السّياقات المُضادّة للثّورة، وعودة النظام القديم.

عزالدين بوغانمي
2021 / 1 / 15

الثورة عبرت بالأساس عن وحدة إرادة الشعب وتطلعه إلى لجم تسلّط نظام المافيا، ورفع مطالب دستورية وديمقراطية، والمطالبة بنظام اجتماعي، يستند إلى إعادة توزيع الثروة، واسترجاع الثروات الوطنية المُهيمن عليها عبر الأقلّيات المتنفذة. ولكن الثورات واجهت دائما وأبدا ثورات مُضادة. وهذا ما يفسّر فشل مُعظمها. والقليل منها الذي انتصر في العقود الماضية، هي الثورات التي استندت على نظام إقليمي محيط أوسع، احتضنها ورعاها، على غرار الثورة البرتغالية والإسبانية في علاقة بالاتحاد الأروبي الوليد.

كلّ ثورة في التاريخ، واجهتها ثورة مضادة. وهذا قانون خضعت له الثورة الإنكليزية، والفرنسية، الثورات الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر، الثورة الإيرانية، وصولاً إلى الثورة التونسية.

منذ مطلع 2011، وبعد أن تأكّد أنّ الثورة التونسية بسيماتها الجديدة، كونها وحّدت غالبية السكّان، وكونها سلمية، وكون عواملها المحرّكة قِيَمِية أرحب من الدائرة الحزبية التقليدية، بدا واضحًا أنها ليست حدثا محلّيًا، بقدر ماهي "القدحة" الأولى لبداية تحوّل تاريخي موضوعي، خارج الإرادات، وسيشمل المجال العربي برمته. وإذا استمرّ دون كابح، فقد يطال مراكز الاستعمار ونظامه الدّولي، خصوصًا بعد أن رُفع شعار "الشعب يُريد إسقاط وول ستريت" في قلب منهاتن بنيوورك، في إشارة واضحة على أنّ وهج الثّورة قد وصل هناك. في المقابل، كان الذّعر أيضًا قد وصل هناك، إلى دوائر صنع القرار في الدول الغربية. وهو نفس الذُّعر الذي أصاب ملوك الخليج وحكّامه خشية على عروشهم من وصول اللهيب إلى منابع النفط. وحينئذ، كان لا بدّ للقوى الاستعمارية أن تتحرّك، وتسارع بالتّدخّل لِحرفِ الثورة عن مسارها الوطني الاجتماعي، وإفساد نتائجها وتخريبها. وبدأ العمل.

بدأت الحرب على الثورة بكلّ الأشكال والأساليب، حسب الحاجة والأوضاع الدّاخلية، ولكل بلد حسب أهميته. فاستُخدم الإسلام السياسي استخدامًا استراتيجيًّا، باعتبار الحركات الإسلامية ااتّكفيريّة، وحدها قادرة على تقسيم المجتمعات وضرب وحدتها، وتعطيل إصرارها على الذهاب بالثورة أبعد ممّا بجب. وآستخدم التدخّل العسكري في ليبيا لِحسم الصراع ضدّ سلطة مطلقة حصّنت نفسها بنظام أمني/عشائري . واستُخدِم المال لتنفيذ العمليات على الأرص، والإعلام، والمخابرات والإشاعة.. وفي الخلال كانت تجري محاولات إعادة رسكلة بقايا الأنظمة السابقة، ..

شهدت المنطقة منذ ذلك الوقت، حركة أموال واستخبارات، وإمدادات تسليحية، وإقامة روابط وصلات لم تعرفها السّاحة العربية، ولم تكن مُتصورة من قبل، بحيث جمعت أمراء ومثقفين ونشطين حقوقيين، وضباط جيش، ومستثمرين، وتجار سلاح، وعصابات، ولصوص، ومهربين، وقتلة، وسُجناء إعدام مسرّحين، ورجال أمن، و"ثوريين"... وكانت الغاية تنفيذ مخطط إفشال الثورة في كل بلد انطلاقا من معطياته الموضوعية، وإعطاء الفرصة لمراكز النفوذ السابقة، لاسترداد أنفاسها وتغيير ثوبها وإعادة الانتشار على نحو يسمح لها بأخذ زمام الأمور من جديد، ولو بعد حين.

بالتوازي مع ذلك، وخدمة لذات الهدف، وفي تونس على وجه الحصر، بدأ تفتيت الكتلة البشرية الصلبة التي خرجت للشوارع وأسقطت بن علي. ففي تونس، كانت صورة الثورة مُفاجئة للجميع. فسِلميّة التحرّك، وغياب القيادة المركزية، ومظاهر تنظيف الشوارع، وحماية البيوت، ودور أصحاب الشهائد العليا، ووضوح الشعارات، ودلالة الأهازيج،،، كانت كلها دلائل قاطعة على ثورة تقودها القيم بدل الأحزاب، وثورة ذات طبيعة ثقافية غير معتادة.

بدأ تفتيت وحدة الشباب بإطلاق سراح السلفيبن الجهاديين وتمويلهم في وقت قياسي، ومن خلالهم تمّ زرع الفتنة على أوسع نطاق. واستمرّت عملية التفتيت على نار هادئة، بتشويه الثورة والتشكيك فيها، وإدخالها في باب المؤامرة، وتخوينها عبر نشر الأكاذيب والتقارير المزوّرة، والتلاعب بالعقول والكذب الإعلامي. وقد اعتمدت منهجية الكذب وتكراره، ثمّ تكراره حتى تصدقه الجماهير. وما أن دخل الصيف، حتى انكسرت تلك الكتلة الشبابية، وتفرّقت. وحلّت محلّها الرايات السوداء.

كانت المادة الخام والوسائل والبشر، وكل أدوات التنفيذ جاهزة في كل بلد، فالأنظمة الديكتاتورية شيدت عروشها من ورق وخطاباتٍ وترهيب نفسي وسياسي، مستخدمة نفس منهجية التضليل الإعلامي. فاستؤجر الكُتّاب والمحلّلون والمصوّرين والمخرجون والكومبارسات؛ ليقودوا الدعاية ضدّ الثورة، في محاولة لاحتوائها عبر تلخيصها بمطلب رحيل الرئيس، وتسطيح بقية مطالب الثّوار.

كان الشهيد شكري بلعيد قد تكلم في اتحاد الشغل، وفي القصبة، وفي الهيئة العليا عن خارطةً طريق وطنية، تنطلق من ميثاق يقوم على الالتزام بقيم الثورة. وظلّ يُنادي بذلك الميثاق حتى تآمرت عليه القوى الرجعية، ونظمت تصفيته.
كان الميثاق بجوهره يهدف إلى حماية الثورة وتطلعاتها، ويضمن تحركها باتجاه وضع أفكار وقيم تستند عليها صياغة مبادئ الدولة الديمقراطية الجديدة، على أساس أنّ الثورة استهدفت نظام حكم، صادر جميع حقوق المواطن الفرد. واحتكر مصادر القوة. وكُلنا يذكر كيف واجه الشهيد ادعاءات بقايا النظام، التي استخدمت نظرية المؤامرة على نحو يتضمن استخفافًا وقحًا بعقول التوانسة، واستهانة بذكائهم، وبقدرتهم على افتكاك الحرية. وفي لحظة كانت للثورة وحدها الحق في أن تسأل: هل أنت معنا أم ضدنا؟ في لحظة الحلم الأكبر ببناء إجماع على قيم الثورة، يسمح بولادة دولة الحق والقانون، تُصانُ فيها مكانة الإنسان وتحفظ كرامته. لمع شكري، وصارت مداخلاته في البلاتوات ضدّ النهضة والتجمّع، عبارة عن عرض واضح ومتماسك لبرنامج الثورة. فدوّى الرّصاص لتغييبه وتغييب صوته إلى الأبد. ثم تمّ الإجهاز نهائيًا على المعارضة الوطنية الرئيسية المتمسكة بأهداف الثورة آنذاك، باغتيال الحاج محمد البراهمي بغاية إنهاء وحدة الجبهة. وهكذا لم يعد هنالك تهديد في المدى المنظور، لأن الثورة فقدت أنيابها وأظافرها.

طبعا الإسلاميون جزء من المخطط الاستعماري، وأداة من أدوات الثورة المضادة. وكأنّهم مجرّد حرّاس مؤقّتين، في انتظار عودة النظام السّابق. وكلّ الجرائم الاقتصادية والسياسية، وكل الخراب الإداري والمالي والثقافي والتّربوي والإنساني، الذي تتعرض له البلاد منذ عشر سنوات، إنما يندرج مباشرة صمن مخطط دفع الشعب للانقلاب على 14 جانفي، والالتفاف حول الثورة المضادة وجلّاد السعب القديم، وتمهيد الطريق لعودة النظام السابق وترسيخ قواعده الكولونيالية.

هذا هو المغزى السياسي لهذه العودة العنيفة الانتقامية لتنظيم سياسي فاشي مُعلنًا صراحة عداءه للثورة وتخوينه للثوّار.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية