خبو اليسار العربي

مصعب قاسم عزاوي
2021 / 1 / 14

حوار أجراه فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع مع مصعب قاسم عزاوي.

فريق دار الأكاديمية: ما هي الأسباب برأيك التي قادت إلى خبو الفكر اليساري والتيارات اليسارية في المجتمعات العربية؟

مصعب قاسم عزاوي: في العالم العربي لا يوجد فعلياً ما يمكن تسميته «يساراً» سواءً على المستوى الفكري أو السياسي، إذ أن هناك شبحاً واحداً متسيداً اسمه «الاستبداد»، و هو الذي لم يبق من المجتمعات العربية سوى «هشيماً وحطاماً» منزوعاً منه كل شيء قد يتجاوز اللهاث اليومي المضني للبقاء على قيد الحياة، في شروط معادلة «الاستبداد الشامل عمقاً وسطحاً» التي يعني عدم فهمها أو التحرك بموجب شروطها انزلاقاً إلى حافة «التغييب والإفناء الجسدي» الذي يمثل الأداة الأهم للطغاة والمستبدين للحفاظ على هيمنتهم المطلقة على المجتمعات العربية.

والواقع أن جميع التيارات السياسية المؤدلجة التي قد يمكن تصنيفها في خانة «اليسار سياسياً»، وغالبها تيارات وأنماط فكرية «مستوردة على علاتها» من مجتمعات أخرى أنساقها التطورية وصيرورتها الاجتماعية والتاريخية متغايرة عن الشروط الموضوعية والمتطلبات الملحة في المجتمعات العربية، كما هو الحال في المعاناة السرمدية «لليساريين العرب على الطريقة السوفييتية» في تلمس كينونة «الطبقة العاملة» في المجتمعات العربية، مما أرغمهم على لي عنق «مرتكزات الاشتراكية العلمية بشكلها الماركسي» لإعادة تعريف «الفلاحين كجزء عضوي من الطبقة العاملة»، ودفاعهم المستميت عن مشروع «الاشتراكية القائمة بالفعل» الذي لم يخب ألقه في خلدهم حتى بعد أفول النظام القمعي المتلبس بلبوس اشتراكي في الاتحاد السوفييتي، و لفيفه من دول حلف وارسو، حيث أن «الصين العظيمة» لا زالت قائمة «كالطود الشامخ بنظامها الاشتراكي وعلمها الأحمر القاني» على الرغم من معرفتهم المطلقة بأنه لم يبق من الاشتراكية «المزعومة» في الصين سوى الحزب «القائد للدولة والمجتمع» و«جهازه القمعي الوحشي» المسؤول عن قمع أي انتفاضة عمالية في أي من المجمعات والمدن الصناعية العملاقة التي يعمل كل «المقهورون» فيها لصالح خدمة المصالح الرأسمالية الإمبريالية المعولمة وشركاتها العابرة للقارات، و بأجور بخسة مضمونة بقوة حديد و نار «جحافل جيشه الشعبي الأحمر» التي تمنع أياً منهم من التفكر حتى في «أحلام يقظته» بتأسيس نقابة عمالية مستقلة، أو الانزلاق إلى درك الخطيئة أكبر الكبائر مشخصة بإشهار العمال المظلومين المحسورين لسلاحهم الأوحد ألا و هو «الإضراب عن العمل» الذي لا جزاء له في القاموس الشيوعي الصيني سوى «الويل والثبور و عظائم أمور» دولته الأمنية القمعية.

والكثير من التيارات في العالم العربي التي تعرف عن نفسها بأنها «أس اليسار المصفى» قد تم تدجينها واستدماجها في منظومة «الديكور اللازم» لهيبة الدولة الأمنية الاستبدادية على الطريقة العربية المزرية، ومؤسساتها الرمزية، سواء كانت مجالس نواب شكلية أو حكومات خلبية يأتمر كل وزرائها بأوامر سادتهم الأمنيين الحكام الفعليين في الدول الأمنية العربية.

وفي الميدان الفكري المحض، فهناك نموذج فكري سائد يعرف «يساريته» بشكل ضبابي «لا لون له أو رائحة» يخلط فيه «الأفكار الغرائبية لما بعد الحداثة» التي أعتقد بأن منتجيها قد لا يستطيعون فك «شيفرتها المافوق واقعية»، والتي معظم نتاجها المكتوب تم كتابته فقط لغرض الكتابة والتنظير الذي يمثل هدفاً بحد ذاته، بأنساق «ليبرالية»، وأخرى «ثوروية ماركسية» على شكل «لفيف مفروق» لا يستقيم اجتماع جزيئاته لمراقب خارجي حصيف، وهو ما يجعل من نتاج ذلك النموذج الفكري «الفسيفسائي» عصياً على التوطن وإيجاد متلقين له في العالم العربي لعدم تطابقه مع الحد الأدنى من المتطلبات الاجتماعية الملحة في الواقع العربي التي تقتضي الاجتهاد الفكري لإيجاد أدوات معرفية و تنويرية لا غنى عنها في أي مشروع نهضوي انعتاقي يخرج تلك المجتمعات المضناة قليلاً أو كثيراً من واقعها المغرق في مأساويته عمقاً و سطحاً و عمودياً و أفقياً.

وعوداً على بدء، فلا بد من التأكيد الدائم على أطروحة المجتهد الراحل طيب تيزيني المهمة، والتي فحواها «استحالة تشكل أنساق فكرية واضحة الملامح في العالم العربي، والمثقفون مشغولون في معركتهم الوجودية مع الاستبداد». وهي مقولة ذات أهمية استثنائية في تكشف الواقع المرير الذي يعانيه «المثقفون الحقيقيون» في العالم العربي، والذي يرغمهم على توجيه كل طاقاتهم الفكرية واجتهادهم الفكري إلى خضم معركة يومية سرمدية للبقاء على قيد الحياة، وجلجلة لا مهرب من أخاديدها الشائكة لإيجاد فسحة للتفكير والكتابة، ومن ثم إيجاد منبر لإيصال تلك الأفكار «الخديجة» إلى «حاضنتها الاجتماعية» الضرورية، التي لا يمكن أن تنضج دونها، وهي في غالب الأحيان «ضامرة وواهية وواهنة» جراء ما تعرضت له من «قصف وعسف» منظم يقوده «الاستبداد المقيم، وجلاوزته المخضرمون في فنون الترهيب والتعذيب».