14 جانفي اللحظة الضائعة

أيمن الساسي
2021 / 1 / 15

تفريغ المفاهيم من مضمونها، و جعل الناس تتبنى و تدافع عن تلك المفاهيم الفارغة، هو أحد الأساليب المعتمدة لتطويع الشعوب، طبعا هذا لا يتم دون مثقفين خونة للمثقف بوعي أو بدون وعي...

إحدى أهم التجارب التي كان يمكن توظيفها و الاعتماد عليها بعد 14 جانفي، هي لجان الحماية، فأن ينتظم الشعب بعد أن تهاوت مؤسسة الداخلية و بقية مؤسسات الدولة، و لم يقف متفرجا بل ألهمه عقله و عقلانيته إلى أن يفرز لجنان حماية تتكفل بحماية أحياءه... تلك اللجان كانت لب الديمقراطية...

فالديمقراطية تعني التسيير الذاتي، أي حق الشعب في تسيير نفسه بنفسه انطلاقا من مؤسساته التي يوجدها بنفسه، و هنا أنا لا أتحدث عن الجمعيات الخيرية كما يحلو للبعض أن يتصور، بل أشمل من هذا، أنا أتحدث عن القضاء، الداخلية، البرلمان.... و كذلك المشاركة في تسيير الشركات و المؤسسات التي تتداخل مصالحها مع مصالحه...

الديمقراطية الفارغة تعني انتخاب ممثلين كل فترة زمنية، ليتصرفوا في البلاد و العباد كما يشاءون، أو يشاء أسياد الخارج، صندوق النقد الدولي، الاتحاد الأوربي... أما الديمقراطية الحقيقية، فتعني أن لا يكون الشعب قشة في مهب الريح، أو آخر من يعلم، أو لا يمكنه أن يعلم من أمره شيئا بتعلة أسرار، و أمور دولة... بل تعني أن يكون الشعب مطلعا على أموره، مشاركا في اتخاذ القرار، و له القدرة على تنفيذ قراراته، و أن يختار قبل كل شيء النمط أو الأنماط الحياتية التي يريد أن يحيا وفقها... مادامت تلك الأنماط مسالمة...

هذا يعني أن الديمقراطية لا تشمل دمقرطة الشأن العام فقط، بل دمقرطة الاقتصاد أيضا، فعلى العمال أن لا يكونوا قشة داخل الشركات و المؤسسات، بل عليهم المشاركة في تسييرها و اتخاذ القرار عن طريق ممثليهم... و عليهم الاستغناء عن عبودية الأجرة و التحول لشركاء، فكل منتوج هو محصلة عمل جماعي، و لا معنى و لا عدالة لأن يحتكر طرف كل شيء... و من يفشل في دمقرطة الاقتصاد، فهو يقبل بوجود حصان طروادة داخل بناءه...

الديمقراطية الحقيقية مرعبة و مخيفة للسلطة، لذلك سعت منذ الأيام الأولى لإجهاضها عبر مثقفيها، و ذلك باستغلال الاعلام لنشر المفهوم الفارغ، و إعادة تقوية السلطة و إضعاف المجتمع، و شيطنة كل من خالفها... و اختزلت الثورة في البطون، لتبدأ و تنتهي هناك، و كما كان النظام السابق يحكم بالخبز، واصل النظام الجديد سياسة الحكم بالخبز... و الفكرة الأساسية ليست احتقار الخبز، فالطعام، الملبس، المسكن، الجنس... كلها أمور أساسية، مشتركة بين الإنسان و الحيوان... و اختزال الإنسان فيها و جعله يركض طيلة حياته خلفها، يعني إفشاله كمشروع إنسان، و الحكم عليه بأن يتحيون طيلة حياته، محكوم بالغرائز و العاطفة ليسهل التحكم به...

الإنسان كمشروع هو نتيجة لوقت الفراغ، كل الأعمال العظيمة، العبقرية، الأفكار الكبرى، الفلسفات، الروايات، القصائد، الاكتشافات العلمية... هي نتيجة لوقت الفراغ، فكلما زاد وقت الفراغ كلما زادت إنسانية الإنسان
و كلما نقص كلما نقصت تلك الإنسانية...

اليوم و بعد أن سرقت منا لحظة 14 جانفي، سرقت منا إنسانيتها، جنونها، أفكارها... و اختزلت في الصراعات السياسية، أو العودة اليوم كما يفعل الكثيرين بأسلوب أنيق عبر دمى أنيقة، متأنقة... بتجاوز الصراع السياسي و محاولة تقديم أو اختزالنا في إنسان اقتصادي... ذلك الإنسان الذي يعيش وفقا لمبدأ " أنا أستهلك، إذن أنا موجود "، إنسان غرائزي، لا عقلاني... مغترب عن ذاته، تسرق قيمته لصالح هاتف، سيارة، وجبة غداء في مطعم... إنسان تحكمه الشهوة في علاقته و غرائزه... إنسان فقد علاقته مع الطبيعه، في سباق محموم مع غيره في الاستهلاك، ينشئ دولة تتسابق مع البقية لأجل الاستهلاك.... سباق دمر كل شيء ليس فقط الإنسان، بل الطبيعة بأشجارها، حيواناتها...

إن ما يبنى اليوم و ما يقدم على أساس أنه حداثة... هو لا عقلاني في أساسه، رغم العقلانية التي تطغى على سطحه، حيوان بجلد إنسان و ليس إنسان يحاول أنسنة الحيوان الذي بداخله...