كَيْفَ نُقَوِّمُ اليَسَار؟

عبد الرحمان النوضة
2021 / 1 / 15

مَا هِي الدِّيـنَـامِـيَة القَادِرَة على تـقْوِيم وَتـثْــوِيـر قِـوَى الـيَسار ؟

هذا النص هو تسجيل للاستجواب الذي أجراه موقع ”حِوَار الرِّيـفْ“ مع رَحْمَان النُوضَة، حول مبادرة سياسية جديدة، سَمَّاهَا البعض بِـ «إِعَادَة تَأْسِيس اليَسَار بِشَكل مُتـعَدِّد»، وَسَمَّاها النوضة بِـ «مُحاولة تـقْوِيم وَتـثْوِير قِوَى اليَسار بِالمغرب».
[وَرَغم أن هذه المُحاولة السياسية السّابقة فَشِلَت في أَوَانِهَا، فَإنّ الأفكار الأساسية التي عَبَّر عنها رَحْمَان النوضة في هذا الاستجواب (في مَيْدَان مُعالجة أمزة قِوَى اليسار) تَبْـقَى سَلِيمَة، ومُـفِيدة، وثورية، وَمَا تَزَال مَطروحة لِلتـنـفِـيذ. وَسَيَجِد القارئ في آخر هذا الاستجواب شَرحًا لِمَا جَرَى، بالإضافة إلى بعض النـقد المُوَجَّه ضِدّ المَناهج الكَامِنَة وراء فشل هذه المُحاولة].
وفيما يَلِي تـعريـف لِلمُسْتَجْوَب (النُوضَة) كما نُشِرَ من طَرف مَوْقِع ”حِوَار الرِّيـفْ“:
عبد الرحمان النوضة، مهندس، وكاتب، وقيادي سابق في منظمة ”إلى الأمام“، أحد رفاق المناضل الراحل ابراهام السرفاتي، معتـقل سياسي سابق، اعتـقل يوم 4 ماي  1974 في سياق موجة الاعتـقالات التي شملت عددا كبيرا من مناضلي اليسار الجديد، واجتاز سنة ونصف في المعتـقل السري المُسمّى «درب مولاي الشريـف»، تـعرّض داخل هذا القبو لتـعذيب شديد خلال شُهور، وتَعَرَّضَ لِلتَّنْكِيل في هذا المُعتقل السِرِّي معتـقلون سياسيون كثيرون. وفي فبراير 1977 حُوكم رحمان النوضة بالسّجن المؤبد، رفقة أربعة مناضلين آخرين، وهم : إبراهام السرفاتي، عبد الله زعزاع، المشتري بالعباس، وعبد الفتاح الفاكهاني. وقد اجتاز وراء القضبان قُرَابَة 18 سنة، تحت قبضة حكم الملك الحسن الثاني، ونشر النوضة عدّة كتب سياسية بالعربية وبالفرنسية، فضلا عن مقالات منشورة في مجموعة من الجرائد بالمغرب. وعلى إثر إعلانهم لمبادرة سياسية رفقة مجموعة من المناضلين اليساريين من تجارب مختلفة، اغتـنمنا هذه الفرصة قصد استيضاحه حول حيثيات هذه المبادرة. فتجاوب عبد الرحمان النوضة مع ”حوار الريـف“ بكل أريحية، ودون أدنى تردد ، وله منّا جزيل الشكر والامتـنان.
°°°°°°°°°°++0++°°°°°°°°°°°

حِوَار الرِّيـفْ : كنتم من المساهمين في مبادرة التأم حولها ثلة من المناضلين المنحدرين من تجربة اليسار الراديكالي، على تـنوعه، وعقدتم خلال يوم الأحد 6 فبراير 2016 الماضي اجتماعا، وتداولتم فيه حول ما أسميتموه بِـ «إعادة تأسيس اليسار بشكل متـعدد» ؟ لو تتـفضّلوا بإعطاء بعض الخطوط العريضة لهذه المبادرة السياسية ؟
رحمان النوضة : أولاً، أنا لستُ مسئولا، ولا ممثّلا، وإنما أتكلّم باسمي الشخصي فقط، وما أطرحه لا يلزم أحدا، ولا يعبّر بالضرورة عن آراء المناضلين الذي أعمل معهم. وأعتذر لهم مسبقًا إن تحدثتُ دون استشارتهم. وَلَوْ توفّر الوقت، لحاولتُ التشاور مع رفاقي في ”الدّينامية“ للوصول إلى إجابة مشتركة. لكن جوابي السّريع هو ما يسمح به ضيـق الوقت.
ثانيا، اِلْتـقَى فعلاً خلال يوم السبت 6 فبراير 2016 بِمدينة الدار البيضاء، مناضلون سياسيون، محسوبون بِشكل عامّ على اليسار. بعضهم مُتحزّب، وبعضهم غير متحزب. ودُعي إلى اللقاء المناضلون الذين وقعوا على «بيان من أجل إعادة تأسيس اليسار المتـعدد». ويمكن أن أبعث إليكم نصّ هذه الوثيـقة لاحقًا، لكي يطّلع عليها قرّاء موقعكم الإلكتروني. ويمكن لمن يرغب في المشاركة في التوقيع على هذه الوثيـقة أن يبعث اسمه إلى العنوان المشار إليه في نهاية هذه الوثيـقة.
ثالثًا، نحن لا زلنا في بداية النـقاش. ولم نـقرّر بعدُ أي شيء. رفاقي يـفضّلون تسمية مبادرتـنا أو حركتـنا بعبارة «سيرورة من أجل إعادة تأسيس يسار متـعدد». والمقصود من عبارة «إعادة التأسيس»، حسب تصوّري، ليس هو حلّ أحزاب اليسار الحالية وتـعويضها بأخرى، وإنما المقصود هو خصوصا المراجعة النـقدية للأسس التي بُنيّت عليها هذه الأحزاب، لفحصها، وتـقويمها. بَيْنَمَا أنا شخصيا أُفَضِّلُ أَن نُسَمِّيَ هذه المُبادرة بِعِبَارة «الدِّينَامِيَة لِتـقْوِيم وَتـثْوِير قِوَى اليَسار». وأتمنّى أن يكون هدف هذه ”الدِّينامية“ هو نـفسه لدى الجميع. أما إذا كان الهدف هو تـقويّة حزب يساري على حساب الأطراف الأخرى، أو فرض حل بعض أحزاب اليسار، أو الضغط عليها لكي تتوحّد في حزب واحد، أو عزل أو إقصاء بعض الجماعات من المناضلين، أو تأسيس تِيَّار سياسي جديد، أو إنشاء حزب يساري جديد، فَإننا سنكون في هذه الحالة في حالة خلاف سياسي. أنا شخصيا ضدّ خلق حزب يساري جديد. كما أنني ضد إقصاء أي حزب يساري، أو أية مجموعة يسارية، من النضال الجماهيري المشترك. وهذه المبادرة السياسية الجديدة تجمع مناضلين متـنوّعين، جاؤوا من تجارب نضالية أو حزبية مختلفة، ويحملون آراء متـفاوتة، ومقاربات متباينة، ومتكاملة. وهذا التـفاوت في الآراء طبيعي وإيجابي. ولا تشكّل هذه الخلافات عائقا ضدّ النضال الجماهيري المشترك، خاصّة إذا كان المناضلون المعنيون يعرفون كيـف يتـعاملون معها، بمرونة، وجَدَلِيَّة. والميزة المشتركة فيما بين هؤلاء المناضلين هو أنهم لا يناهضون أية قوة من بين قوى اليسار، بل على العكس، يناصرون كلّ قوى اليسار، ويـقدّرونها، ويغارون عليها، لكنهم غير راضين تمامًا عن كل ما يصيب حاليا قوى اليسار من ضعف، ونـقصان، وارتباك، وتشتّت، وحلقية، وتـنافر، وتـفرقة، وتشرذم، وغياب المبادرات الناجعة، وغياب النضالات المشتركة فيما بين قوى اليسار.
رابعًا، يطمح هؤلاء المناضلون إلى خلق حركية، أو سيرورة، أو ديناميكية، من نوع جديد، على مستويات فكرية، وسياسية، ونضالية. وهؤلاء المناضلون يرفضون كل ما يهدف إلى إضعاف قوى اليسار، أو تشتيتها، أو تدميرها، أو مسخها، مَثَلًا عَبْرَ تحويلها إلى مجرد آلة انتخابية. بل يسعون إلى المساهمة المتواضعة في تـقريب قوى اليسار فيما بينها، وتـعزيز تشاورها، وتـعاونها، وتكاملها، وتـفاعلها البَيْنِي، بروح نضالية ثورية واضحة، ومن أجل رفع مستوى فعاليتها السياسية، نحو أفق خدمة الأهداف الاستراتيجية للشعب. ويعتبرون أن المناهج القديمة المعتادة، التي تستـعملها قوى اليسار، سواء في تـفكيرها، أم في أساليب عملها، تحتاج إلى مراجعة نـقدية، بغية تـقويمها، وتحسينها، وتحديثها، وتـثويرها.
حوار الرّيـف: عرفنا في الماضي دعوات أخرى تدعو هي أيضا إلى النضال المشترك فيما بين قوى اليسار. لكن، رغم حسن النوايا المتوفّرة في المساهمين في هذه التجارب النضالية، رأينا كثيرا من محاولات النضال المشترك تتـعثّر، أو تـفشل، أو تتشتّت، بسب الخلافات، أو الصراعات، أو المنافسات، أو المزايدات السياسية، التي تـنشب فيما بين فرقاء هذا النضال المشترك. فلماذا ستـنجحون أنتم فيما فشل فيه كثيرون قبلكم؟
رحمان النوضة: كلامك صحيح. كثير من محاولات تـقريب قوى اليسار فشلت. ويمكن لمحاولتـنا أن تـفشل هي أيضًا. والمشكل الذي يتكرر إبّان خوض كلّ نضال جماعي مشترك، هو أننا نلاحظ أن بعض المناضلين، أو بعض المجموعات، الذين يشاركون في هذا النضال المشترك، لا يعملون لتحقيـق الأهداف النضالية الثورية العامة المشتركة، المحدّدة بشكل مشترك، وإنما يعملون لخدمة أهادف أخرى خاصة بهم كأشخاص. وهذه الأهداف الخاصة قد تكون هي بناء زعامة شخصية، أو تـقوية حزبهم الخاص بهم، على حساب قوى سياسية أخرى من اليسار. ويمكن أن يكون سبب الفشل هو العمل لبناء تـنظيم خاص بهم، أو لاحتلال مواقع تـنظيمية قوية في قيادة الحركة النضالية الجارية، أو لكي يستـفيدوا هم وحدهم من نتائج النضال المشترك، أو لخدمة مسارهم الشخصي المهني، أو لتحسين حظوظ تسلّقهم الشخصي للمراتب الطبقية في الهيكلة المُجتمعية، إلى آخره. وفي مثل هذه المناسبات، يجب أن نتذكّر دائما، أنه في الوقت الذي ننظر فيه إلى بعض المناضلين، أو إلى بعض الجماعات، على أنهم انتهازيين (يعملون لخدمة أغراض خاصة بهم)، قد ينظرون هم أيضا إلينا كانتهازيين. فلماذا لا نكون متواضعين؟ ولماذا نـعتـقد دائما أننا وحدنا على حقّ؟ ولماذا لا نـفترض، ولو خلال وقت قصير، أنه من الممكن أن يكون خصومنا، أو منتـقدونا، على حقّ أكثر منّا؟ ولماذا نمنح لأنـفسنا حقّ احتكار الصواب، أو الحقيـقة، أو الثورية؟ ولماذا لا نـفترض أنه من الممكن أن يدافع خصومنا، أو منافسونا، على غايات مشروعة، وَبِنِيَّات حسنة؟ ولماذا لا نـفترض مثلاً أننا كلنا على صواب، أو أننا كلنا على خطأ؟ وما العمل في حالة وجود مثل هذه الخلافات؟ هل نوقف النضال المشترك؟ هل ننسحب من النضال المشترك؟ هل ننسف هذا النضال المشترك؟ هل نشنّ صراعا سياسيا حادًّا ؟ هل نخوض حربا شعواء ضد كل من نظن أنهم انتهازيين؟ هل ندخل في تحالفات غير مبدئية لِقَطْع الطريـق على كل من يظهر لنا كانتهازي، أو يحاول استغلال النضال المشترك لخدمة أغراض خصوصية؟ أظن أن الحل الأقل ضررًا هو سلوك التواضع، والعمل بِالجَدَلِيَّة. ويحتوي هذا النهج على عدّة جوانـب. أوّلاً، يلزم أن نـعتبر مثل هذه المشاكل نوعا من التـناقضات الموضوعية الداخلية، التي تظهر حتمًا داخل صفوف الشعب، وتظهر في كل مجتمع، وفي كل عمل جماعي. وثانيًّا، الأحسن هو أن نتـعامل مع هذه التـناقضات بمرونة، وبتأنّي، وليس بشكل سريع، أو سطحي، أو عنيـف، أو عدائي، أو إقصائي. وثالثًا، يجب أن نحرص على مساعدة المخطئ لكي يُصْلِحَ خَطَئَهُ، وليس أن نـعمل للقضاء على المخطئ بهدف التخلّص من الخطأ. [وقد سبق لي أن أوضحتُ ذلك في كُتُب سابقة]. ورابعًا، ينـبغي أن نتذكّر أن هدفنا الأساسي كَثَوْرِيِّين، هو أن نـعمل من أجل تـثْوِير المُجتمع، وتـثوير مُكوّناته، وتـثوير أفراده، بما فيه تـثوير هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون لنا كانتهازيين، أو كمنافسين، أو كخصوم. وليس هدفنا الأساسي هو القضاء على كلّ من يخالفنا في المعتـقدات، أو في الأساليب، أو في السّلوكيات. وسلاحنا في مواجهة كل الانحرافات الممكنة هو الحوار الصريح، والنـقد المباشر، ثمّ النـقد الجماهيري، ثم اقتراح بدائل فكرية وعملية قد تكون مُقْنـعة بوضوحها، وسدادها، وتلائمها مع واقع الشعب واحتياجاته. وبعدما تـقْتـنـعُ الجماهير بصحة نـقدنا للسلوكيات المُنحرفة، وفي حالة إذا مَا تـعَنَّتَ المخطئون في أخطائهم، آنذاك يُمكن اللجوء إلى إبعاد الانتهازيين المُتـعَنِّتِين.
حوار الريـف : تتكلّمون عن نـقد وتـقويم وتـثوير قوى اليسار، لكن بعض أحزاب اليسار لن تـقبل منكم أن تـنتـقدوها.
رحمان النوضة : مُمكن. لكنني أرفض أن يعتبر أي حزب سياسي نـفسه شأنًا داخليا خاصا. بل أعتبر كل حزب، وكل فاعل سياسي (سواءً كان يمينيا أم يساريا)، بأنه شأن عام، أو عُمُومِي. وعليه، فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نشارك في محاورته، ومساءلته، ومحاسبته، ونـقده، وتطويره.
حوار الريـف : أعلنتم هذه المبادرة في ظرفية صعبة، تتسم بتراجع اليسار على المستوى الشعبي، والنُخْبَوِي، بعد تدجين جزء كبير منه، فيما تـعيش التـنظيمات اليسارية الأخرى، وخصوصا بعض الأطراف المنحدرة من تجربة اليسار الجديد، انشقاقات مستمرة، بسبب الإحباط المعنوي لعدد كبير من فئاتها. ولعلَّ صورة اليسار في المغرب قريبة مما يمكن تسميتها بأزمة وجود. في ظل هذه الأوضاع، أي معنى، أو إضافة، تحمله مبادرتكم، في مواجهة هذه التحديات التي يعيشها اليسار المغربي ؟
رحمان النوضة : أوّلاً، التشخيص المقلق الذي بدأتَ في طرحه، خلال سؤالك السابق، حول أوضاع اليسار بالمغرب، يعني أنك وضعتَ رجلك الأولى داخل حركتـنا التصحيحية. وحينما ستبدأ في المساهمة العملية في نـقد وتـثوير قوى اليسار، فإنك ستوكون قد وضعتَ رجلك الثانية داخل حركتـنا التـقويمية. فأنت تلتـقي فكريا معنا دون أن تكون قد اِجْتَمَعْتَ معنا. وكل مناضل يشرع في تشخيص قَلِقٍ لأزمة قِوَى اليسار، يصبح كأنه مشارك، أو منخرط، في مبادرتـنا التـقويمية.
ثانيًا، نحن لم ننتج معجزة جديدة، لأن ما نحسّ به نحن، تحسّ به أنت أيضا، ويشعر به غالبية مناضلي قوى اليسار، وربّما منذ وقت قد يعدّ بالشهور، أو بالسنوات، أو بالعقود، حسب حالة كل مناضل. ونسبة هامة من أعضاء، أو مَسْئُولِي، قوى اليسار، يعترفون صراحة، إمّا في العلن، وإما في السرّ، أن اليسار يوجد حقًّا في حالة ضعف، وأنه يُعاني من مشاكل كثيرة ومعقّدة. لكن الجديد الذي جاءت به حركتـنا التصحيحية، هو أننا قرّرنا بجرأة، الانتـقال من إحساس فردي شبه ”لا واعي“ بأزمة اليسار، إلى الطّرح الجماعي، والسياسي، والعلني، والواضح، والعقلاني. ولا يكفي اليوم أن نـعترف نظريا بوجود مشاكل لدى قوى اليسار، بل المطلوب هو الشروع فورًا، وعمليّا، في نـقد، وتصحيح، وتـقويم، وتـثوير قوى اليسار.
ثالثًا، مظاهر أزمة قوى اليسار التي بدأتَ سابقا في سؤالك في طرح بعض عناصرها، هي بالضبط التي حَثَّتـنَا على إطلاق هذه المبادرة السياسية. لقد وصل تدهور أوضاع قوى اليسار إلى مستوى خطير يهدّد استمرارية وجود هذا اليسار، كما قلتَ أنتَ بنـفسك. وفي مثل هذه الأوضاع المقلقة، يحسّ بعض المناضلين الثوريين في اليسار بضرورة الجُرأة على التـفكير، والجُرأة على المُبادرة، والجرأة على النـقْد، وعلى ممارسة التحذير، والتـنـبيه، والاقتراح، والتجميع، بهدف المشاركة المتواضعة في إخراج قوى اليسار من مسار الانحدار، وحملها إلى مسار التساؤل، والمراجعة النـقْدِيَة، والإبداع، والتشاور، والتـفاعل، والتـعاون، والتكامل، والتَلَاقُح، والنُمُوّ، نحو أفق الفعالية، والسَّدَاد، والانتصار.
رابعًا، يجب ألّا نُغالط أنـفسنا. فإقدامنا على محاولة تـقويم قوى اليسار بالمغرب، لا يعني، ولا يضمن، أننا متـفوِّقين على قوى اليسار، ولا يعني أننا سالمون من النـقائص الموجودة في قوى اليسار. بل يمكن أن يكون بعضنا، أو كلّنا، يحمل نـفس الأخطاء، أو نـفس النـقائص، الموجودة في قوى اليسار. ونحن نطمح إلى مساعدة قوى اليسار على التـعَافِي من تلك الأمراض المذكورة سابـقًا. والمستـقبل هو الوحيد الذي سَيُبَيِّنُ إلى أيّ مدى نحن سالمون من عُيوب قوى اليسار، أو إلى أي مدى نحن مصابون بنـفس الأخطاء القائمة في قوى اليسار.
خامسًا، مُعظم مُناضلي قِوَى اليسار، وبغض النظر عن الإطار الحزبي أو التـنظيمي الذي يعملون حاليا داخله، هم صادقون، ونزيهون، وطموحون. وإذا ما اقترحنا عليهم مراجعة نـقدية لمكوّنات اليسار، وإذا ما اقترحنا عليهم أساليب عمل جيّدة، فمن الممكن أن يـقبلوها، أو أن يستـفيدوا منها، أو أن يُطَوِّرُوهَا إلى أعمال نضالية من نوع جديد. كما أنه من المُمكن أن يَرْفُضُوها لاعتبارات مختلفة. وقد تُمكّنهم هذه الاقتراحات من إنجاز مهام نضالية مشجّعة.
سادسًا، قوى اليسار هي اليوم في حاجة مُلِحَّة، وعاجلة، لإحداث نـقْلَة نَوْعِيَة في تصوّراتها، وفي أفكارها، وبرامجها، وأساليب نضالها، وأشكال تـنظيمها، ومَنَاهِج عَملها.
سابعًا، نحن لا ندّعي أننا أتينا بخط سياسي جديد وبديل. ولا نزعم أننا نتوفر على تصوّرات جديدة وَواضحة، ولا على حلول سياسية شاملة وكاملة، ولا على مشاريع بديلة جاهزة. على عكس ذلك، أعتـقد أن الأفكار الجديدة التي نحتاج إليها، لن يخلقها أي شخص كان، ولا أي حزب منـفرد، وإنما النضال الجماهيري المُشترك، الذي يُساهم فيه أكبر قَدر مُمكن من بين قِوى اليسار، هو وحده المُؤَهَّل لِتَجديد أفكار وأساليب وممارسات قوى اليسار. والمُهم لَدَيَّ هو أن نَدفع مُجمل مناضلي قوى اليسار إلى أن يُساهموا، سواءً كمسئولين، أم كأعضاء قاعديين، في التشاور، والتـفاعل، والتساؤل، والنـقد، والبحث، والتـعاون، والتكامل، والإبداع، بهدف إحداث النـقَلَات النَوْعِيَة المَرْجُوَّة، على جميع الأصعدة، الفكرية، والتـنظيمية، والعملية، والنضالية.
حوار الريـف : ألا تخافون من أن تساهم هذه المبادرة في تَشْتِيت المُشَتَّت، خصوصا أنها تتزامن مع مبادرات أخرى يـقف وراءها عدد من الأطراف، جَرفت معها حَمُولَة سياسية لصراعات شاقّة داخل حزب سياسي يساري، وهو «الحزب الاشتراكي الموحد»، الذي يَشْكُو منذ مدة من اختراقات أطراف محسوبة على أحزاب التحكم، تسعى إلى تركيعه واحتواءه؟
رحمان النوضة: أوّلاً، كل أحزاب اليسار (في المغرب، وكذلك في كثير من بلدان العالم) تـعيش حاليا مشاكل مُعيـقة، ومُرْبِكَة، ومعقّدة. بما فيها أحزاب اليسار الأربعة بالمغرب، أي ”حزب الاشتراكي الموحد“، و”حزب الطليعة“، و”حزب النهج“، و”حزب المؤتمر الاتحادي“. وحتى حزبي ”الاتحاد الاشتراكي“، و”حزب التـقدم والاشتراكية“، ولو أنني لا أعتبر هذين الحزبين الأخيرين ضِمْنَ اليسار، يتخبّطان في مسار عسير، ويتطوّران من سيّء إلى أسوأ. وهذان الحزبان الأخيران لا يتجرّآن بعدُ حتّى على الاعتراف بالأزمة التي تهلكهما.
ثانيًّا، على خلاف بعض التخوّفات المشروعة، أقول بوضوح، أن بعض مناضلي هذه المبادرة الجديدة، وأنا منهم، لَمَّحُوا خلال اجتماعهم الأول، إلى أنهم مقتـنـعون أن عملية، أو سيرورة، تـقويم وتـثوير قوى اليسار الحالي بالمغرب، لن تـنجز عبر خلق حزب جديد. بل إن تـقويم وتـثوير قوى اليسار سَيَتَأَتَّيَان من خلال المُساهمة الطَّوعية، والعملية، والجماعية، والمشتركة، لأكبر عدد ممكن من مناضلي قوى اليسار، في إحداث هذه النـقْلَة النوعية، من داخل أحزابهم الخاصة القائمة حاليًّا.
ثالثًا، هدف ”الدّينامية“ ليس هو خلق حزب جديد، وليس هو تـعويض قوى اليسار الحالية بأخرى تزعم أنها هي الأحسن. وإنما الهدف هو الانطلاق من قوى اليسار الحالية كما هي، والانطلاق كذلك من المناضلين اليساريين غير المتحزّبين كما هم حاليا، والعمل بهدف تـقويم هذه القوى، وتـثويرها، عبر النضال الجماهيري المشترك، وعبر حوار جِدَالِيّ، والتـفاعل الإيجابي، والبحوث الجماعية، والمراجعة النـقدية، والنـقد الذاتي، والإبداع على مستويات الفكر، والتـنظيم، والنضال المشترك، إلى آخره. والغاية ليست هي خلق تـنظيمات يسارية جديدة أو بديلة، وإنما الغاية هي تـقويم وتـثوير قوى اليسار الحالية، ليس فقط من خلال النـقاشات أو المشاورات، وإنما من خلال خوض النضالات الجماهيرية المشتركة. وهذا النضال الجماهيري المشترك، الطويل الأمد، هو الذي سيوفِّر إمكانية تجميع قوى اليسار في إطار تـنسيـق، أو تحالف، أو جبهة، أو فيدرالية. لا يَهُمُّ الشَّكْل، هل جبهة؟ هل فيديرالية؟ هل تحالف؟ هل تـنسيـق؟ المهم هو سِعَة النضال المشترك، وصلابته، واستمراريته. وما نريده هو تـقوية قوى اليسار، وليس تدميرها. وكل مناضل يريد الانخراط في ”الدّينامية“ المذكورة، أو يريد فقط المساهمة من بعيد في مجهوداتها، لا نطلب منه التخلّي عن انتماءه الحزبي، ولا نطلب منه تغيير قناعاته السياسية. لأن جوهر ”الدّينامية“ ليس حزبا جديدا، وإنما هو نضال مشترك، ومجهود متواصل، يهدف إلى تـقويم وتـثوير مَنَاهِج قِوَى اليَسار. وعلى عكس بعض التخوّفات، ندعو مجمل المناضلين إلى البقاء داخل قِوَى اليسار التي يتواجدون فيها، وإلى الصُّمُود في نـقْد ومُقاومة كلّ أشكال التخلّف، أو الرداءة، أو الانحراف السياسي. كما ندعو المناضلين إلى المُساهمة الجِرِّيئَة في تـقْوِيم وَتـثْوِير أحزابهم، بأساليب بنّاءة، وشفّافة، ومَرِنَة، وَنَزِيهَة، وَمِتَـأنِّـيَة، وديمقراطية. لأن الهدف ليس هو تخريب قوى اليسار، ولا هو السيطرة عليها، وإنما الهدف هو المساهمة البَنَّاءَة، والمُتواضعة في تطويرها، وتـقويتها، وتحسين أدائها. مع العلم أن المناضل الثوري، هو الذي يبدأ دائما بِـتـثْـوِير نـفسه، قبل أن يحاول تـثْـوِير غَيره.
رابعًا، نحن (في المبادرة الجديدة) لا نزعم أننا أنـبياء جدد، ولا ندّعي أننا نـفهم المشاكل السياسية أحسن من باقي مناضلي قوى اليسار، ولا نرغب في أن نكون زُعماء سياسيين جُدد، ولا قادة سياسيين جدد. ولا نريد استبدال القادة الحاليين في أحزاب اليسار، ولا نريد مُنافستهم. هذه شؤون تهم مناضلي كل قُوة يسارية على حِدَة. ونحن (في المبادرة) نـعارض بوضوح خَلْق حزب يساري جديد، أو جمعية جديدة، أو حتى خلق مجموعة سياسية جديدة، أو خلق تيّار سياسي جديد. لأن خلق حزب جديد يمكن أن ينتج مشاكل إضافية، دون أن يـقْدِرَ على فَهم ومُعالجة المشاكل القديمة. كما أننا لا نهدف إلى تغليب أي حزب يساري على آخر. ولا نريد حتى الضغط على قوى اليسار لكي تتوحد رغمًا عنها. ولا نـقبل مناهضة أي حزب يساري. وإنما نَطْمَحُ إلى تـقوية مُجمل قِوى اليسار، عبر النضال المشترك، وتبادل النـقد، والمساعدة، والتـقْوِيم، والتـثْوِير.
خامسًا، ما نرغب فيه (عبر مُبادرة ”الدِّينَامِيَة“) هو تـقْرِيب المَسافات الفكرية والسياسية فيما بين مختلف قِوَى اليسار. ونـبتغي تشجيع مجمل قوى اليسار على الالتزام بِمَنْهَج التَوَاضُع، وعلى تَحْبِيذ التشاور، وعلى تـفضيل النضال المشترك. ونريد المساهمة المتواضعة في الرّفع من مستوى أداء مجمل قوى اليسار. ونطمح إلى تـعميـق التـعاون، والتكامل، فيما بين مجمل قوى اليسار.
سادسًا، نحن (في المبادرة) نـثـق في كون الأفكار السياسية التي تكون ثورية، وسليمة، وملائمة للواقع الملموس، نثـق بأنها ستتحول بسهولة إلى قوة بشرية، أو سياسية، أو نضالية، أو مجتمعية. وطموحنا هو المشاركة في خلق دِينَامِيكِيَّة فكرية، وسياسية، ونضالية، وأن تؤدّي هذه الديناميكية إلى تـنمية حيوية لِقوى اليسار، وفعاليتها، وإبداعاتها، وإشعاعها، وتـعاونها، وتكاملها، ونضالاتها المشتركة. ولا يمكن أن تـنجح أية مبادرة سياسية طموحة مثل مبادرتـنا، إلا إذا فَهَمَتْهَا غَالبية مناضلي اليسار، وقبلت طَوْعِيًّا المشاركة في تـعميـقها، وتحويلها إلى سلوكيات نضالية يومية ومتواصلة. زيادة على هذا، لا تـنس أن ما قلتُه لك، هو رأيي الشخصي. وأنا على يـقين أنك إذا استجوبتَ مناضلين آخرين من بين المشاركين في مبادرتـنا الحالية، فإنهم سيـقولون لك بالتأكيد، أفكارًا أخرى مهمة، واقتراحات إضافية غنية، ومُكمّلة. حيث أننا لا زلنا في بداية الطريـق. ونحن مثل آلات موسيـقية في أُورْكِسْتْرَا. كلما تكلم أحد منا، إلاّ وسمعتَ صوتا أو نـبرة مختلفة. لكننا نـعزف سمفونية واحدة مركّبة. وذلك حَسب ما أتصوّر شخصيًّا.
حوار الريـف: هذا كلام نظري عام، ومعقول، وجميل، ولن يعارضه أي مناضل عاقل، ولكنك لم توضح لي الإجراءات العملية التي ينوي مناضلو هذه المبادرة القيام بها لتحقيـق طموحاتهم.
رحمان النوضة: حسب رأيي المتواضع، وإلى حدود هذه اللحظة، نحن بأنـفسنا لا نـعرف جيّدا ماذا ينـبغي أن نـفعل، وكيـف نـفعله، ومتى، ومع من ؟ لدينا طبعًا بعض التصوّرات الأولية، أو الجزئية. ونـعترف بتواضع أن هذه التصوّرات الحالية لا زالت بِدَائِية، أو غير كافية. لأنها تستوجب بالضرورة مساهمة أكبر عدد ممكن من بين مناضلي قوى اليسار.
والمهم عند انطلاق ديناميّتـنا، هو أننا واثـقون من أن الشروع الجرّيء، والجماعي، وبدون تماطل، في تطبيـق هذه الأفكار، هو الذي سَوف يُساعدنا أكثر فأكثر على توضيح ماذا نريد، وكيـف ننجزه، ومع من، ومتى؟
ويحرص أعضاء الدّينامية على التَـفَاعُل بشكل إيجابي مع كل قوى اليسار، دون تَـفْضِيل فَصِيل على آخر، ودون إقصاء أي طرف. فالنضال الجماهيري المشترك مفتوح لكل قوى اليسار، ولكل المناضلين. وكل قُوة من بين قِوَى اليسار تـقبل بالانـفتاح تجاهنا، سوف نُساعدها بكل طاقاتـنا. وكلّما وُجدت قوة يسارية مُقَصِّرَة، أو مُخطئة في إحدى مواقفها، أو في إحدى سُلُوكِيَّاتِهَا، فإن الواجب سيجبرنا على نـقدها بشكل صريح، بنّاء، علني، وباحترام. لكن الاحترام لا يعني المُجاملة، أو المُهادنة، أو المُحاباة، أو السُّكُوت عن النَوَاقِص. كما أن النـقد لا يبرّر الاتهامات الذاتية، أو الإهانة، أو القساوة، أو الاحتـقار، أو الإقصاء، أو بَثّ الكَراهية، أو العَداوة.
ودورنا هو المُساعدة، وليس التَّحْطِيم. وسلاحنا الأساسي هو النـقد العلني، الواضح، والدّقيـق، والمُعمّق، والجِدّي، والرَّزِين. لأن الغاية هي تـقْوِيم وتَـثِْوير قِوى اليسار، وليست هي ضربها، أو إضعافها، أو هَجْرُهَا، أو تجاهلها، أو المشاركة في تصفيتها. وانتصار ”حركتـنا“ أو ”ديناميتـنا“، لا يتجلّى في احتلال مواقع تـنظيمية قيادية، وإنما سيظهر في تطبيـق قوى اليسار، في شموليتها، لمناهج ثورية، سليمة، وفعّالة.
ولكي لا يبقى كلامي نظريا أو عامّا، أودّ أن ألحّ على أن أسلوبنا في العمل سيكون هو مشاركة مُجمل مناضلي ”الدّينامية“ في أكثر ما يمكن من الأنشطة والنضالات التي تـنظمها أية قُوة من بَين قِوى اليسار. ضدًّا على الحَلَقِيَة. وضدّ الحِسابات الضيـقة. وبدون مُيُول نحو احتلال مواقع في ”القيادة“، أو في ”الزعامة“، أو ”الطَلِيعِيَّة“. ومن خلال هذه المشاركة، سيحرص أنصار "الدّينامية" على التذكير، وعلى الإلحاح، على دعوة كل مناضلي ومسئولي كل قوة من بين قوى اليسار إلى ما يلي:
1) ضرورة الالتزام بالتواضع، وبالتَشاور، وبالتـنسيـق، وبشكل متواصل، فيما بين أكثر ما يمكن من قوى اليسار، بما فيها تلك التي نختلف معها في كثير من القضايا.
2) تـفضيل القيام بأنشطة ونضالات مشتركة، فيما بين أكثر ما يمكن من قوى اليسار، بدلاً من خوض أنشطة أو نضالات بشكل مُنـفرد (من طرف كل قوة يسارية مَعنية على حِدَة). لأن انخراط أكثر ما يمكن من الأطراف في النضال المُشترك هو بالضبط الذي يوفّر إمكانات التـقارب، والتـفاعل، والتـفاهم، والتطوّر، والتوحّد، فيما بين قوى اليسار.
3) الحرص في النضالات المشتركة على إعطاء الأسبقية للمصالح الثورية للشعب، وليس لمصالح هذا الحزب المعني أو ذاك، أو لصاح هذا التـنظيم المُحدّد أو غيره.
4) غايتـنا المشتركة الأساسية هي إنجاح النضال المشترك، وليست هي استـفادة حزبنا الخاص، أو مصلحة تـنظيمنا، أو تـقوية تيّارنا السياسي. بل نُـفضّل إنجاح النضال المشترك، وَلَوْ كان الثمن اللّازم لذلك هو تضحية حزبنا، أو خسارة تـنظيمنا. لأن الشعوب لا تتـقدم، ولا تتـعلّم، ولا تتوعّى، ولا تتـقوى، إلاّ عبر النضال المشترك.
5) نـبْـذ الحَلَقِيَة، أو العَصَبِيَة الحِزبية الضَيـقَة، أو الانغلاق على النـفس.
6) نـقد اَلْاِنْحِيَّاز الذّاتي، أو التَـعصّب الحَلَقِي، لصالح أية قوة من بين قوى اليسار، ومهما كانت. لأن الهدف الأساسي ليس هو حزبنا الخاص بنا، وإنما هو ثورتـنا المُجتمعية المُشتركة.
7) نـقد المُيُول نحو ”الزَعَامَة“. لأن الزعامة تؤدي دائما إلى تـقليص دور القواعد، أو إضعافها، أو خنـقها، أو تهميشها. كما تؤدّي الزعامية إلى تبليد المناضلين القاعديّين. [أنظر في هذا المجال وثيـقتي: "ضِدَّ الزَعِيم، وَضِدَّ الزَعَامِيَة"].
8) نـقد الرغبة في الظفر بموقع ”الطليعة“. واستبدالها بتشجيع التواضع. لأن الرغبة في احتكار موقع ”الطليعة“ غالبا ما تخفي الرغبة في السيطرة، أو التّحكّم، أو الهيمنة، أو الاستبداد.
9) تشجيع الإبداع بهدف إغناء الأفكار، وتطوير الأساليب النضالية، والأساليب التـنظيمية، والإعلامية. وليس الاقتصار على أساليب قديمة، مكرّرة، أو جامدة، أو غير متلائمة مع مستجدّات الواقع.
10) التـعامل مع التـناقضات التي تظهر داخل كل حزب أو فصيل من اليسار بروح ديمقراطية، ومرنة، تحرص على معالجة التـناقض، وليس على هزم العنصر المخالف، أو على إقصاء الطرف المناقض، أو محاولة فرض الرأي الواحد، أو تَرْسِيم الإِجْمَاع القَسْرِي.
11) التـعامل مع التـناقضات التي يمكن أن تظهر فيما بين مختلف قوى اليسار بِمَنْهَج مَرِن، يَصُون الاستمرارية في الالتزام بالنضال المشترك، وخوض هذا النضال المشترك بكل الأشكال المتـنوعة والممكنة.
قد تظهر هذه الأفكار ساذجة. لكن ميزة عَمَل الخَيْر هي أنه يظهر في غالب الأحيان ساذجًا، بينما العمل الشِرِّير، أو الانتهازي، أو المُخَادِع، يظهر أكثر واقعيةً. المُهم، لا زلنا في بداية الحوار. ونحن في ”الدّينامية“ في حاجة إلى مساهمات مُجمل مناضلي قوى اليسار.
حوار الريـف: على مستوى شكل التـنظيم الذي ستـعمل به ”الدّينامية“، يظهر لي طرحكم غير واضح، أو يبدو كأنه يوجد نوع من التـناقض في أطروحتكم. حيث تـقولون أنكم تطمحون إلى تـقويم وتـثوير قوى اليسار، وفي نـفس الوقت تـقولون أنكم ترفضون خلق حزب جديد. فَبِأيّ شكل من أشكال التـنظيم ستـعملون إذن ؟
رحمان النوضة: فعلاً، قضية التـنظيم تطرح علينا، في بداية مشوارنا، تـناقضا جميلا ومُحَفِّزًا. لأن أسلوب التـنظيم الذي يمكن أن تـعمل به الدّينامية في المستـقبل، قد يطرح عدة إشكالات أو تـناقضات. منها مثلا ما يلي :
أ) إذا عَمِلَت ”الدّينامية“ مثلاً بأسلوب تـنظيم كلاسيكي، توجد فيه هياكل تـنظيمية، ومركزية، وقيّادة، وَتَرَاتُبِيَة، أو بِتَـنْظِيم يحتوي على هيئات محلية، وهيئة وطنية قيادية، ومؤتمر، وقرارات مُصوّت عليها، فمن المحتمل أن يُوقِع هذا الأسلوب التـنظيمي الدّينامية في مسار تأسيس حزب كلاسيكي، وفي مشاكل مشابهة للمشاكل التي تُـعاني منها أحزاب اليسار. الشيء الذي يَتَـنَافُى مع فلسفة ”الدّينامية“. حيث أننا نطمح إلى إشراك مجمل المناضلين الثوريين، بتـعدد انتماءاتهم الحزبية، وبتـفاوت آراءهم الفكرية أو السياسية. فَلَيْسَ بَدِيهِيًّا أن تكون الأشكال التـنظيمية الكلاسيكية ملائمة لطبيعة الدّينامية . كما يُحتمل أن تستغل الأجهزة القمعية نـقط ضعف هذا الصنـف من التـنظيم الكلاسيكي (وهي كثيرة ومعروفة) لكي تـعرقل هذه ”الدينامية“، أو لكي تـقضي عليها.
ب) إذا لم تـعمل الدّينامية بأي أسلوب تـنظيمي محدّد، فمن المحتمل أن تتحوّل هذه ”الدينامية“ إلى حركة مُبْهَمَة، أو هُلَامِيَة، أو غَامضة، أو مُلتبسة. لا تـقدر على الاجتماع، ولا على التشاور، ولا على التـنسيـق، ولا على بلورة المواقف المشتركة، ولا على تـفعيلها. ومن الممكن في هذه الحالة أن تـفقد هذه الدّينامية الفعالية. وفي هذه الحالة، سيكون من المتوقّع أن تـعجز هذه الدّينامية على تطبيـق برنامجها. وقد تـعجز حتى على الاستمرار في الوجود. لأن كل عمل جماعي لا يـقدر على أن يكون قويّا، أو منتجا، أو فعّالا، إلاّ إذا عمل بأسلوب تـنظيمي عقلاني، ومحكم، ومضبوط، وَذَا جَوْدَة من مستوى عَالٍ. وهذا هو التـناقض الذي نتمنى القدرة على معالجته في المستـقبل.
ت) الحاجة إلى التـنظيم، تطرح فورا الحاجة إلى الانضباط. فمن الجميل أن نتحاور، وأن نـبلور قناعات مشتركة، لكن ما الفائدة من هذه القناعات المشتركة إذا لم نلتزم جميعا بتـنـفيذها؟ فهل الحل هو أن تطلب ”الدّينامية“ من أنصارها الانضباط؟ أليس الأفضل فِي البِداية هو أن تمنحهم حرّية التصرّف، حسب الطاقات الشخصية لكل مناضل، وحسب الظروف القائمة؟ نحن ندرك طبعًا أن التاريخ يؤكّد أن كل جماعة لا تـعمل بالانضباط تتحوّل حتمًا إلى شَتَات غَير مُنسجم، ثم تَمُوت. لكن، في نـفس الوقت، تطمح ”الدّينامية“ إلى أن تكون نوعا جديدا من الحراك السياسي المُجتمعي. لذلك نميل مُؤَقَّتًا إلى محاولة ابتكار صنـف جديد من التـنظيم، يمزج بين قدر معيّن من الانضباط، وقدر محدّد من حرّية السلوك لكل المناضلين المناصرين ”للدّينامية“. ويمكن مثلاً المطالبة بالانضباط داخل النواة المُنشّطة ”للدّينامية“، والاكتـفاء بانضباط مرن بالنسبة لمناصري ”الدّينامية“. خاصّةً وأن ”الدّينامية“ لا تُلْغِي استمرارية الأحزاب أو التـنظيمات اليسارية.
ث) في مقارنة ملموسة، وفي تجربتي ثورتي تونس ومصر في سنة 2011، لاحظنا أن حركات الشباب الثوري التي أشعلت الثورة وخاضتها، ونجحت في الإطاحة برأس النظام السياسي، كانت تتوفر على أفكار، لكنها تـفتـقد إلى التـنظيم. وبعدما أطاحت برأس النظام السياسي، جاءت لاحقا حركات إسلامية أصولية، منظّمة ومنضبطة، وَرَكِبَت على موجة الثورة، وسيطرت عليها، واستغلّتها للسيطرة على الدولة، ولفرض «أَسْلَمَة» المُجتمع. لماذا ؟ لأن الحركات الإسلامية الأصولية كانت تتوفّر على تـنظيم وَلَـوْ بدون أفكار. ولأن فكر الحركات الإسلامية يتلخص في كلمتين فقيرتين، وهما: «الشريعة الإسلامية»، و«الرأسمالية». أي فرض أَسْلَمَة المُجتمع، وترسيخ الرأسمالية المتوحشة التّابعة لمراكز الإمبريالية. ما هو درس هذه المقارنة؟ خلاصتها هي: أن تـنظيم بدون فكر، يمكن أن يهزم فكرا بدون تـنظيم، ولو كان هذا الفكر جدّ متـقدّم ! نحن كجدليين ندرك طبعًا أن الفكر الثوري يـقدر على هزم التـنظيم، لكن فقط في الحالة التي تتوفّر فيها شروط مجتمعية استـثنائية. بينما التـنظيم يغلبُ الفكرَ في معظم الحالات، وبسهولة كبيرة. مثلما أن الدّكتاتورية المُنظمة تغلب دائما الديموقراطية الفَوْضَوِيَة. وعليه، فالأفضل هو أن يجمع الثوريون بين الفكر المتـقدّم والتـنظيم الجيِّد.
ج) يوجد جانـب آخر مهم. وهو أن قوى القمع السياسي حسّنت قُدراتها كمّا وكيـفًا. وحصلت على أدوات وتجهيزات تمنحها فعالية أكبر بكثير مِمَّا كان لديها في الماضي. واستـفادت هي أيضًا من تكنولوجيات الحاسوب، والهواتـف المنـقولة، والنظام العالمي لِتحديد المواقع الجغرافية "GPS"، وتسجيل المكالمات والمراسلات، والكاميرات الرّقمية المَبْثُوثَة في الفضاءات العمومية، إلى آخره. وتستطيع قوى القمع اليوم أن تَشُلَّ في ظرف يوم واحد أي حزب منظّم بشكل كلاسيكي (يعني الحزب الذي يتوفّر على قيّادة مركزية، وهيكلة على الصعيد الوطني، وله إطارات إقليمية، وتـنظيمات محلّية مضبوطة، وتـنسيـقات دورية، إلى آخره). وهذه التطوّرات في مجال القمع، تـفرض على الثوريين أن يبتـكروا، وأن يستـعملوا، أساليب تـنظيمية من نوع جديد. وفي هذا الإطار، سيكون مفيدا استـعمال شكل تـنظيمي هُلَامِي، وغير مُحدّد. لكن هذا موضوع آخر.
ما هو الحل إذن؟ لا ندري حاليا. لهذا السبب، لا زلنا نـفكر في ابتكار أسلوب تـنظيمي مَرِن، يجمع نسبيا بين هذه المتـناقضات المذكورة أعلاه. ونحتاج إلى أسلوب تـنظيمي، من صنـف جديد، يكون قادرا على مقاومة القمع، ويكون ملائما لطبيعة ”الدينامية“، ولأهدافها. لأن ”الدّينامية“، وعلى خلاف حزب كلاسيكي، تطمح إلى أن تبقى مفتوحة على مناضلي مجمل قوى اليسار، بتـعدد انتماءاتهم الحزبية، وباختلاف قناعاتهم الأيديولوجية.
حوار الريـف: رغم أن الحوار معك مشوّق، لكن يلزم أن نختم الاستجواب بسؤال أخيرا. هل يمكن أن توضح لنا بعض الانتـقادات السياسية التي توجهها لقوى اليسار؟
رحمان النوضة: النَـقْد هو المَدخل إلى التـقْوِيم والتَـثْوِير. لكن إذا دخلنا هنا في استـعراض الانتـقادات المفصّلة، الموجهة إلى قوى اليسار بالمغرب، فإن هذا المجال لن يكفينا. الموضوع طويل، وشاسع، ومتشعّب. ولمن يهمه هذا الموضوع، أحيله مثلا إلى كِتاب سبق لي أن نشرته تحت عنوان «نـقد أحزاب اليسار». ويمكن تحميله من الموقع الإلكتروني التالي (https:LivresChauds.Wordpress.Com)، أو مِن (nokkade.wordpress.com).
وفي الحقيـقة، فإن عملية تـقْوِيم وَتَـثْوِير قِوَى اليسار، هي أصعب مِمّا يمكن أن نتصوّر. وليست مضمونة النجاح. وكمثال حديث، أتذكّر هنا أن ما يـقرب من مئة مناضل كانوا أعضاء في ”الحزب الاشتراكي الموحد“ على سبيل المثال، حاولوا مقاومة بعض التوجّهات السياسية غير السليمة، على امتداد أكثر من عقد من الزمن. وكانوا يعارضون سياسة إبعاد الحزب عن النضالات الجماهيرية، وتحويله إلى مجرد آلة انتخابية. وتصارعوا بأساليب معيّنة، ضدّ تِيَّار سياسي سائد في الحزب. لكنهم في النهاية انسحبوا من حزبهم. ما هو الدّرس من ذلك؟ من المُؤسف، بل من المُحَيِّر، أن نلاحظ أن مناضلين من كلا الطرفين، كلهم مخلصين، ونزيهين، لا يستطيعون معالجة التـناقضات فيما بينهم، ولا يستطيعون خوض حوار حقيـقي فيما بينهم. كأنهم لا يـقدرون على الاستماع المُتبادل، وعلى التَـفَاعُل المُتَبَادَل. وقد يكون السبب هو أن قيادة الحزب، أو التوجّه السائد فيه، لم يكن في مستوى معالجة هذه التـناقضات. وقد يكون معنى ذلك الحدث أن أحسن حل لمعالجة الخلافات السياسية ليس بالضرورة هو الانسحاب من الحزب. لأن الانسحاب سَهل، لكنه لا يعالج المشاكل. وقد يكون الدّرس هو أنه لا يكفي أن تدافع عن أطروحات سياسية صحيحة لكي تستطيع إقناع معارضك، أو خصمك، أو منافسك. وكأن المَنْطِق الذي يستـعمله مختلف الأشخاص ليس منطقا واحدا ومُوَحَّدًا، بل هو مَنَاطِق (بصيغة الجمع). لكن هذا موضوع آخر.
وأتذكر مثالا آخر مُحيّرًا. حيث أن قادة ”فيديرالية أحزاب اليسار“ بالمغرب (التي تتكون من ”حزب الطليعة“، و”حزب المؤتمر الاتحادي“، و”حزب الاشتراكي الموحد“)، قرّروا أن تكون المشاركة في هذه ”الفيديرالية“ مشروطة بتبني ثلاثة مواقف سياسية، وهي: «المُوَافَقَة على الملكية البرلمانية، وعلى مَغْرِبِيَة الصحراء، وعلى المُشاركة في الانتخابات». وهذه الشروط هي فكرة غريبة، ومحيّرة، بل مرفوضة. كأن واضعي هذه الشروط يريدون خصّيصًا تبرير إقصاء ”حزب النهج“ من النضال المشترك فيما بين قوى اليسار. لأن ”حزب النهج“ هو بالضبط الحزب الوحيد الذي يحمل آراء مختلفة نسبيا في تلك القضايا الثلاثة المذكورة. أنا أحترم، وأقدر، وأحبّ قادة أحزاب ”الفيديرالية“، لكن احترامي هذا لا يمنـعني من أن أقول صراحةً أن هذا الشرط الذي فرضوه في العضوية في ”الفيديرالية“، يذكّرني بما يُسمّى بالطّلاق الثلاث. بل يـُقسّم اليسار، وَيُضعفه، ولا يـفيد سوى النظام السياسي القائم. حيث لا يستـفيد من إقصاء «حزب النهج» من النضال الجماهيري المشترك سوى النظام السياسي. ونلاحظ أن تلك الشروط الثلاثة المذكور سابقًا تتوفّر، ليس فقط في حزبي ”الاتحاد الاشتراكي“، و”التـقدم والاشتراكية“، بل تتوفّر حتى في كثير من الأحزاب اليمينية أو المحافظة. فلماذا يـقبل نظريًّا قادة ”الفيديرالية“ العمل مع مثل هذه الأحزاب، ويرفضون العمل مع ”حزب النهج“؟ فإذا كان قادة ”الفيديرالية“ يعتبرون أن ”حزب النهج“ هو حزب مشكوك فيه، أو رجعي، أو غير يساري، أو خائن، أو مجرم، فليـقدّموا لنا البراهين لكي نـقتـنـع نحن أيضا. وإذا كان قادة ”الفيديرالية“ يحصرون قوى اليسار فقط في الأحزاب التي تتبنّى تلك الموافق الثلاثة المذكورة أعلاه، وجب عليهم أن يـقولها لنا بشكل صريح. وهل يُعقل أن يضع قادة يساريون عراقيل مصطنـعة ضدّ النضال المشترك فيما بين قوى اليسار؟ وهل النضال المشترك مشروط بالاتـفاق الفكري والسياسي على كل شيء؟ من المفهوم أن اعتزاز ”حزب النهج“ بكرامته يدفعه إلى تلافي طرح هذه القضية، أو نـقاشها، أو نـقدها، لكن واجبي الأخلاقي، كمناضل غير منتمي لأي حزب في الوقت الحالي، يـفرض عليّ بأن أنتـقدها علنيّا، لأنها لا تليـق بأحزاب يسارية، ولا حتى بأحزاب ديمقراطية. قد تكون لكل حزب من أحزاب اليسار إيجابيات، أو أخطاء، أو نواقص، بما فيه ”حزب النهج“. ومِن الأكيد أن "حِزب النَهْج" ليس بالضَرُورة طُهْرَانِيًّا، أو مِثَالِيًّا. بل له هو أيضًا بعض الأخطاء أو النواقص (لكن هذا المجال لَا يسمح بِتَنَاوُلها هُنا). ووإذا كان هذا هو اعتـقاد قادة ”الفيديرالية“، فليوضّحوا لنا ما هي الخلافات التي تُـفَرِّقُهُم؟ ولماذا تُـفرقهم؟
أَذْكُر مثالا أخيرا (في مجال نـقد أحزاب اليسار). هل يُعقل، أن يدوم في رئاسة حزب يساري مناضل (أو مناضلة) خلال أكثر من خمسة سنوات، في العصر الحديث الذي يتميّز بتسارعه؟ ألا توجد كفاءات أخرى ممكنة في كل واحد من هذه الاحزاب؟ وهل يعقل أن يكون المسؤولون الرئيسيّون في حزب يساري غير متـفرّغين للعمل النضالي والسياسي؟ وهل يُعقل أن يحاول المسؤول الرئيسي في حزب يساري المُزَاوَجَةَ بين عمله المهني الشخصي ومسئولياته الحزبية؟ وهل هذه المزاوجة ممكنة (بالنسبة لمسؤول قيادي على الصعيد الوطني)؟ ألا تكون هذه المزاوجة على حساب جودة العمل السياسي لمجمل الحزب المعني؟
لتخفيـف حدّة الجدّية، أختم حديثي معك بنكتة. التـقت جماعة من المناضلين، وأرادوا خوض نضال مشترك حول "المساواة بين المرأة والرجل". لكن جماعة منهم قالت: «لا نـقبل بأن يشارك معنا في النضال المشترك سوى من هو على وضوء»! فما العلاقة بين ”المساواة بين المرأة والرجل“ و”الوضوء“!؟ شكرا لموقع ”حوار الريـف“.
(الصَحفيّ أَبُو عَلِيُّ أَمَزْيَانُ، من المَوقع الإلكتروني "حِوار الرِّيـفْ"، إِسْتَجْوَبَ رَحْمَانَ النُوضَة، في 10فبراير 2016).

°°°°°°°°°°++0++°°°°°°°°°°°°

إضافة استـثنائية :

بعد انسحاب رحمان النوضة من المشروع المُسَمّى بِـ «إعادة تأسيس اليسار بشكل مُتَـعَدِّد»

في بداية سنة 2016، تَشَكَّلت بالتدريج محاولة لِإِطْلَاق مُبادرة سياسية تَرْمِي إلى المُساهمة في مُعالجة أوضاع اليسار بالمغرب. وكانت تَتَوَاجُد داخل هذه المحاولة مجموعة من المناضلين، قَدِيمَة، مُتَمَاسِكَة، وَمُلْتـفَّة حول زَعَامَة محمد الوافي. وظهر شيئًا فَشَيْئًا أن محمد الوافي وأنصاره يُريدون إِنشاء تِيَّار سياسي جديد، ثم بناء تَنْظِيم أو حزب سياسي جديد خَاصٍّ بهم.
وبعد مُرور قرابة أربعة شهور على الاجتماع الأول التأسيسي لمحاولة خلق هذه «الدِّينامية»، أَدْرَكَ محمد الوافي أن رحمان النوضة يُشَكِّل خطرًا على مشروعه الشخصي، لأن النوضة يختلف عن أَتْبَاعِ محمد الوافي، وَلَا يَـقبل زَعَامَتَه. وَحَدَثَت خلافات حَادَّة بين رحمان النوضة ومحمد الوافي، فَافْتَرَقَا. وَذهب مع الوافي أَتْبَاعُه الأَوْفِيَّاء. وعلى خلاف المظاهر، هذا الموضوع ليس مجرّد مُخاصمة بين أشخاص، بل يَدُور حَول مسألة سياسية تَاريخِيَة، وَتُهُمُّ كلّ قِوَى اليسار، ويمكن أن تُؤَثِّر على مصير الشعب. والخلاف يدور حول السؤال التالي: هل نُعالج أزمة قِوَى اليسار عبر خلق أحزاب سياسية يسارية إضافية، أم عبر خَوض دِينَامِيَّة لِتَـقْوِيم وتَثْوِير مُجْمَل قِوَى اليسار الموجودة حَاليًّا؟
وقد قامت مجموعة محمد الوافي بالضَّبْط بِما كان يُحَذِّر منه رحمان النوضة. أَلَا وهُوَ محاولة بِناء تنظيم أو حزب سياسي جديد إِضَافي. وانتـقد رحمان النوضة هذه الفكرة. وأَوْضَحَ النُوضَة أن محاولة إنشاء حزب سياسي يساري خَامِس في المغرب، هي نوع مِن العَبَث، ومَآلها هو الفشل. وقال النوضة أن أنصار فكرة إنشاء حزب يساري خامس بالمغرب، لَا يـفهمون أَسباب ضُعف أحزاب اليسار الأربعة القديمة، وأنهم سَيُـكَرِّرُون نـفس الأخطاء والانحرافات القديمة، وَسَيُعِيدُون نـفس التجربة المُتـعَثِّرَة أو المُعَاقَة. وطرح النوضة أن الحل البديل هو العمل بهدف تـقْيِيم، وَنـقْد، وَتـقْـوِيم، وَتـثْـوِير أكثر مَا يمكن مِن بين أحزاب اليسار الأربعة القائمة حاليًّا.
وقد اُضْطُرَّ رحمان النوضة بِسُرعة إلى الانسحاب مِن تلك المُبادرة السياسية. حيثُ لَم تَمْضِ بضعة شهور على بداية تلك المُحاولة (وكذلك على هذا الاستجواب مع مَوْقِع "حِوَار الرِّيـفْ" ) حتّى انسحب النوضة منها. لأن النوضة لَاحظ أن جزءًا مِن هذه المجموعة الصغيرة (المُلتَـفَّة حول الوافي) تَتَحَرَّك كَــقَبِيلة سِيّاسية غير مبدئية، وأن أحد أطرافها (محمد الوافي) غارق في نَزْعَة زَعَامِيَة مُتـعَصِّبَة، وَيُحاول كَشخص أن يُهَيْمِنَ على كلّ شيء، وأن أَتْبَاعَه المُقَرَّبِين منه يُنَاصرونه بشكل آلِي، وغير مبدئي. وفي مثل هذه الحالة، لَا ينـفع النـقاش، ويصبح العمل المشترك مستحيلًا.
وقال النوضة: بَعد المُجامَلَات الأَوَّلِيَة، اِكْتَشَفْتُ بِاسْتِغْرَاب أنه لا يوجد أيّ تـنَاسُـق بين بعض الفُرقاء الذين شاركوا في هذا المشروع، لَا في الأفكار، ولَا في المبادئ، ولَا في الأساليب، ولَا في النوايا. وَلَا يَسْتَوْعِبُ محمد الوافي، وَلَا المجموعة (التي تُكِنُّ لِشَخْصِه الوَلَاءَ المُطلقَ)، المبادئَ والمهامَّ السياسية الثورية التي دَافَعَ عنها رحمان النوضة في هذا الاستجواب (الذي أجراه مع الموقع الإِلِكْتْرُونِي ”حِوَار الرِّيـفْ“).
وقال النوضة: لَا أقبل العمل مع مَن يستـعمل دَوْمًا أَسَاليب «الكَوْلَسَة». ولا يمكنني أن أعمل مع أناس يَتَظَاهَرُون بالمبادئ الثورية في الخِطَاب فقط، ويرفضون الالتزام بها في المُمارسة. يـقولون أشياء، ويمارسون أشياء أخرى مخالفة. وإذا كانت ممارستـنا مخالفة لِخِطَابِنَا، فمعنى ذلك أننا نمارس السياسة بمفهومها البرجوازي، أي أننا نمارس اللّف، والدوران، والمغالطة، والانتهازية، والخُدْعَة. يُقولون لك: نحن مناضلون إِخْوَة، وتَسُود بيننا الأُخُوَّة، والمحبّة، والمُساواة. لكن في المُمارسة، لا يسمحون لك بأن تَكون عُضوًا، أو حتّى مُتواجدًا، إِلَّا إذا خَضعتَ لِسُلطتهم، مَثَلُهُم في ذلك مَثَل مَا تُمارسه الطَبَقَات المُسْتَغِلَّة.
وكان رحمان النوضة يُصِرُّ على أن مُعالجة نـقط ضُعف أحزاب اليسار الأربعة بِالمغرب، لَن تَتِمَّ عَبْر التَسَابُق إلى تأسيس أحزاب سياسية جديدة وإضافية، وَإنَّمَا تَسْتَوْجِبُ التـفَاعُل مع أحزاب اليسار الأربعة (القائمة حاليًّا) بِشكل غير مُنْحَاز لأيّ طرف، مِن أجل تشجيع هذه الأحزاب على التـقَارُب فيما بينها، وعلى التَـعَاوُن، وَالتَـكَامُل، بِهَدَف تـثْوِيرها، مِن خلال خوض النضالات المُشتركة. بينما كان محمد الوافي مَهْوُوس بِشيء واحد فقط، هو بِنَاء زعامته الشخصية. وكان الهدف الأساسي «للدِّينَامِيَّة»، مِن وجهة نظر النوضة، هو مساعدة أحزاب اليسار الأربعة، والعمل على تـقَارُبِها، وَتـفَاهُمِهَا، وَتـقْوِيمِهَا، وَتـقْوِيَّتِهَا، وَتـثْوِيرِهَا، مِن خلال خَوْض أكثر ما يمكن من النِضالات الجَماهيرية المُشتركة. بينما محمد الوافي مُنْشَغِل بشيء واحد، هو بناء زَعَامَتِه الشخصية، وتـقوية شُهرته، وتـنْظِيم مجموعة سياسية تَابِعَة له. وَلَا يـقبل محمد الوافي أن يُنافسه أحد في تلك الزَعَامَة. ويَحْرُص الوافي على احتكار السيطرة المُطلقة على هذه المَجموعة، كأنها مِلْكِيَة شَخصية خاصّة بِه. وَيُعامل الوافي أنصاره كَأَتْبَاع، أو كَمُرِيدِين، أو كَرَعَايَا. وأنصاره يَتْبَعُونه بشكل أعمى، وَلَا يُناقِشُونَه، ولَا يُخَالِفُونَه في أيّ رأي، ولا يَنْتـقِدُونه فِي أيّ مَجَال. وَمِن سُخْرية الأقدار أن محمد الوافي أعاد إنتاج الانحرافات السياسية التي كان يَشتكي منها داخل "الحزب الاشتراكي المُوَحَّد" الذي سبق له أن اِنْسْحَب منه مع عدد مِن المناضلين الآخرين.
وقد حَاوَل محمد الوافي اِسْتِدْراج رحمان النوضة في مشروعه الشخصي، وأراد الوافي استغلَال النوضة تحت غِطاء "الدِّينامية" لِخدمة مجموعته الخُصوصِيَة. هَمُّه الوحيد هو التحكّم الدائم في تيّار سياسي خاص به، وتـقوية موقعه التـفاوضي. وهذه الحسابات الحَلَقِيَة الضَيـقة لا تُـفِيد المسار الثوري. وإذا كان شخص مُعَيّن لا يـقبل شيئا إلا بشرط أن يكون هو الذي يـقُودُه، أو يُهَيْمِنُ عليه، فالنتيجة الحتمية هي الخلاف، والانـقسام، والانشطار، ثم الإفلاس. وإذا كنّا سنمارس السياسية بعقلية برجوازية، بمعنى أن تأخذ ذَائِمًا أكثر مِمَّا تُـعطي، سيصبح التـعاون أو التكامل مَغْشُوشَيْن. وممارسة السياسة، من منظور ثوري، هي أن تـناضل، أي أن تـعطي كل شيء، وأن لا تُطَالِبَ بِأَخْذِ أيّ شيء. أمّا إذا أراد كلّ واحد منّا أن يأخذ أكثر مِمَّا يُعطي، فسنصبح، في الجوهر، مثلنا مثل الأحزاب الأخرى البرجوازية، نمارس السياسة بمنهاج الاستـثمار الرأسمالي.
وَتُسمّي المجموعة التابعة لِمُحمد الوافي نفسها بِاِسْم «تـنظيم اليسار المُتَـعَدِّد». كأن اليسار في المغرب، المكوّن حاليًّا من أربعة أحزاب يساريًّة، بكل مَا فِيه مِن تـنظيمات، وتوجّهات، وتيارات، وخطوط سياسية مُتـفاوتة، ليس «مُتَـعَدِّدًا» بما فيه الكفاية! وَكَأنّ أحزاب اليسار الأربعة في المغرب لَا تُوجد دخلها آرَاء، وأفكرا، وأطروحات، وَتِيَّارات، وَسُلُوكَات، وَتَوَجُّهَات سِياسية مُتَنَوِّعَة، وَمُتَـفَاوِتَة، وَمُخْتَلِـفَة، وَمُتَعَدِّدَة!
ولا يعلمُ أحدٌ ما هي الأشياء التي تَتَوَفَّرُ في «تـنظيم اليسار المُتعدّد» ولا تَتَوَفَّرُ في أحزاب اليسار الأربعة القائمة حاليًّا. وَلَمْ تَأْتِي مجموعة محمد الوافي بِـ «خَطّ سياسي» جديد ومُتَمَيِّز. وَلم تُنتج مجموعة الوافي أَيَّةَ أُطْرُوحَات سياسية جَدِيدَة، أو مُخَالِفَة، أو مُبْدِعَة. ولم تَبْتَكِر مجموعة محمد الوافي أساليب جديدة في مجالات التنظيم، أو الدِعَايَة، أو النضال المُشترك. بل إن «تنظيم اليسار المُتعدّد» يظهر أكثر ضُعْفًا، وأكثر تخلّفًا، بالمقارنة مع كلّ أحزاب اليسار الأربعة القديمة. وَتَـتَـمَيَّز «مجموعة اليسار المُتعدّد» بِـفَـقْر نَظَرِي مُدْقِع، وَبِهَزَالة تنظيمية بَيِّنَة.
وتكتـفي مجموعة محمد الوافي بِتِكْرَار فِكْرَتَين بَسيطتين وَيَتِيمَتَيْن، هما فكرة «تنظيم اليسار المُتعدّد»، وفكرة «الثورة الهَادِئَة». رأينا فيما سبق أن «تنظيم اليسار المُتعدّد» ليس مُتَعَدِّدًا أكثر مِن اليسار الذي سَبِقَه إلى الوُجود، وَلِنَـفْحَص الآن مقولة «الثورة الهَادِئَة». هَل تُشَكِّلُ فكرة «الثورة الهادئة» نَـقْدًا غير مباشر لِأحزاب اليسار الأربعة، مِن خلال اِتِّهَامها بِاتِّبَاع نَهْج "ثورة حَامِيَة"، أو "صَاخِبَة"، أو "عَنِيفَة"؟ وهل تُوحِي فكرة «الثورة الهادئة» بِرَفْض النضال الثوري، وَبِتَـفْضِيل أساليب المُفاوضات الغامضة، أو الكَوَالِيس المُبْهَمَ؟ وَهَل فكرة «الثورة الهادئة» هِي مدخل لِإِصْلَاحِية جديدة، أم أنها مُـقَدِّمَة لِتَبْرِير وَهْم الاعتـقاد بِإمكانية تَغْيِير النظام السياسي القائم من دَاخِل مُؤَسَّـسَاتِه الشكلية؟ وَهَل أطروحة «الثورة الهادئة» تَعني الإيمان بِإمكانية «الوصول إلى السُّلطة عبر الانتخابات»، أو بإمكانية الانتـقال السِّلْمِي والهادئ من الرأسمالية إلى الاشتراكية؟ وعلى عكس تلك الأطروحات والأوهام، فإن مُجمل الأدب الماركسي يُؤَكِّد على أن «الثورة» المُجتمعية هي نَـقِيض «الهُدُوء». ومُجمل الثورات المُجتمعية الهامّة في تاريخ الشعوب تَتَّصِف بِكُلّ شيء، سِوَى بالهُدُوء. والصّراع الطبقي، وكذلك النضال الثوري، لَا يخضع لِرَغبة الحفاظ على «الهُدُوء»، وَلَوْ حاولنا ذلك.
وعندما يسمع المُلَاحظ خطابات مجموعة محمد الوافي، أو يقرأ الوثائق النظرية التي تنشرها، فَإِنّ الملاحظ لَا يـفهم شيئًا فيها. وهذا هو أسلوب الاختباء وراء الغُموض، لِإِخْفَاء الفَـقر النظري، أو الضُّعف السياسي. وقد سبـق لِكَارْل مَارْكْس أن اِنْتـقدَ بِتـفْصِيل مثل هذه الأطروحات في كُتَيِّبه المَشْهُور «نـقد برنامج جُوطَّا» (Critique du programme de Gotha)(1).
وتُوجد تـنظيمات أخرى صغيرة تَحْلُم، هي أيضًا، منذ أكثر من عشرين سنة، بأنها «سَتَتَمَكَّنُ في مستـقبل قريب من بناء حزب يساري جديد» خاصّ بها. وحتّى بعض فَصَائل الطلبة في الجامعة تَحلم بأنها قادرة على إِنشاء حزب سياسي خاص بها، وقادرة على القيّام بالثورة المُجتمعية نِيَّابَةً عن الشعب. وتتسابـق أحيانًا بعض هذه التـنظيمات إلى المُطالبة بِعُضْوِيَّتها في التَحَرُّكَات الجَمَاعِيَة، وفي «التـنْسِيـقِيَّات»، وفي «الاِئْتِلَافَات»، وفي «الجَبَهَات»، الخ. وتُريد وَضْعَ توقيعها على البَيَنَات المُشتركة إلى جانب أحزاب تُـفُوقُهَا أَهَمِّيَةْ. وتُطالب بِنَصِيبِهَا في اقتسام كَراسي القِيَادِة في هذه «الاِئْتِلَافَات»، في إطار قِسْمَة المُحَاصَصَة المُمْكِنَة فيما بين الهيئات السياسية المُشاركة فيها. وحتّى بعض الجماعات، المُكَوَّنَة من بضعة أصدقاء قُدَامَى، تـقَدِّمُ نـفسها على أنها تُشكّل هي أيضًا «تـنظيما سياسيا يساريا». فهل يُعقل أن نـقبل التـعامل مع أيّة جماعة من الأصدقاء باعتبارها تُشَكِّلُ «حزبًا سياسيا»، أو «تـنظيمًا ثوريا»، أو «تِيَّارًا سياسيًّا»؟ هذا عَبَث غير معقول. بينما لا تتوفر هذه «التـنظيمات» المزعومة على خط سياسي مُتَمَيِّز، ولا على مؤتمرات دورية، ولا على هيكلة تـنظيمية على صعيد وطني، ولا على وثائـق نظرية تأسيسية، ولا على أُطْرُوحَات سياسية مُخالفة لأطروحات أحزاب اليسار، ولا على مشروع سياسي مُغاير، ولا على ممارسة نضالية دَالَّة أو وَازِنَة، إلى آخره. وفي معظم الحالات، لَا يوجد وراء هذه المشاريع الرَّامية إلى «تأسيس حزب يساري جديد» سوى أفراد يَطْمَحُون إلى بناء «زَعَامَتِهِم» الشخصية. ويستـعملون أحيانًا سُلُوكِيَّات غير مَبْدَئِيَة لِتَحْـقِيـق طُمُوحاتهم «الزَّعَامِيَة». ويستـغلّ بعضهم في ذلك نـفوذه المهني، أو يحوّل العلاقات المهنية إلى علاقات سياسية. بينما في أوضاع اليسار الحالية، المُتميِّزَة بالضُّعف، أو الارتباك، أو التَأَزُّم، سيكون من العبث التـفكير في «تأسيس حزب يساري جديد إضافي». [في هذا المجال، أُنْظُر وثيقة رحمان النوضة المُعَنْوَنَة بِـ "نـقد الدَّعوة إلى تأسيس حزب يساري جديد"، ويمكن تَنْزِيلها مِن المُدَوَّنَة (https:LivresChauds.Wordpress.Com)، أو مِن (nokkade.wordpress.com)].
رحمان النوضة.

°°°°°°°°°°++0++°°°°°°°°°°°°

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي