من الأحداث بمثابة بدايةً لهجوم جديد على الحزب والنظام الاشتراكي. يُعبّر مؤلفوا سيرة ايمري ناجي عن الموقف بطريقتهم الخاصة: "يُمكن وصف الموجة الثالثة بين تموز وتشرين الأول لأسباب وجيهة على أنها مُقدّمة الثورة"(52).

هـ- عشية الثورة المُضادة
تجدد الهجوم في أعمدة الصحافة. تم التعبير عن الكلمة الرئيسية في مقال غيزا لوشونزي
في صحيفة (الشعب المثقف) Művelt Nép في الثاني من أيلول. أكد أن المراجعة الكاملة للسياسة السابقة ومعاقبة المسؤولين هي الشروط المُسبقة للتقدم.
كانت حالة التذبذب وعدم اليقين في القيادة المركزية التي لا يزال أتباع راكوشي فيها يتمتعون بالأغلبية، تُساهم في تسهيل الهجوم الجديد من قِبَل المجموعة التي يقودها ايمري ناجي. استمرت مجموعة راكوشي في القطع التام مع أخضاء الماضي، وأظهرت ضعفاً وتردداً في تنفيذ الجديد، وعملوا، في بعض الحالات، على عرقلة التنفيذ. لم يكن قسم كبير من القيادة، وقبلهم جميعاً ايرنو غيرو قادراً على التخلص من العادات القديمة واسلوب العمل القديم. كان غيرو يفتقر الى الشجاعة وكان خائفاً من عواقب الاجراءات الجديدة.
أثبت ايرنو غيرو أنه غير قادر تماماً على العمل بفعالية كسكرتير أول. وبسبب خوفه من الكشف عن الأخطاء القديمة، لم يتمكن من الزام نفسه بالتنفيذ الكامل لقرارت تموز. كشفت النجاحات الأولى التي أعقبت قرارات تموز عن نقاط ضعفه في العلن. لقد بالغ على الفور في تقدير مدى تحسن الوضع. صحيح أنه قال أن "هناك حاجة الى نشاط استثنائي من جانب صحافتنا وأعضاء القيادة المركزية ولجان الحزب، بالاضافة الى كل الأجهزة القيادية"، لكنه لم يكن قادراً على قيادة هذا النشاط.
وقد تعززت حالة عدم الاتساق والتردد في الحزب من خلال حقيقة أن ايرنو غيرو ذهب في عطلة الى الاتحاد السوفييتي في أوائل أيلول، وتم ارسال يانوش كادار لحضور المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الصيني وعاد كلاهما الى هنغاريا في 7 تشرين الأول.
امتد تردد وعجز القادة الى نشطاء الحزب. بعثت القيادة المركزية الى جميع أوساط وأعضاء الحزب. عندما ناقشت المنظمات الرسالة في اجتماعات العضوية، وُجهَت انتقادات شديدة للمماطلة التي كان يمارسها بعض كبار المسؤولين في "التحول من الأساليب القديمة الى تلك الجديدة". وعبرت اجتماعات أعضاء ورشات العمل عن وجهة نظر مفادها أنه "كان حل المشاكل يسير ببطئٍ شديد نذ صدور قرارات تموز"(53).
وتحت هذه الضغوط، ازداد الشعور بتناقض وعدم اتساق سياسة الحزب، وكان لهذا تأثيراً مؤسفاً بالفعل. بلغ أعضاء حزب العمال الهنغاري ما يقرب من 900000 عضو. لم يكن نسبةً كبيرةً من الأعضاء شيوعيين ولم يكن لديهم أساس ايديولوجي ثابت. ومن خلال ذلك وجدت المفاهيم والأجواء والمواقف البرجوازية الصغيرة طريقها بسهولة الى صفوف الحزب. كانت هذه العناصر في وقتٍ سابقٍ تُربةً خصبةً للنمط الدوغمائي والفصائلي من نمط راكوشي. فقد بعضهم اهتمامه تحت تأثير الهجوم التحريفي والكشف عن الأخطاء، وانقلب قسم آخر ضد أهداف الحزب. كان بامكان القيادة الحزبية الحازمة السيطرة على الموقف وتقديم توجيهات صحية للأحداث. لم يكن لمثل هذه القيادة أي وجود.
امتد التذبذب الى صفوف العمال. ارتفع عدد العمال الصناعيين بين عامي 1949-1956 من 387096 الى 729000. ترافق هذا النمو الكبير، مع ذلك، مع اضعاف قوة الطبقة العاملة مما خلق أرضيةً خصبةً للتذبذب والتقويض التحريفي. حوالي 50% من العاملين في المصانع الكبيرة لم يكونوا عُمالاً قبل عام 1949، حيث دخلوا الصناعة منذ ذلك العام. في غضون ذلك، تم تعيين عشرات الآلاف من أفضل العمال في مناصب مسؤولة في الصناعة والمنظمات الاجتماعية والحياة العامة.أثرت هذه الاتجاهات على قوة ومحتوى الطبقة العاملة. جاء 35% من بين 300 ألف عامل جديد، من الزراعة، و25% من اولئك الذين لم يعملوا في المصانع من قبل، و10% من اولئك المسلوخين عن طبقتهم. 30% فقط أتوا من خلفية عُمالية حقيقية. كانت فترة تحرّك اجتماعي عمالي كبير. قدرت دراسة استقصائية أُجرِيَت عام 1955 أن 27% من العمال فقط قد عملوا في نفس المكان لأكثر من 5 سنوات. كان وضع التنقل في أحواض بناء السفن في غانز Ganz نموذجياً: مُعدل تغير العمال كان الثلث خلال فترة 12 شهراً. كل هذا أعاق ترسّخ مواقف الطبقة العمالة من الجيل الأول. ترك المستوى المنخفض للوعي الطبقي فرصةً لدخول عناصر مُعادية من الطبقات المهزومة (رواد الأعمال الصغارى والكولاك) الذين اضطروا الى العمل في الصناعة. كانوا يرتدون الياقات العُمالية الزرقاء، لكنهم سعوا الى دفع العمال باتجاه مصالحهم الطبقية الخاصة. من نقطة الانطلاق هذه، أطلقت المجموعة التحريفية، والقوى المُعادية التي اختبئت في ظلها، "الموجة الثالثة" من هجومها.
استخدم التحريفيون الاجتماع العام لرابطة الكُتّاب في 17 أيلول للتحضير للهجوم. احتكر أنصار ايمري ناجي المنصة، وحددوا نغمة النقاش وأثروا بشكلٍ حاسمٍ على القرارات. انتقدوا، في خطاباتهم العاطفية أُحادية جانب و"بطئ القيادة" وركزا حصرياً على المشاكل ووصفوا الوضع بأنه مأزق لم يتم فيه احراز أي تقدّم على الاطلاق. وتم عزو عدم احراز تقدّم الى "مقاومة البيروقراطية الدوغمائية". حسب رأيهم، كان هناك صراع واحد يجب خوضه ضد خطر "استعادة الستالينية والراكوشية" و"ممثلي الاستعادة العنيدين" الذين أرادوا استعادة "المبادئ والأساليب الستالينية" الى الحياة العامة. من ناحية، أدانوا الوتيرة البطيئة التي اتخذتها القيادة، ومن ناحية أُخرى انتقدوا التسرّع فيما يتعلق بالاجراءات الجديدة.
لقد أرجعوا جذور كل المشاكل الى "موقف بعض الأشخاص المؤثرين" وفي الحزب وادارة الدولة، هذا الموقف الذي نشأ في زمن عبادة الشخصية. وهذا يعني أن جُزءاً كبيراً من القادة المسؤولين الذين يَشغَلون مناصب رئيسية قد تم تعيينهم من خلال عملية انتقاء غير مُلائمة. وكان مُفتاح الحل بالنسبة لمنصة الكُتّاب هذه هو ايمري ناجي.
تم الاعلان عن "الوحدة القومية" للكُتّاب الهنغاريين كما لو كانت مطلباً عاماً: "... نحن الكُتّاب الهنغاريين، انضممنا في عقدٍ هجومي ودفاعي نتعهد بقول الحقيقة بغض النظر عن الارتباطات الحزبية أو القناعات الفلسفية، بالطريقة التي صاغ بها الكاتب غولا هاي Gyula Hay وهو عضو في الحزب هذا الشكل الخاص من الوحدة: (انه اقتناعي بأن الأساس الحقيقي لهذه الوحدة هو أننا مترابطون في كفاح كُتّابنا من أجل الحقيقة)"(54).
كان للاجتماع العام تأثيراً كبيراً على الرأي العام، لأن خُطَب الكُتّاب اللاهبة استخدمت مفاهيم حظيت بشعبية هائلة: لقد "أقسموا" مراراً وتكراراً باسم المؤتمر العشرين أنهم سيناضلون من أجل "الحرية التامة" وأنهم "سيخدمون التقدم والحقيقة" و"أن يكونوا مُخلصين للشعب" وما الى ذلك. بعد الاجتماع العام صارت (الجريدة الأدبية) و(الشعب المُثقف) و(السلام والحُرية) وتدريجياً (مجلة المرأة) و(الشباب الأحرار) وجميع الصًحًف الأدبية والحزبية الاقليمية تقريباً أدواتٍ بيد أعضاء مجموعة ايمري ناجي. انفصل غالبية الصحفيين تدريجياً عن الواقع. في المراحل الأولى، لم يرغبوا في "التخلف عن ركب" الأفكار الجديدة، وصاروا لاحقاً يميلون الى اعتبار مدى مشاركتهم في انتقاد أخطاء الأمس مقياساً لمواهبهم.
بعد ذلك، تطورت الأمور بحيث تحوّلت الى حملةً واسعةً لعزل وتشويه قيادة الحزب. كان يُصبح أي شخص لديه الشجاعة للاتفاق معهم في أي نقطة هدفاً للنقد اللاذع. كان من المُحتَمَل أن يؤدي الاختلاف مع أي فكرة في هذه الحملة بأي شكلٍ من الأشكال الى اتهام المرء بأنه "ستاليني" ومُدافع عنيد عن الاستعادة. واذا وُصِمَ المرء بأنه كذلك كان يعني أنه سُيعاني من النبذ التام. مهّدَ هذا الارهاب الروحي والايديولوجي، الطريق، للارهاب الجسدي الذي سيتبع ذلك.
جالَ الكُتّاب في البلاد لتنفيذ قرار الاجتماع العام الذي يُفيد بأن "يقوم الكاتب أو مجموعة من الكُتّاب بزيارة 10 الى 15 مصنعاً رئيسياً لشرح أفكار الاجتماع العام للعمال: "... تلا ذلك سلسلة من الاجتماعات والمناقشات. كان الاعداد الايديولوجي والروحي للانتفاضة يجري على قدمٍ وساق".
يُشير تولياتي في دراسته في (الجريدة الأدبية) الى تطابق الآراء والأفعال والتوقيت. "على الفور تبنّت المحطات الاذاعية الغربية التحريض الجاري وبثّه ساعةً تلو ساعة ويوماً بعد يوم". كانت اذاعة أوروبا الحُرّة جزيلةً في مدحها ما يجري. وجاء في تعليق تم بثه في 9 أيلول أن "جمعية الكُتّاب كانت شُجاعةً بما يكفي لاختيار المسار الصحيح في مواجهة قيادة الحزب. كان واضحاً منذ البداية أن الكُتّاب كانوا على حق ضد سياسيي الحزب". قال ميكلوش لازار Miklós Lázár في تعليقه في البث الذي جرى يوم 30 أيلول بأنه "ليست الرياح هي التي تُزيل ألأوراق الذابلة لجمهورية هنغاريا الشعبية بعد الآن، انه اعصارٌ حقيقي".
كان الأعداء الخارجيون لسلطة الشعب في هنغاريا يرون أن السُلطة المتزايدة لايمري ناجي ومجموعته يجب أن تُستَخدَم لاحداث اختراق ما. حسب استراتيجيو عملية FOCUS فانه اذا نجحت مجموعة ايمري ناجي في تأسيس موظئ قدمٍ على أبواب السلطة، فانها ستنجح بالتأكيد في فتح فجوةٍ يُمكن للعدو المحلي اختراقها. بأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، شجعت أجهزة الدعاية الغربية، ايمري ناجي ومجموعته ومن ناصروهم على خوض صراعٍ مُستمر.
ذكر القسم الهنغاري في هيئة الاذاعة البريطانية في لندن BBC في 26 أيلول: "مما لا شك فيه أن الشعب الهنغاري يُعطي قدراً من الثقة لايمري ناجي على أمل أن يكون تعلّم دروس من فشل أنصاف الحلول التي اتخِذَت عامي 1953 و1954... سيفقد ايمري ناجي كل مصداقيته اذا وافق على طلب الحزب واعترف بذنوبه بتواضع". وفي 15 تشرين الأول حذرت نفس الاذاعة من أنه "وفقاً لعض الآراء في بودابست، سيكون من الخطأ أن يقبل ايمري ناجي حقيبةً وزارية. سيكون هذا القرار غير حكيماً لأن الحكومة الحالية تصارع مشكلاتٍ اقتصادية وهذا من شأنه أن يؤثر على شعبية أي شخص له علاقة بهذه الحكومة". على الرغم من أن ايمري ناجي لم يؤسس سياسته على السياسة الغربية، الا أن انشطته والموقف الذي اتخذه تطابق معها، وهذا بدوره عزز من تأثيرها.
في النصف الأول من تشرين الأول، بذلت الصحافة ومحطات الاذاعة الغربية قصارى جهدها لاعداد الرأي العام في البلدان الرأسمالية للهجوم المفتوح الذي توقعوه في هنغاريا. علّقت الصحافة الفرنسية في الأيام الأولى من تشرين الأول: "الوضع في هنغاريا يُثير القلق"، "هناك اتجاه للتصدع يجري في هنغاريا في الوقت الحالي". كتبت صحيفة الاوبزيرفر أن أحداثاً حقيقة كانت تجري في هنغاريا. أوردت البي بي سي في 14 تشرين الأول تعليقاً على صحيفة ديلي ميل أن ما كان يحدث في هنغاريا... يمكن اعتباره نقطة تحوّل.
بتوجيهٍ من (الرابطة الأخوية للمقاتلين الهنغاريين) قام المهاجرين الهنغاريين في ألمانيا الغربية وفرنسا والنمسا باحتفالاتٍ وعروضٍ عسكرية. على سبيل المثال، كانت هناك عروض عسكرية ومسيرات واجتماعات لجمع التبرعات في مدينة ماتسي Mattsee النمساوية في 16 آب، وفي 16 أيلول في مدينة غراس Graz وفي 6 و7 تشرين الأول في فيينا.
تحدّد موقف الولايات المُتحدة من هذه التطورات في اجتماع سرّي لمجلس الأمن القومي في نهاية حُزيران عام 1956، حيث تم النظر في الملامح الجديدة للسياسة الأمريكية تجاه الشرق. في حديثه الى المراسلين الصحفيين في 29 تموز، لخّص وزير الخارجية جون فوستر دالاس جوهر القرارات التي اتُخِذَت في الاجتماع: 1- يجب على العالم الحُرّ أن يتوحد في ممارسته الضغط لتسريع النتيجة النهائية التي يجب أن تكون التفكك الكامل للشيوعية الدولية وربما انتهاء النظام السوفييتي الحالي. 2- تكثيف الضغط على الدول التابعة مما سيؤدي الى تحررها الكامل.
تم انشاء (لجنة جنوب شرق أوروبا) في مجلس الشيوخ في سبتمبر عام 1956. ناقشت اللجنة في اجتماعها في 10 و11 أيلول آفاق "تحرير" هنغاريا واتخذت قرارات بشأن تنسيق الاجراءات. وحضر الاجتماع القس بيلا فارغا رئيس اللجنة القومية الهنغارية، ورئيس الوزراء السابق فيرينس ناجي، وممثلون عن منظمات المُهاجرين العسكريين العاملة في ألمانيا الغربية، وكان من بينهم العقيد ايميل جوشتي Emil Jusztyوالذي كان ضابط عسكري رفيع المستوى في نظام هورثي البائد.
مُنِحَت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو دوراً في تنفيذ عملية FOCUS. لم تتفق هذه الدول على الخُطط والاجراءات العسكرية فحسب، بل ساعدت أيضاً في تنفيذها. كما اتفقت على الدور الذي كان من المُقرر أن تلعبه منظمات المهاجرين. الى جانب الأمريكيين، لعبت الدوائر الرجعية في ألمانيا الغربية الدور الأهم في تنظيم عمليات "التحرير" المُختلفة. لقد أمّنت ألمانيا الغربية مناطق التجمع والمعدات وأماكن اجراء عمليات الحرب السيكولوجية، وقاموا بوضع خبراء رايخ هتلر السابقين وكرههم للاشتراكية تحت التصرف الكامل للجنة أوروبا الحُرّة. نفّذت استخبارات رينهرد غيهلن Reinhard Gehlen الألمانية الغربية أنشطتها في وئامٍ تام مع نظيرتها الأمريكية. لقد نظّمت حوالي 5000 عميل ولعب قسمها الهنغاري دوراً نشطاً في أحداث تشرين الأول.
كان المبدأ الرئيسي لراديو أوروبا الحُرّة في المرحلة الثانية من عملية FOCUS مُعادياً للسوفييت بشدة. كان الاستنتاج الثابت والدائم لأي برنامج تبثه القناة هو أن "هنغاريا ليست دولةً مُستقلة". اذا تمّت مناقشة المسائل المتعلقة بالزراعة، فان جميع المشاكل والاخفاقات هي نتيجة اتباع النموذج السوفييتي. لم تفشَل خُطَب رجال الدين عبر الأثير في التأكيد على "الحاد" الاتحاد السوفييتي. كان العائق الرئيسي أمام رفع مستوى معيشة الشعب الهنغاري هو "أن الحكومة القائمة تُسَلّم كل شيء ذو قيمة الى الاتحاد السوفييتي مجاناً".
تم نشر كل نوع من أنواع الكذب حول الاتحاد السوفييتي. على سبيل المثال، قالت اذاعة أوروبا الحُرّة في 5 آذار: " يتم اخراج ما لا يقل عن 40%من الفحم المُنتَج في مناجم كوملو Komló
الى خارج البلاد الى زاهوني záhony (نقطة العبور الحدودية مع الاتحاد السوفييتي)"ولهذا السبب "سيُترَك مستشفى ارشيبيت Erzsébet بدون تدفئة في أبرد أيام الشتاء". لم ينزعجوا على الاطلاق من حقيقة أن هنغاريا، الفقيرة في مصادر الطاقة، قد اعتمدت بشدة على المساعدات السوفييتية للتغلب على مشاكل الوقود. كان مُستمع الاذاعات الغربية، غير القادر على الوصول الى معلومات دقيقة، يعتقد، بأن اليورانيوم الذي بُدِئَ مُؤخراً بالتنقيب عنه يتم تسليمه للاتحاد السوفييتي بسعرٍ منخفض يبعث على السخرية. وأضافوا الى هذه المعلومات الخاطئة بشكلٍ صارخ الادعاء الساذج بأنه :"يُمكن حل جميع مشاكل الاقتصاد الهنغاري من بيع اليورانيوم الخاص بها".
كان وجود الوحدات العسكرية السوفييتية في هنغاريا احدى العقبات الرئيسية أما خطط الثورة المُضادة. ونتيجةً لذلك، بدأت وسائل الاعلام الخارجية تتحدث عن الحاجة الى احداث وضع لا يستطيع في الاتحاد السوفييتي تقديم المساعدة للقوات الهنغارية في النضال ضد الرجعية المحلية المدعومة من الامبريالية.
اعتباراً من 1 تشرين الأول، احتلت موضوعة انسحاب القوات السوفييتية من الأراضي الهنغارية المرتبة الأولى بين مطالبهم. ذكرت اذاعة أوروبا الحُرّة في 3 تشرين الأول عام 1956: "تُشير التقارير الواردة من العاصمة النمساوية أنه يُمكن الاعتماد على احتمالات انسحاب القوات السوفييتية من هنغاريا ورومانيا". وذهب القسم الهنغاري في البي بي سي الى أبعد من ذلك: "مما لا شك فيه أن مسألة انسحاب القوات السوفييتية من هنغاريا قد خرجت الى السطح مرةً أُخرى. لقد حاون وقت عودة الروس الى ديارهم... ولكن هل سيعني ذلك أن هنغاريا ستتمتع بعد ذلك بقدرٍ أكبر من الحُرية وتسير في طريقها الخاص؟ لا يُمكن أن يكون الحال كذلك الا اذا تم تفكيك آلية الدولة الشيوعية بأكملها في وقتٍ واحد مع انسحاب القوات السوفييتية". تم تقديم برنامج مُفَصّل في 13 تشرين الأول: طالِبوا بانسحاب القوات السوفييتية، واعرضوا الاتفاقيات والحسابات السوفييتية-الهنغارية على الملأ. يجب ان يكون هناك ديمقراطية بدلاً من الدمقرطة والاستقلال بدلاً من الوصاية الأجنبية".
أدى تأثير الضغط الخارجي الى تكثيف التحريض العدائي وانتشار الشائعات وحملات التدليس وصناعة الأخبار الكاذبة لأغراض دعائية. أرسلت العناصر المحلية المُعادية رسائل الى أجهزة الحزب. تمت صياغتها كما لو كانت تُمثّل "صوت الجماهير" وهددت الأعضاء. من بين الرسائل التي تم ارسالها الى صحيفة الحزب (الشعب الحُر) تلك المُتعلقة بانشاء برنامج حركة مُعادي للديمقراطية الشعبية جديرة بالملاحظة تماماً. ذكرت رسالة أُخرى أن "الحزب الاشتراكي الديمقراطي المُستقل قد تأسس"(55). سارعت العناصر المُعادية النشطة بين الطُلّاب الى استغلال الوضع الناشئ عن قرار اعادة دفن ضحايا المُحاكمات الصوَرية في 6 تشرين الأول. وكان الحزب يأمل في أن يكون العمل الصادق المُتَمَثّل في تكريم رفاقٍ أُعدِموا بعد محاكماتٍ غير قانونية عن جرائم كانوا أبرياء منها تماماً أن يُساعد في تخفيف التوتر السياسي. كانت هذه الآمال وهمية. وبدلاً من ذلك، كان التأثير عبارة عن "موكب جنائزي غريب ومُزعج" كما وصفه تولياتي.
توقّع أتباع ايمري ناجي بشكلٍ صحيح أن مراسم اعادة الدفن ستزيد من أزمة اليأس والصدمة. كانت المجموعات النَشِطة في الجامعات حريصةً جداً على اغتنام هذه الفرصة للخروج الى العلن. تم انشاء لجنتين سراً في أوائل عام 1956، وهما اللجنة التنفيذية في جامعة بودابست للاقتصاد، وجمعية الكولخوز في كلية الفنون في بودابست، والتين خططتا وأعدتا مظاهرة طُلّابية لمتابعة اعادة الدفن. سار حوالي 100 طالب من المقبرة لوضع اكليل من الزهور على النُصُب التذكاري العام لموقع اعدام أول رئيس وزراء هنغاري لايوش باتياني Lajos Batthyány في اكتوبر 1849، وطوال المسيرة رددوا شعار: "فلتهلك الستالينية" Stop half-way and we vanish, Stalinism must perish!.
كان الحزب غير مستعداً. ما أُطلِقَ عليه "جنازة رايك" كان بمثابة صدمة عميقة للرأي العام في جميع أنحاء هنغاريا. كتبت لجنة الحزب في ريف هايدو Hajdú الى المكتب السياسي تقول أن الرفيقات والرفاق الحزبيين فوجئوا بالطريقة التي تم بها ترتيب "جنازة الرفيق لاسلو رايك والرفاق الآخرين. تسببت خطابات الجنازة في أزمة عميقة بين أعضاء الحزب والناشطين". لقد تزحزح العمود الفقري للحزب(56).
تصاعد حجم المُعارضة والاضرابات العدائية العلنية بعد 6 تشرين الأول. تأسست "نوادي بيتوفي صغيرة" في المقاطعات وعقدت "اجتمعات للمثقفين" حول مواضيع متنوعة: الهجوم على قيادة الحزب في سولونوك Szolnok، واعادة احياء العدو الطبقي في هايدوبيسيرمين Hajdúböszörmény، وادانة المزارع التعاونية وتهديد قادتها في كوبوشفار. تَرَكّز التحريض في مدارس الطُلّاب العسكرية في بودابست على المُطالبة بأن "يقف الجيش الى جانب الشعب".
من الجدير بالملاحظة أن الشعارات القومية والمعادية للسوفييت والتي برزت بشكلٍ مُتزايد، كان يتم تنسيقها من قِبَل اذاعة أوروبا الحُرّة: "نحن هنغاريون سواءاً كنا داخل الحزب أم خارجه! لقد أدركت الأمة أنه يتعين عليها تركيز قواها الروحية على هدفٍ واحد: تحقيق استقلال هنغاريا. سوف نُكرّس قوانا ومُستقبلنا، وحياتنا اذا لزم الأمر، لتحقيق استقلال هنغاريا". هذه اقتباسات من ارسال اذاعة أوروبا الحُرّة في 13 تشرين الأول.
من المُثير للاهتمام أن نُلاحظ ليس فقط تشابه مُحتوى الخط التحريفي "الداخلي" والتحريض المنبعث من اذاعة أوروبا الحُرّة، ولكن أيضاً تطابق التواريخ. طَرَح شاندور فيكيت Sándor fekete في (الشعب المُثقّف) في 14 تشرين الأول، بشكلٍ علني، نمط المسار الثالث من "الشيوعية الوطنية" لايمري ناجي. كتب "نُريد أن نسير في طريقنا الخاص. نحن نُدرك أننا أُمةً صغيرة تحتاج الى أصدقاء وحُلفاء، ونريد أن نتعلم من الجميع... نريد أن نسلك طريقنا الخاصة"، بمعنى الانفصال عن الخبرة السوفييتية. يُمكن للمرء أن يستبدل كلمة "الجميع" بكلمة "الغرب". لم يكن من قبيل الصدفة أن المُمثل الرسمي لمجموعة ايمري ناجي غولا هاي هو أول من قدّم مُطالبة صريحة بسحب القوات السوفييتية من هنغاريا، في اجتماع للمثقفين في غيرو. كانت المُطالبة التي تمت صياغتها خلال الاجتماع في نادي المُناظرات المحلي في 16 تشرين الأول هو: "يجب على القوات السوفييتية أن تُغادر بلادنا". توافَقَ هذا مع طرح هاي.
فشلت الأجهزة القيادية الحزبية وسلطات الدولة في اتخاذ اجراءات فعالة. كان التذبذب واضحاً في قراراتهم. كانت المواقف التي اتخذتها قيادة الحزب من أي قضية مُهمة تتسم على الدوام بطابع دفاعي وتراجع مُستمر. أشعلت المشاكل الاقتصادية أجواء الاستياء وفاقمت الوضع السياسي العام. أُعلِنَ في نهاية شهر أيلول أنه سيتم ايقاف جميع خدمات حافلات المسافات الطويلة في الوقت الحالي لأسباب تتعلق بنقص الوقود، وسيتم سحب حوالي 600 عربة سكك حديد لمدة ثلاثة أسابيع بسبب نقص الفحم، وسيتم اخراج 1000 مركبة سكك حديد مُزودة بمحركات من الخدمة، وسيكون هناك تخفيضات مؤقتة في امدادات الوقود لمحطات الآليات الزراعية. توقف العمل في عددٍ من مشاريع البناء العامة. ما كان يُشير الى سمات نشاط الادراة الاقتصادية العشوائية أنه في رسالة من رئيس مؤسسة الاحصاءات الى رئيس مكتب التخطيط الوطني في 14 أيلول اعترف فيها بصراحة أنه لم يعد مكتب الاحصاء يعرف النسخة الصالحة من الخُطة بسبب آلاف التعديلات التي جرت عليها.
في ظل هذه الظروف الخطيرة، لم يُقدّم أحد يد العون ما عدا الاتحاد السوفييتي. أعلنت الحكومة السوفييتية عن منح قرض بقيمته 100 مليون روبل للاقتصاد الوطني الهنغاري: 60 مليوناً على شكل مواد خام معظمها وقود، و40 مليوناً في شكل عملة يتم سدادها بين عامي 1960-1965 بفائدة سنوية بنسبة 2%. أثبتت القيادة السياسية عدم قدرتها على استخدام هذه المساعدة لفضح زيف الدعاية المُعادية.
أثارت التحولات المستمرة في المواقف التي تتخذها قيادة الحزب السَخَط بين العمال. في البداية، كانت القيادة مقتنعة بأنه سيكون من المُضر للحزب اعتقال وزير الدفاع السابق ميهيلي فاركاش، المتورط بشدة في الأعمال غير القانونية، ولكن تم اعتقاله بعد اسبوعين.
في رسالة مؤرخة في 10 أيلول، أبلغت القيادة المركزية الأعضاء أنه من الممكن لايمري ناجي أن يستعيد عضويته في حزبه. ومع ذلك، كان شرط هذا هو أن يُمارس النقد الذاتي ويعترف بأخطائه ويُخضع نفسه لقرارات الحزب ويُعلن أنه مستعد للنضال من أجل تنفيذ قرارات حُزيران 1956. لكن وعلى الرغم من 1لك، غيّر المكتب السياسي موقفه وأعاد قبول ايمري ناجي للحزب في 13 تشرين الأول من دون أن يمارس النقد الذاتي. كان العنصر الوحيد الذي ساهم في اعادة القبول هي الرسالة التي أرسلها ايمري ناجي الى القيادة المركزية في تاريخ 4 تشرين الأول، والتي كتب فيها: "أعتبر أنه من الضروري للغاية أنه يجب مُناقشة التُهَم الموجهة الي سابقاً فيما يتعلق بنشاطي السياسي والايديولوجي علناً قبل مناقشتها داخل الحزب، واذا كان التوضيح الايديولوجي يجعل مثل هذه الخطوة ضرورية، فأنا على استعداد للاعتراف بالأخطاء التي ثبت وجودها بالتزامن مع ايضاح التُهَم التي ثبت أنه لا أساس لها من الصحة".
شَهِدَ منتصف تشرين الأول سلسلة من اجتماعات الطلاب مع مجموعة من المطالبات. في 16 تشرين الأول أنشأ طلاب جامعة سيغيد منظمةً مُستقلةً عن منظمة الشباب التابعة للحزب. أرسلوا مندوبين لهم الى مؤسسات التعليم العالي الرئيسية الأُخرى لدعوة طُلابها للانضمام اليهم. أعلنت اجتماعات عدة جامعات في الأيام من 20-23 تشرين الأول أنها نظمت "حلقات خاصة بها" أو أنها انضمت الى حلقات تُبّر عنها. في بودابست على سبيل المثال، أسس طلاب القانون منظمتهم الخاصة، وهي حلقة هاجنوتشي hajnóczy. أسس طلاب الاقتصاد حلقة ستيتشينيي Széchenyi. وشكّل طلاب الفنون حلقة 15 آذار، وظهر تنظيم جديد يُسمى حلقة فاسفاري في العاصمة. أعرب أعضاء الحزب عن استيائهم برؤيتهم الأنشطة التنظيمية للمعارضة تزداد قوةً يوماً بعد يوم، وطالبوا بالدفاع عن سلطة العمال. لقد توقعوا أن تستجيب القيادة. وبدلاً من ذلك، ذهب وفد كبير برئاسة السكرتير الأول للحزب ورئيس الوزراء ومن بينهم يانوش كادار وانتال ابرو Antal Apró وستيفان كوفاش István Kovács الى يوغسلافيا في 14 تشرين الأول. وفي اجتماعات لجان الحزب والمنظمات الفرعية، وُجّهَت انتقادات الى "القادة الذين يمكنهم أن يتخذوا اجراءات لكنهم يسافرون طوال الوقت" وطُرَح السؤال: "من يُدير الشؤون السياسية، الكُتّاب أم القيادة المركزية؟".
تم القاء خُطَب ديماغوجية وتحريفية في الاجتماعات الحزبية، ولكن كان مُعظم المتحدثين قلقين بشأن الدفاع عن سلطة الشعب. في هذه الاجتماعات، تعرضت الصحافة لقدرٍ كبيرٍ من الانتقادات بسبب لهجة وطابع العديد من المقالات، والتي كان يبدو أنها تُمثّل المكان الحُرّ "للتحريض الجامح والفوضى ضد النظام". كان يُنظَر الى الصحافة على أنها لم تعد سلاحاً بيد الطبقة العاملة، وطالب العديد من المتحدثين الحزبيين بارساء النظام في وسائل الاعلام(57).
كانت المشكلة الأكثر خطورةً هي عدم قدرة الأجهزة القيادية للحزب على فهم الواقع. كان الفشل التام في التعرف على ما ينطوي عليه الموقف، والعجز هي السمات الرئيسية لموقف قيادة الحزب. ومع ذلك، كان هناك عدد غير قليل من التحذيرات بشأن ما يُمكن أن يحصل. أشارت سُلطات حماية الدولة المُختصة مرتين الى استعدادات العناصر المُضادة للثورة. كما ورد في التقرير الثاني أنه من المتوقع أن يبدأ العمل العدائي في 22 تشرين الأول. ومع ذلك، وصف السكرتير الأول هذا التقرير بأنه "خيال". عُقِدَت في أشغال سيبيل المعدنية والحديدية جلسة لنشطاء الحزب بعد ظهر يوم 22 تشرين الأول. لفت المتحدثون الانتباه الى خطر الثورة المُضادة المُحتَمَل. أعلن عضو اللجنة السياسية وسكرتير القيادة المركزية كارولي كيش Károly kis وجهة نظر تعكس الرأي السائد في القيادة: "سيتم قمع مثل هذه الثورة المضادة في غضون 30 دقيقة"(58).
أدى مثل هذا التقييم غير الصحيح للوضع الى ايقاف الاجراءات الأمنية التي اتُخِذت في 20 تشرين الأول (نصّت هذه الاجراءات على ارسال ضباط الارتباط الى الفرق، وتعزيز الحراسة، والاشراف على خطة حالة التأهب القصوى للقوات المُسلحة لجيش الشعب الهنغاري). لقد أدرك العدو بوضوح التردد الذي يكتنف القيادة، مما جعلهم يعتقدون أن لحظة الهجوم المواتية قد حانت.

31- PI Archives 276/9-56/1956. Records of the principal experiences gained at the county meetings of party activists. March 30, 1956
32- PI Archives 276/9-32/1956. Records of the experiences gained by party instructors. Party and Mass Communication Department of the Central Leadership of the Hungarian Working People’s Party, March 8, 1956, 1/7-8. 1956/2 issue
33- Szabad Nep (Free People), March 15, 1956
34- PI Archives 276/9-42/1956. Information on the reaction to the March resolution of the Central Leadership and to the report given by Comrade Rakosi on March 17,1956. (The information was obtained from the Vllth, IXth and XHth Districts of Budapest, from the workshops and plants of MAVAG factory, the Automobile Trust, the Hungarian Radio and the Klemeni Gottwald factory.)
35- Nepszabadsag, May 9, 1957
36- Ibid
37- بعد سحق الثورة المضادة، تم تهريب دراسات ايمري ناجي الى الغرب ونُشِرَت تحت عنوان (دفاعاً عن الشعب الهنغاري) A magyar nép védelmében.
38- imre Nagy: Egy évtized. Válogatott beszédek is irasok. I (A Decade. Selected Speeches and Writings, I), Szikra, Budapest 1954, Vol. I, p. 380
39- *°Jobboldali nezetektől az osztályárulásig (From Right-Wing Views to Class Betrayal). [Addition to the Theoretical and Practical Activities of Imre Nagy and His Group, 1947-1956). Manu-script-, 1957
40- Szemle, Brussels, April 1960
41- BM (Ministry of the Interior), V-150-004. Minutes, July 30, 1957
42- PI Archives. E. Gy. C-V-4. Minutes of the press debate of the Petrofi Club.
43- R. T. Holt: op. cit., pp. 225-226
44- Truth, May 4, 1956.
45- J. A. Michener: The Bridge at Andau. Random House, New York 1957, pp. 251-252
46- PI Archives. 276/9-68/1956. The impact of the Twentieth Congress and the March 12-13 meeting of the Central Leadership on engineers and teachers. Records by the Party and Mass Communication Department of the Central Leadership of the Hungarian Working People’s Party, April 2, 1956.
47- PI Archives. 276/9-128/1956. Records for information purposes about some problems observable in the counties. Party and Mass Communication Department of the Central Leadership of the Hungarian Working People’s Party, June, 1956
48- 5IPI Archives. 276/9-161/1956. Records for information purposes about the working people’s opinion on the events in Poznan and in connection with the debate in the Petofi Club. Party and Mass Communication Department, and the Agitation and Propaganda Department of the Central Leadership of the Hungarian Working People’s Party. July 12, 1956.
49- Szabad Nep August 13 1956
50- jobboldali nezetektol az osztalyarulasig (From Right-Wing Views to Class Betrayal) [Addition to the Theoretical and Practical Activities of Im¬ re Nagy and His Group, 1947-1956] Manu-script-, 1957.
51- Ibid
52- M. Molnar and L. Nagy: Ket vilag kozl. Nagy Imre utja (Between Two Worlds. The Path of Imre Nagy), imre Nagy Institute. Brussels 1959, p. 81 and p. 107.
53- PI Archives. 276/9-264/1956
54- 57General Assembly of the Hungarian Writers. Irodalmi Ujsag (Literary Gazette), September 22, 1956
55- Archives. Register of the Letters to the Editor Column of Szabad Nep. Letters 1956/35, 787 and 46,013
56- 59P1 Archives. 276/9-284/1956. Letter by the Executive Committee of the Hajdu County Party Organization to the Political Committee. October 9, 1956.
57- AP rchives. 276/9-288/1956. Records of the meetings of regional,county, district, town and factory party secretaries held on the basis of information given by the Central Leadership on October 18, 1956.
58- Budapest Party Committee Archives. Csepel Iron and Steel Works. Documents Referring to the Counter-Revolution, p. 72

ترجمة
Counter-Revolution in Hungary 1956: Words and Weapons, János Berecz, Second Edition, Akademiai Kiado, Budapest 1986

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية